اللوحة: الفنان الجزائري صالح المقبض
ماهر باكير دلاش

منذ أن نزل الوحي على قلب النبي محمد ﷺ، حمل معه رسالة متفردة، تجمع بين صفاء الحقيقة وجلال الجمال. فالإسلام ليس مجرد منظومة من الأحكام والعبادات، بل هو رؤية متكاملة للوجود، تعكس وحدة الخالق وتنسج العلاقة بين الإنسان والكون ضمن إطار من التوازن والانسجام. هو نظام للحياة بكل تفاصيلها، يعلّم الإنسان كيف ينظر إلى نفسه، وكيف يتعامل مع غيره، وكيف يقرأ العالم من حوله، وكيف يرفع بصره إلى السماء فيرى آيات ربه متجلية في كل شيء.
الحق في الإسلام هو أصل كل شيء، فهو اسم من أسماء الله تعالى، وبه قامت السماوات والأرض. والحق ليس مجرد لفظ يتردد في النصوص، بل هو حقيقة قائمة في الخلق، وقيمة أصيلة في التشريع، وغاية يسعى إليها السلوك الإنساني. وإذا نظرنا في جوهر هذا الدين، نجد أنه يقدّم الإنسان إلى الحقيقة الكبرى: أن وراء هذا الكون إرادة خالقة حكيمة، وأن الوجود ليس عبثًا، بل له غاية وقصد، وأن الإنسان جزء من نظام كوني متكامل، يسير وفق سنن راسخة لا تتخلف. هذه السنن هي قوانين الله في الكون، التي لا تحابي أحدًا ولا تتبدل، وإنما تكشف أن الحق ثابت لا يتغير، وأن كل انحراف عن هذا الحق يورث فسادًا في الأرض وضيقًا في الصدور.
أما الجمال، فهو الوجه الآخر لهذه الحقيقة. فإذا كان الحق يمثل الثبات واليقين، فإن الجمال يمثل البهاء والصفاء. الجمال في الإسلام لا يقتصر على مظهرٍ أو صورة، بل يتجلى في كل ما يعبّر عن التناسق والانسجام، سواء في آيات الكون أو في روح التشريع أو في سلوك الإنسان المؤمن. إن التأمل في آيةٍ من كتاب الله، أو زهرةٍ تنبثق من رحم الأرض، أو لحظةِ صفاءٍ مع النفس في صلاةٍ خاشعة، كلها صور من الجمال الذي أراده الله للإنسان. بل إن الجمال يتجاوز المحسوسات ليبلغ المعاني، فالكلمة الطيبة جمال، والابتسامة الصادقة جمال، والعدل جمال، والرحمة جمال، والتسامح جمال، وكل قيمة إنسانية عالية ما هي إلا إشراقة من إشراقات هذا الجمال الإلهي.
حين نقف عند القرآن الكريم، نجد أنه يخاطب العقل والوجدان معًا. فهو كتاب حقّ، لأن فيه الهداية والبراهين، وهو كتاب جمال، لأن كلماته تحمل من الروعة ما يأسر القلوب، ومن البلاغة ما يجعلها حاضرة في كل زمن. نقرأ آياته فنشعر أن قلوبنا ترتوي قبل عقولنا، ونسمع تلاوته فنجد أن الجمال الصوتي يقودنا إلى إدراك الحق المعنوي. وفي الحديث الشريف، نلمس ذلك الاقتران بين الحق والجمال حين يقول النبي ﷺ: “إن الله جميل يحب الجمال”، وكأنه يربط بين إدراك الحق وتجلي الجمال، فالجمال الحق هو الذي يعكس عظمة الخالق ويقود النفس إلى الطمأنينة.
الإسلام إذن يقدّم تصورًا للإنسان على أنه مخلوق مكرّم، مُنح العقل والروح والجسد، ليعيش متوازنًا بين هذه الأبعاد الثلاثة. وإذا أمعنا النظر، وجدنا أن هذا التوازن بحد ذاته صورة من صور الجمال، لأنه يمنع انحراف الإنسان نحو الغلو أو التفريط. في العبادة جمال، لأنها تربط القلب بالسماء وتغسل الروح من غبار الأرض. في المعاملة جمال، لأنها تدعو إلى الصدق والرحمة والإحسان. في العلم جمال، لأنه يكشف عن سنن الله في الخلق ويدعو إلى إدراك عظمة النظام الكوني. وحتى في العمل اليدوي البسيط جمال، إذا صاحبه الإخلاص والإتقان، فالإسلام لا يفصل بين الجهد المادي والروح، بل يجعل كل عمل متقن عبادة، وكل سلوك مستقيم طريقًا إلى الله.
أما الحق، فإنه يتجلّى في كل تشريع إسلامي. فالتكليف لا يكون إلا بما يستطيع الإنسان حمله، والجزاء قائم على العدل، والحقوق والواجبات وُضعت لتضمن توازن المجتمع. الحق في الإسلام ليس شعارًا مجردًا، بل هو ممارسة يومية: حق الضعيف في مواجهة القوي، وحق الفقير في نصيب من مال الغني، وحق المرأة والرجل والطفل والشيخ، وحق الحيوان والبيئة. كلها حقوق ترسم صورة حضارية يتجلى فيها نور الحق وعدل الخالق. ومن يتأمل يجد أن الحق حين يُترجم في حياة الناس، فإنه لا ينفصل عن الجمال: فحماية الفقير جمال في الرحمة، ورعاية البيئة جمال في الإحسان، وإكرام الكبير جمال في الوفاء، وحفظ كرامة الصغير جمال في العدل.
إن الجمع بين الحق والجمال في الإسلام ليس مصادفة، بل هو من طبيعة هذا الدين. فكل حق يخلو من الجمال يصبح جافًا، وكل جمال يخلو من الحق يتحول إلى زينة زائلة لا روح فيها. ومن هنا نفهم سرّ قوة الإسلام في تاريخه، فقد أبدع المسلمون حضارةً امتزج فيها العلم بالروح، والعقل بالقلب، والحق بالجمال. في العمارة الإسلامية نرى ذلك التناغم بين البساطة والفخامة، حيث لا تنفصل الوظيفة عن الزينة. في الخط العربي نرى انسجام الحروف مع المعنى، حتى تصبح الكلمة المكتوبة لوحة من الجمال الناطق. وفي الموسيقى الروحية نرى السموّ الذي يأخذ الإنسان بعيدًا عن الابتذال. وفي العلوم الطبيعية والرياضية نرى كيف أدرك العلماء المسلمون أن كشف القوانين الكونية هو إدراك لحقائق الله في الخلق، وأن في جمال المعادلات وانسجامها برهانًا على وحدة الخالق.
ولعل أعظم ما في الإسلام أنه يفتح للإنسان بابًا لرؤية الجمال في ذاته وفي غيره. فالنظر إلى وجه طفل مبتسم، أو إلى زرعٍ أخضر، أو إلى نجومٍ تلمع في السماء، ليس مجرد إحساسٍ عابر، بل هو إدراك أن وراء هذا الجمال حقيقة عليا، وأن الله أودع في الكون إشارات تدل عليه. فالجمال في جوهره طريقٌ إلى معرفة الحق، والحق في حقيقته يكشف عن عظمة الجمال. وحين يتذوق الإنسان هذا الارتباط العميق، يعيش في سكينة داخلية لا يقدر عليها من غفل عن هذه المعاني.
وهكذا، فإن الإسلام ليس دينًا يقتصر على حدود الشعائر، بل هو دعوة للإنسان كي يعيش في عالمٍ من الحق والعدل، في محيطٍ من الجمال والصفاء. إن المسلم حين يتوضأ ليصلي، يغسل جسده، لكنه يغسل أيضًا قلبه من الكدر، ليقف بين يدي خالقه في حالة من الطهر والجمال الروحي. وحين يقول كلمة صدق، فإنه يحقق الحق، ويمنح العالم لمسة جمال، لأن الصدق في ذاته نور يضيء القلوب. وحين يعفو عن من أساء إليه، فإنه يجمع بين قوة الحق وصفاء الجمال. وحين يكدح في طلب الرزق بشرف وأمانة، فإنه يعبر عن جلال الحق وروعة الجمال في آنٍ واحد.
الإسلام دين يجمع بين صرامة الحق ورهافة الجمال، ليصنع إنسانًا متوازنًا، ومجتمعًا راقيًا، وحضارةً خالدة. وإذا كان البشر يبحثون في كل زمان عن اليقين وعن السكينة، فإن الإسلام يقدّم لهم المعنى العميق للوجود: أن يعيشوا في ظل الحق، وأن يذوقوا حلاوة الجمال، وأن يجدوا في الجمع بينهما طريقهم إلى الله.