حِذَائِي المَقْطُوع

حِذَائِي المَقْطُوع

اللوحة: الفنان الهولندي فان خوخ

ماهر باكير دلاش

حذائي المقطوع،

ليس مجرد قطعة جلد،

بل صرخةُ تاريخٍ داسته الأرصفةُ

ولم يسجّله أحد.

هو رسالةٌ مرسلة من المستقبل…

إلى قدمٍ لا تخاف السقوط.

***

في الكعبِ الممزّق

تكمن أسرارُ الطرقات المنسية،

وفي خيوطِه الباهتة

ينامُ خيطُ الصبرِ الذي خيّطَ جوعي مرّةً

وسكّتَ وجعَ الغربة.

كان رفيقي حين صمت العالم،

وصوتي حين سُلبتْ اللغة.

كلّما نظرتُ إليه

سمعتُ الخطى التي مضتْ

تركتني واقفًا

والوقتُ يمشي.

***

أنا وهذا الحذاء

مررنا على المطر والوحل والشتائم،

قُذفنا من أبوابٍ كثيرة،

وسُئلنا ألف مرة:

“أين تذكرة العبور؟”

فأشرتُ إلى جُرحٍ في نعله الأيسر،

وقلت:

“هنا ختمتني الأيام.”

***

هذا الحذاء

لم يُصنع في مصانعَ ناعمة،

لم يُطعّم بالفخر ولا يُلمّع بالكلام.

بل شُكّل من كرامةٍ تشققتْ،

من أملٍ تعثر ذات ظهيرة،

ونهضَ دون يدٍ تمسكه.

***

ماذا يعرف الناس عن الحذاء المقطوع؟

عن تلك اللحظة

التي يتوقف فيها الرباطُ عن الطاعة،

وتنشقّ الأرض تحتك،

ولا تملك إلا أن تواصل المشي

بقدمٍ عاريةٍ

ورأسٍ مرفوع؟

***

حذائي المقطوع

ليس مجرد جلدٍ مستعمل،

هو خريطةُ نجاة،

هو وجهُ أبي حين ودّعني

بكلمةٍ واحدة:

“لا تعد مهزومًا.”

هو أنينُ أمّي المختبئ

تحت طبقاتِ الغبار،

هو دمعةُ طفلٍ

لم يجد ما ينتعله

فمشى على القصائد.

***

أكتب الآن

والحذاء بجانبي،

كأنه شاهدُ قبرٍ صامت،

أو تمثالٌ لثورةٍ

لم يسمع بها أحد.

كأنه يقول لي:

“امشِ ولو انكسر العالم من تحتك،

فالأرض لا تُعطى للذين يملكون الأحذية،

بل للذين يمشون بلا شروط.”

***

أيها العالمُ

إذا أردتَ أن تعرف حقيقتي،

فلا تنظر إلى وجهي،

ولا إلى هندامي،

انظر إلى قدمي…

ثم إلى هذا الحذاء المقطوع.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.