رائحة الحزن 

رائحة الحزن 

اللوحة: الفنان الإنجليزي جوزيف تورنر

محمد محمود غدية

شعر بقلبه ينبسط ثم يعود لينقبض، بوتيرة أسرع من انقباضاته الأولى، مطرقة تدق برأسه أنسته اسمه وبيته، والصورة التي كان عليها منذ ساعات، حين طلبت منه حبيبته أن ينساها، ولا يعاود الاتصال بها ثانية دون أن تبدي سببا، ربما أصابها الملل في علاقة لم يؤسس لها على نهايات مكللة بثوب الفرح.. تبددت أحلامه، أصبح رجل بلا ذاكرة، يصرخ: امنحوني حرية الاختيار ما كنت اخترت بداياتي ووأدت عواطفي، يعاني جفاف الروح بعد أن هاجره الفرح، نحن نتآكل ببطء، حين تتفكك روابطنا الاجتماعية أمام أعيننا، نلمسها ونستشعرها ولا نهتم.

فاحت رائحة الحزن الآن مما يعني أنه اقترب من منزله المتداعي، أول ناصية شارع السوق القديم، سيارة إسعاف تقف على مقربة من المنزل، وزحام النسوة المتشحات بالسواد لا يعرفهن، جميعهن يرتدين مسكات خشبية بوجهوهن فبدوا متشابهات، يتدافعن ويفتحن كل الأبواب، البعض يصببن الشاي ويبحثن عن السكر فى دواليب المطبخ وتحت السراير.

لا صراخ لا بكاء، رغم مشاهد الموت ورائحته، فقط وشوشات هامسة من أفواه النسوة المنتفخة بخطوط اللون الأحمر الصارخ والرخيص، وأذان تتسع وتكبر، لتصيغ السمع لثرثرات وحكايات أغلبها ماسخ، وقهقهات خافتة.

ها هي ذا حجرته، وصورته الفوتوغرافية المؤطرة، وشهادة الليسانس، سقطتا من على الحائط وتهشم زجاجها، وهذا سريره وملايته البيضاء فى لون الكفن، أتراها أمه التى ماتت، تناوشه ذاكرته، فتجيبه لا فقد ماتت منذ سنوات، ولحق بها أباه الذي رفض أن يبقى وحيدا دونها.

إذا لماذا السواد والحزن في العيون وفى كل أركان المنزل، ومن الممدد فوق سريره؟ المغطى بلون الكفن، ولماذا النسوة متشحات بالسواد؟ 

يسأل دون أن يتلقى الجواب، لا وقت للأسئلة قبل أن تنجلي الحقائق؟! 

اقترب بخطى مرتجفة من سريره، كاد أن يتراجع، وأمام تدافع النسوة، أصبح في مواجهة الجثة، تحسس قلبه بحثا عن نبضة، كانت تعينه على العيش لم يجدها، انتابه الفزع، رفع عن الجثة الغطاء، ليكتشف موته الملثم. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.