النقد والنية

النقد والنية

اللوحة: الفنان الأميركي كارل جروسندورف 

في امتحان الابتدائية عام 1970م، انتهيت من إجابة أسئلة مادة الحساب، وأردت أن أسجّل نتائج المسائل حتى أتأكد من حصولي على الدرجة النهائية، فأمسكت بدفتر الإجابة وقطعت الورقة الأخيرة لأكتب النتائج، فلمحني طالب فاستدعى المراقب وأخبره. فأسرع ليتأكد من كلامه، ثم سألني عن سبب قطع الورقة فأخبرته فتأكد من سذاجتي. فاستدعى رئيس اللجنة ومدرّس المادة، الذي أخبرهم أن الورقة تستحق الدرجة النهائية. ولم أكن أعلم أنني ارتكبت مخالفة ستؤدي حتمًا إلى رسوبي؛ لأن قطع الورقة قد يؤخذ كعلامة متفق عليها بيني وبين المصحّح كي يعطيني درجات لا أستحقها. فقاموا بتكوين لجنة منهم، وعملوا محضرًا وأرفقوه بورقتي، وشهدوا أنني فعلت هذا عن جهل لا عن قصد. ولم أخبر أبي خشية العقاب، وظللت في قلق حتى ظهرت النتيجة، وحصلت على الدرجة النهائية في المادة.

الذي أتذكره جيدًا هو التحوّل في مشاعري في هذا الحدث؛ ففي البداية كنت شديد الحنق على هذا المتطفّل الذي أبلغ المراقب عني، ولكن بعد فهمي وتصحيح الخطأ تبدّلت مشاعري تمامًا إلى الامتنان. وما بين الشعورين وقت يسير وفارق كبير.

***

حين يفقد الأب ابنه ويبحث عنه مع الجيران وأهل المدينة، لا يدور في خاطر الأب سوى فكرة واحدة: معرفة أين الولد. لا يهم مصدر هذه المعرفة، فلو جاءه عدوّ له أو منافس وأخبره بمكانه، هل يرفض المعلومة وينتظر أن تأتيه من صديق؟! لا شك أن الصادق في طلب الحقيقة لا يطلب سواها ولا يعنيه من أين يحصل عليها، وحين يحصل عليها لا يسارع بالتكذيب أو الاتهام، وإنما يتحقق منها. بل لو كان العدو مصدر المعلومة عن مكان الولد لتغيّر هذا العدو إلى صديق حميم.

***

تسير فتاة في الطريق، غفلت عن أن رداءها الجميل مشتبك بسنّ دبوس فكشف عن ظهرها، ثم رأتها فتاة تكرهها لأنها تعتقد أنها تغار منها، فأخبرتها وهي شامتة فيها، فلم تُنصت لها ولم تصدّقها، واستمرت في السير، حتى التقت بشاب لفت نظرها فامتلأت خجلًا وأسرعت بتغطية نفسها.

***

عندما يُبدع الإنسان «مقالًا، قصة، عملًا سينمائيًا، رداءً، بناءً، لوحةً… إلخ»، ينظر إليها بذاتية، ويصعب عليه نقدها. وربما يكون بهذا العمل الفني عيب كبير يطفئ ما فيه من إبداع، مثلما كانت الفتاة تسير برداء جميل يسرّ الناظرين، ولكن اشتباكه بالدبوس جعله فاضحًا وداعيًا للخجل. قد يكون في العمل الفني عيب لا يستطيع مبدعه رؤيته، فالآخر يتميز بقدرته على الرؤية بوضوح من خارج ذات الإنسان.

***

كثيرًا ما تذكّرت مواقف في الشباب كنت أعتقد أنني على صواب، ثم اكتشفت بعد فوات الأوان خطأها. فأقول لنفسي: “لو صارحني أصدقائي بهذا الخطأ، لصححته في لحظتها وتلافيت الخطأ مبكرًا”. ثم أواصل تأمل مواقف أخرى، فأجدني كثيرًا ما رفضت نقد أصدقائي وكنت مصرًّا على الخطأ، فأدرك أن النقد يحتاج إلى «ناقد ومستجيب للنقد». ونحن في حياتنا نتقلب بين رفض النقد واتهام قائله، وبين جُبن الصديق عن النقد حتى لا يثير حفيظة صديقه.

***

يُتداول بيننا مصطلح: «النقد البنّاء والهدّام». وهذا يعني أن على الناقد أن يكون حسن النية. والنية غيب، وبهذا فلا إمكان لمعرفة كون النقد بنّاءً أو هدّامًا.

النقد هو «تحديد قيمة الأشياء»، ولهذا سُمّيت «النقود» نقدًا لأنها تحدّد قيمة الشيء الذي تشتريه. حينما نُدخل المعادن للمختبر لنميّز منها النفيس والوضيع، ونحدّد درجة النقاء والشوائب، نقوم بكل حياد ونزاهة بوضع المعادن على أدوات القياس والاختبار. لنفترض أن أحدهم لديه تذكار من الصفيح ورثه من العائلة، عندما يضعه تحت الاختبار لا يكون هناك تأثير لمشاعره تجاه القطعة التي تمثّل التراث العائلي، فقيمتها ليست في كونها ذهبًا أو فضة. المشاعر لا علاقة لها بالنقد. لو تدخلنا في نية الناقد لما خَلُص نقد، ولو صنّفنا النقد إلى «بنّاء وهدّام» لدامت العيوب، ولأصبح الإتقان نادرًا. وسوف يكون ردّ **السلطة السياسية، وأصحاب المذاهب والأيديولوجيات والمصالح الخاصة**: «إن نقدك هدّام».

***

حدثت عام (1977) انتفاضة شعبية أيام السادات بسبب زيادة الأسعار، فأطلق عليها الإعلام: (انتفاضة حرامية). (انتفاضة شعبية وانتفاضة حرامية).. (نقد بنّاء ونقد هدّام). الانتفاضة هي الانتفاضة، والنقد هو النقد. وإدخال الصفة يُبطل أثرها، فالتصنيف والتفتيش في النية يعطي للخطأ والفساد والتيه قُبلة الحياة. وبهذه الطريقة أصبح الاحتلال استعمارًا، والمقاومة إرهابًا، وانقلب كل حق إلى نقيضه الباطل.

***

هل حدث أن قال لاعب كرة القدم للناقد الرياضي: “بدل ما تنقدني ورّيني شطارتك، وانزل الملعب وأحرز أهدافًا”!؟

الناقد الروائي أو السينمائي قد يكون ماهرًا جدًا في مهنته ونقده، ولكن لا يُطلب منه أن يكون بمهارة من ينقده في ممارسته للمهنة. ولا يجب أن يضع نفسه مكانه ويتخيّل خجله أو ضعفه أو ارتباكه. النقد يكون باردًا وبلا انفعال أو تعاطف أو انحياز.

***

في سلسلة محاضرات تاريخية، ذكر المؤرخ مذبحة المماليك عام (1811)، وعبّر عن تفهّمه لما فعله «محمد علي» الذي غدر بالمماليك وذبحهم، وقام بتقمّص مشاعر وطموحات ونية «محمد علي»، فاختلطت عملية النقد، فوقع في خطأ شرعي حين أعطى عذرًا ومبررًا للغدر بالمماليك، والاعتداء على قيمة كبرى. لأنه تقمّص كناقد عقلية ونفسية السياسي، بينما في الإسلام والأديان التي تعلي من القيم الكبرى (الغاية لا تبرر الوسيلة).

وعندما جاء ذكر الدولة العثمانية ومصر، قال: «نظرًا لأن «محمد علي» قام بمحاربة العثمانيين وكاد أن يحتل القسطنطينية لولا تدخل الغرب، ظل العثمانيون حريصين على ضعف قوة الجيش المصري وقلة عدده، وألا تنهض مصر علميًا أو في أي مجال ممكن أن تبرز فيه. وهذا الوضع استفادت منه إنجلترا قبل احتلال مصر، حيث كانت تستعين بالخلافة للاعتراض على أي زيادة في التحصين والتسلح بمصر، وهذا ما سهّل احتلال الإنجليز مستقبلًا لمصر».

ثم قال: “إنني كمؤرخ لا أستطيع حسم موقفي تجاه هذا الحرص على ضعف مصر، فأتأرجح بين تفهّم عذر العثمانيين من خوفهم من المصريين، وبين حزني لضعف الجيش المصري الذي هُزم بسهولة من الإنجليز”.

لقد ارتكب المؤرخ خطأ كبيرًا حين سمح لمشاعره ومنطقه بالإسهام في نقد الأحداث، وخلط بين الحكم القيمي والحيل الدبلوماسية والغدر السياسي. وكان الأولى أن يقوم بالنقد بناءً على القيم الكبرى، فلا يوجد عذر في الحرص على ضعف مصر التي تتبع الدولة العثمانية.

***

يحكي الفنان «سمير صبري» في مقابلة مع المحاور «مفيد فوزي»: «كنت في مدرسة فيكتوريا بالإسكندرية، وكان يقرأ المدرّس عشرين صفحة من رواية «هاملت» لشكسبير، ونحن لا نفهم شيئًا، وهو يعلم أننا لا نفهم، ولكن نشعر بأن هناك أزمة. ثم يطلب منا النزول إلى المكتبة حيث بها 36 كتابًا عن (التردد في شخصية هاملت)، وفي الأسبوع القادم يدور الدرس حول هذا التردد. وكان في هذا النقاش جوانب اجتماعية ونفسية وعاطفية عميقة، وكنا صغارًا بالابتدائي. فتعلّمنا البحث والنقاش. وفي وقت آخر تعقد مناقشة بمسرح المدرسة عن «عقوبة الإعدام»، ويجلس تلميذ يؤيد العقوبة، في مواجهة تلميذ آخر ينقدها، وتجتمع المدرسة كلها لتنصت لهذا الحوار ونتعلم كيف النقاش والنقد».

نخلص من هذه القصة أن تعلّم النقد وتقبّله والتدرّب عليه يكون في المدرسة في الصغر.

***

في أوائل الثمانينيات كنت في المرحلة الجامعية، وكنت أقرأ بشغف كل صفحات مجلة «أكتوبر» التي يرأسها الكاتب «أنيس منصور». وكان أشهى وأول ما أقرأه مقالات الدكتور «حسين مؤنس». كنت أقول لنفسي باللغة الهندسية: (هذا المفكر مضبوط على نفس ترددي)، وأقصد التردد الكهربي electrical frequency. وبينما أنا مندمج في قراءة مقالاته، إذا به ينحني على موضوعات دينية، فإذا بي أُصاب برعشة ورهبة، وهذا ما حدث بالفعل بلا مبالغة. أدهشني وصدمني تلك الجرأة في طرح الأفكار، فقلت لنفسي: «هذا أستاذ تشبّع بالأفكار الغربية ولم يتأدب مثلما نتأدب مع شيوخنا حين يتحدثون عن الإسلام، فيستعمل قلمه بجرأة غير منضبطة».

ولهذا قررت لسنوات ألّا أقرأ له ما يتعلّق بالإسلام، فقط أستمتع بما يقدمه من أفكار عن الحياة والفكر وكتبه عن تاريخ الأندلس. ومرت الأعوام، وأدركت معنى النقد، ولم تعد تصيبني الرعشة، وقرأت للجميع، وفهمت ما كان يقوله «حسين مؤنس» عن ضرورة النقد المجرّد: “مشكلة المسلمين أنهم لا يرضون إلا أن يتناولوا وجبات تاريخ بالسكر! ولكنه ليس تاريخًا وفقط، بل دين، ومنه وبه تُدار حياة شعوب وأمم”.

***

مما قرأت: «العقل النقدي أفضل بمراحل من العقل المعرفي، لكن لا بد أن يتأسّس النقد على معرفة. فالقناعات ليست خزانة المجوهرات الخاصة بك، تُحفظ في مكان محصّن، ثم تُكرّس عمرك كله للدفاع عنها ضد السرقة، بل لا بد لها من الاختبار والتعرض للنقد، ويكون دومًا لتثبت أصالتها وصحتها. أما إن كنت تخشى أن تكتشف أنك كنت ساذجًا طوال رحلة عمرك، فهذا الكشف أقل فداحة من أن ينقضي بقية عمرك وأنت ساذج».

***

قال الدكتور «خالص جلبي» في كتابه «في النقد الذاتي: ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية»:

“إن مفهوم النقد الذاتي يعتبر غريبًا على المسلمين المعاصرين، فهم لا يرون فيه مصطلحًا إسلاميًا، لأنه لم يأتِ في كتب ابن تيمية والشوكاني وابن القيم وغيرهم، ولم يرد باللفظ في الحديث أو القرآن، ولهذا لا يفهمون إلا أنه «تشهير»، وهذا يجب تعديله”.

ومن الأفكار التي طرحها الناقد الكندي «نورثروب فراي» في كتابه «تشريح النقد»: أن الأدب في ذاته لا يمكن تدريسه بالطريقة ذاتها التي تُدرّس بها العلوم، وإنما الذي يُدرّس هو النقد الذي يفتح لنا أبواب الفهم والتحليل. يقول:

“لا يمكننا أن نُعلّم الأدب؛ ما نُعلّمه هو النقد الذي يتناول الأدب”.

وقد بسطها أحد المفكرين قائلًا: “لا يمكن تعليم الأدب مثلما أنه لا يمكن تعليم الطبيعة، ما يمكن تعليمه هو النقد الذي يدرس الأدب، والفيزياء التي تدرس الطبيعة. النقد علم الأدب مثلما أن الفيزياء علم الطبيعة”.

وهذا ما يلتقي مع ما أكّد عليه الدكتور «فؤاد زكريا» في كتابه «الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة» حين قال: “من أكبر الأخطاء أن تكون البداية باليقين والإجابات الجاهزة، البداية هي النقد والتساؤل واختيار واختبار الأفكار”.

***

فالنقد – عند فراي وزكريا معًا – ليس أداة تدمير ولا وسيلة للهجوم، بل هو المدخل الطبيعي للمعرفة، والميزان.

النقد ليس خصومة شخصية ولا فعلاً هدامًا، بل هو عين ترى ما قد يغيب عن صاحبه، وميزان يزن القيم بعيدًا عن الأهواء والنيات. وحين نحرره من التصنيفات المضللة، يصبح أداةً للمعرفة والإصلاح، وسبيلًا لا غنى عنه لنهضة الفكر والمجتمع.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.