اللوحة: الفنان الأميركي أرشيل جوركي
كانت الأوقاف قناةَ الإنفاق على المجتمع المدني، بل تكاد تكون هي المجتمع المدني ذاته، ساهمت في كل المجالات حتى أصبحت عصب التكافل والتراحم في المجتمع، وفي الوقت نفسه وسيلة للأثرياء ليوقفوا جزءًا من أموالهم العينية على المجتمع بدافع ديني عميق. فكانت الأوقاف بعيدة عن سلطة الدولة الحديثة التي لا ترضى إلا بالسيطرة الكاملة على كل شيء.
لم تكن الأوقاف مجرد عمل خيري فردي، بل كانت نظامًا اقتصاديًا موازيًا ساعد المجتمع المصري على الصمود في وجه الأزمات، ومَوَّل التعليم والصحة والدين والفن. وبسبب قوتها واستقلالها، أصبحت دائمًا مجال شدّ وجذب بين العلماء والمجتمع من جهة، والسلطة الحاكمة من جهة أخرى.
***
في كتاب عباس محمود العقاد بعنوان «عبقري الإصلاح والتعليم: الإمام محمد عبده»؛ يروي أن الخديوي عباس حلمي الثاني كان ينفق من أموال الأوقاف العامة على أوقاف أسرته ومزارعه الخاصة، وأنّ محمد عبده (وكان مفتياً وقتها) وقف ضدّ صفقات مبادلة أراضٍ وقفية – ومنها صفقة أرض «مُشتهِر» – التي انتهت بتقديرات مُجحفة، فاشتدّ الخلاف بينهما. ويضيف العقاد أن الخديوي «تخطّاه في التعيين لمشيخة الأزهر مرتين»، وأنّ ترشيحه للإفتاء كان لإبعاده عن المشيخة.
وورد في مقال وثائقي من قناة ماسبيرو الثقافية: «لم يبع ضميره ولا مبدأه، لما أراد الخديو الاستيلاء على أرض الأوقاف وضمّها إلى أملاكه، ولجوءه إلى ما هو أقلّ جودة… رفض ما اعتزمه الخديو، وطالبه بمبلغ عشرين ألف جنيه حتى يكون قراره عادلاً… ورفض الخديو… وبلغ الأمر أن اتهمه أعداؤه بأنه ترك الصلاة وشرب الخمر».
وواصل تلاميذ محمد عبده مقاومة محاولات الملوك الاقتراب من الأوقاف، حتى جاء «ناصر» وقام بالتأميم الكامل وضمها إلى الدولة، وألغى استقلالها التاريخي، وصادر الأراضي الزراعية وضمها إلى الإصلاح الزراعي، وأدخل عوائد الأوقاف في خزينة الدولة، ومنع استقلال المؤسسة الدينية.
ومنذ ذلك الحين توقف نشاط وهب الأوقاف من الناس، وأصبحت الطريقة الوحيدة هي أن يمنح الفرد العقار أو الأرض للدولة، وهي تتحكم تمامًا في إدارته. ولم يتبق سوى إعلانات عن أسهم في أوقاف بلا جذور ولا أساس؛ مجرد إعلانات عن وقف لا يمكن للأفراد متابعته ولا ضمان بقائه لقرون متتالية كما كان في الماضي.
***
في مثال لقوة ووعي المجتمع التركي، «لا يستطيع رجل أعمال أن ينشئ مصنعا أو شركة كبرى في أي مدينة إلا بالتراضي والتفاوض مع أهل هذه البلد، يتعهد ببناء مدرسة أو حديقة للناس وأن يمنح اهل البلدة من المنتج كمية مجانية كل شهر مدى الحياة، وأن وأن.. وبعد ذلك يقام المصنع والكل راضي، السلطة شفافة ولهذا تترك للمجتمع المدني هذه المساحة للتفاوض مع المستثمر، المجتمع متصالح وفي نمو.
***
في المدن المصرية يحدث نشاط هائل في حركة بناء الأبراج السكنية، بناية ترتفع لخمسة عشر دور في مساحة صغيرة، ويقوم صاحب البناية ببيع كل سنتيمتر فيها، العشوائية هي صاحبة الكلمة، أحدهم قام ببيع غرفة مخصصة لمحول كهرباء لتغذية البناية وأصبحت محلا تجاريا، وضع المال في جيبه، ومازال الحال منذ ثمانية أعوام وأصحاب الشقق يبحثون عن حقهم في تركيب عدادات للكهرباء، ولو كان الأمر حاسم كما هو في أمور أخرى، لسجن هذا الرجل في الحال وتم تغريمه وتأديبه. وقام آخر ببيع بئر السلم ليكون محل تجاري، ولو استطاع أن يبيع السلالم لفعل، فغاز الجشع ينتشر بالمدن المصرية بلا تحكم ولا مكافحة.
***
بعيدا عن الحكم القيمي على هذه الممارسات، نتساءل عن حق المجتمع في هذه الأنشطة، المجتمع الضحية والمفعول به، مجتمع الكائنات الصغيرة، ولهذا هناك اقتراحات بسيطة قابلة للتنفيذ وتنشر الخير بالمجتمع وتمنع توتره وشيوع المشاعر السيئة بين الناس.
ماذا لو قام كل صاحب بناية كبرى بتكريس محل صغير لا يتجاوز عشرة أمتار كمنفذ لبيع الأطعمة الشعبية، فيتنازل عن إيجاره، ويجعله مثل الوقف، ثم يعقب الإعلان عن ذلك بدعوة أهل الخير للإنفاق على هذا المحل لينتج طعاما شعبيا، يقدم (الفلافل والفول والكشري.. إلخ)، طعام مجاني للناس، وهناك من يتبرع بمبلغ شهري للمطعم.. كل بحسب قدرته.. وبهذا يصب التبرع في نفس المدينة وليس في أدغال إفريقيا، وتتوالى زيادة هذه المنافذ الخيرية مع كل بناء، وتكون بداية لنشر الخير الصحيح وليس الخير العشوائي، الخير الذي يدوم وليس شنطة رمضان وفقط.
***
كنت في مركز تحاليل شهير، وسألت الطبيبة: «ما نسبة الأطباء الذين يتلقون مالا من المعمل.. فأجابت بأن النسبة 90%، ونادرا ما يترفع الطبيب عن تناول هذه الأموال الحرام، هذا بجانب نيلهم نسبة من الصيدلية التي تقع أسفل العيادة، الأمر شائع بضراوة في طوفان طاغي.
مع ذلك هناك نبلاء.. نادرون.. في بلدتنا نعرف أطباء منذ سنوات طويلة يتناولون كشفا لا يزيد عن خمسين جنيه، ويتزاحم عندهم الناس لأنهم منفذ نادر للرحمة، حاول أحدهم أن يمنع التزاحم فزاد في المبلغ قليلا، فلم يقل التزاحم، فأعلن أنه ألغى الزيادة لأنها لم تحقق الغرض، وهكذا النبلاء.
***
لدي رأي في هذه المسألة؛ «لابد من عمل يصلح الإقتداء به، فتقليل ثمن الكشف يجعل الخير للجميع، الغني والفقير، ولكن لو قام الطبيب النبيل برفع الكشف وجعله رقما طبيعيا طوال الأسبوع، وكرَّس يوم وحيد مجاني لعدد محدد وليكن خمسين مريض، وبهذا يصبح عملا يصلح كمثال شبيه بمحل الأطعمة الشعبية، عمل يغري تطبيقه الأطباء الآخرون بتقليده، عمل ينادي الخير في قلوبهم. ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. وهذا العمل قد يدفع بعض الأثرياء أو المحبي للخير أن يساهموا بدفع مبلغ مالي يتحمل عن الفقراء ثمن الدواء، قد يساهم البعض شهريا بمبلغ صغير أو كبير لعلاج فقراء هذا اليوم المجاني، وتفتح أبواب الخير لجميع النبلاء.
هذه الاقتراحات ابداع في فتح مجالات خدمة المجتمع، وتحيي الخير في القلوب، وتوسع مجالات الإسهام الخيري وتنزع فتيل الأحقاد والمشاعر السيئة بين الناس.
***
إسهام الفرد في المجتمع يكاد يصبح صفرا، هموم المجتمع ليس في خطة الأفراد، لهذا يجب تكرار ضرب مزيد أمثلة وطرح مبادرات تصلح للتطبيق.
عندما قرأ صديقي مقالتي قال لي: أنا أطبق هذا الاقتراح، ولدي محل صغير، أهب المال الذي يؤجَّر به إلى الفقراء والمحتاجين، وأعتقد أن هناك كثيرون يفعلون مثلي ولا نعرفهم
قلت: «لماذا لا تعلن عن هذا الخير؟»
قال: «صدقة السر، فلا تعلم شماله ما أنفقت يمينه».
قلت: «في الماضي كان يُشتهر أن يتبرع الأثرياء بأوقاف، أو يساهموا في مدارس وحدائق، وكل ما يصب في صالح المجتمعن، اليوم لا نسمع عن هذا أبداً، وكل من أقابله يعلن أنه يتبرع ولكن في السر، ولكننا لا نرى في المجتمع أثراً لهذه الدعوى، فما زال الفقر يتزايد وما زال الفقراء يتعرضون لذل السؤال»
إن العادات السيئة تنتشر بعلانيتها، وخاصة عادات مراسم الزواج التي تتعقد، والعادات الحسنة تُكتم عن الناس، وخاصة الصدقات والإحسان، والحجة عند الجميع هي السر. فمتى نرى لهذا السر أثراً في المجتمع مثل أثر العادات السيئة التي بعلانيتها تنتشر فيه؟
الواقع نراه يتمثل في ثراء فاحش لأقلية وفقر مدقع عام، وقد عالج الأمريكيون والغرب هذه المشكلة الناشئة عن حرية الرأسمالية بفتح أبواب بلا عدد للعمل المجتمعي والإسهام الخيري الذي يداوي بعض آثار الثراء المتوحش والتفاوت الطبقي، ويكفي مثال جامعة هارفارد التي تقدر قيمة المنح التي تقدمها بـ 41,9 مليار دولار مما يجعلها أكبر المنح المقدمة من مؤسسة أكاديمية، وهناك أمثلة بلا عدد يسهل رصدها.
ونحن في هذا المجتمع المسلم المسيحي أولى بتشجيع هذا الإحسان المعلن في المجتمع، نحتاج أمثلة يعلن فيها ثري مسيحي وآخر مسلم عن منفذ بيع أطعمة شعبية مجانية، أو يوم كشف مجاني للفقراء، أو يقوم مدرس مهارات خاصة «علمية – فنية – حرفية» بالإعلان عن كورسات مجانية.
مساهمة الأفراد في المجتمع لا نلمسها، وحان الوقت لكي تصبح تياراً شعبياً، تياراً ينبع من المصريين. لقد اشتقنا للروح التي توحّد المصريين، ففي حزب الوفد كان المثال الأكبر في صب كل جهد المسلم والمسيحي في هدف مشترك، وكان أفضل مناخ للسلم والمشاعر الطيبة بين الناس. واليوم نريد أن نستعيد هذا المناخ وهذه الروح، ولا يصلح هذا إلا بأعمال إحسان مُعلنة تصدر من المصريين وللمصريين.
***
القول بسرية الصدقة قد يكون له ظروفه، ولكن اليوم قد تقتضي المصلحة علانيتها. الخير المعلن ليس فقط لخدمة المجتمع ولكن لبث الحياة فيه من جديد، والعمل الخيري يعيد التفاعل بين البشر من جديد، ويشعرهم أن لهم إرادة وقدرة، وأن بهم خيراً. وهذا بدلاً مما هو سائد اليوم من مشاعر الخيبة واليأس والوحدة. كلنا نستغرب حالنا، والدواء بأيدينا، بأن نستجيب للدعوات الصغيرة التي قد يكون لها ناتج ضخم عام، الدعوات التي يراها الناس مثالاً قابلاً للتطبيق.
نظرية جناح الفراشة يمكن أن تشتغل في أي وقت. فقبل «بوعزيزي» الذي أحرق نفسه كان هناك عشرات فعلوا مثله ولم يحدث شيء. وكذلك في عمل الخير أو الشر، قد يكون هذا العمل شرارة لانتشار هائل. ولتكن شرارة سلام لا انتحار. فبداية صغيرة مخلصة تصدر من إنسان صالح قد تكون لها بركة بلا حدود، بداية تغري الناس بالخير وتلهمهم مطاردة الصالحات.
نحتاج بدايات صغيرة هي أشبه بالفسيلة التي ذكرها الحديث النبوي، فهذا الحديث يتوافق تماماً مع المسطرة القرآنية. نريد من كل صالح أن يزرع الفسيلة.
***
وفي هذا الظرف الزمني، حيث يتوافر المال بلا حدود ويتركز في أيدي طبقات قليلة من الناس، تبرز الحاجة إلى إبداع طرق وقف جديدة ومرنة وغير قابلة للمصادرة. وهذا يعني أن تكون أوقافًا بلا تخلي عن الملكية، ومن هنا كان هذا المقال وطرْح فكرة وهب إيجار عقار أو محل لنشاط يصبّ في صالح الفقراء، أو أن يهب الإنسان من مهنته ما يرحم به الناس. وكان المثال: الطبيب الذي يهب يومًا أسبوعيًا للكشف المجاني، أو صاحب الخبرة الذي يقوم بتعليم الشباب مجانًا. وبهذا ينتشر منح الخير من خبرة وعلم ومهارة الأفراد ومن أموالهم، بحيث يتوارث الأجيال عرف هذه الممارسة، ولا تستطيع السلطة أن تكون وسيطًا بين المانح للخير وبين الناس.
نحن بحاجة إلى مبادرات علنية، وأن نتوقف عن الشكوى والاختلاف ونشر المشاعر السلبية واليأس، ولنزرع الفسيلة. ومن يبادر بالإعلان عن عمل خيري مقارب لهذا النموذج سوف يحفّز آخرين، ويكون له جزاء مَن سنّ سُنّة حسنة. وهناك من يفعل ولكن في السر، وما عليه سوى أن يُعلن، ولا ترهبه تهمة الرياء، فليس هذا وقت إخفاء أعمال الخير، بينما أعمال الفساد عارية ووقحة ومتعالية.
