منضدة لاثنين

منضدة لاثنين

اللوحة: الفنان الروسي ناثان آلتمان

محمد محمود غدية

في المقهى كانت تختاره منضدة متهالكة لا تتسع لغير كرسي واحد، اختار هذه المرة منضدة لاثنين، هو والحزن الذي شاركه احتساء فنجان قهوته المرة، الشمس بدأت تلملم عباءتها الذهبية، ايذانا لمساء قاتم جديد، أخرج من حقيبته الجلدية، كراس ممزق الغلاف أهملته شقيقته الصغرى، وبقايا قلم رصاص.

 يشيخ بسرعة بفعل الكتابة، وكأنه كبر ألف عام، يحرقه صقيع الغربة والوحدة، أليست الكتابة مهنة التوحد والعزلة؟ يكتبها لأنها في الحكايات، تعويذته وصلاته الأخيرة، التي لا يملك امامها شيئا، سوى مزيد من الاندفاع والجنون، رشيقة كالفراشة، رقيقة كالنسمة، صوتها هادئ، كموسيقى خافتة، مثل حفيف اشجار، يداعب اوراقها نسيم العصاري، حضورها طاغ كشمس دافئة، حين تمشي ترى مهرة تتمخطر في دلال، تعطيها كل حواسك اذا تكلمت، لا ترضى لها ان تتوقف عن البوح، ولا تكف عن النظر الى ثغرها الباسم وعينيها اللامعتين التي تبادلك التحايا، رموشها خطين من نبات السوسن يوحيان بالأمان. حتى كان يوما، ارسلت اليه رسالة: تعتذر فيها ان دموعها وآلامها حالت بينها وبين لقاءه، وسفرها المفاجئ لشقيقها في ألمانيا، لتكمل دراستها في الجامعة التي يعمل بها أستاذا.

 مازال مأسورا بالغياب، يتصفح كل الوجوه، عله يجد فيها وجه محبوبته التي مازالت تسكنه.

الأيام تمر من حوله باهتة وباردة وميتة، وذلك البناء الذي شيده لأجلها الأشبه بقصور أساطير ألف ليلة وليلة، المطعمة بأعمدة الرخام والأصداف والفسيفساء، كلها تصدعت وتهاوت وتلاشت، ولم تبقى سوى ذكرى باهتة، يكتبها في الحكايات. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.