الأرخبيل

الأرخبيل

اللوحة: الفنان البرازيلي ماركوس جينوزا

ماهر باكير دلاش

في تلك الزوايا المعتمة من العقل، حيث الأفق يتداخل مع السماء بظلاله الرمادية، يشعر الإنسان وكأنه جزيرة صغيرة في بحر عميق من الأفكار. كل فكرة، كجزيرة أخرى، تطفو بالقرب منه، تغمرها الموجة تلو الأخرى، ولكنها لا تلتقي أبداً. هذا البحر الذي يفصل بين الأفراد، هو ذاته الذي يلتصق بهم، يدور حولهم في حلقات، ولكن دون أن يفضي إلى أي مكان حقيقي.

منذ الأزل، كانت هذه الأرخبيلات الصغيرة تتكاثر بشكل غير مرئي، تتقاطع وتتناثر كما لو كانت تتنفس في تناغم غريب، رغم أنها تفصل بينها مسافات شاسعة. وعلى الرغم من أن كل جزيرة قد تتوهم بأنها هي الوحيدة، إلا أن البحر هو الذي يتحكم في مصيرها. هو الذي يعطيها شكلها، وهو الذي يغير حدودها، دون أن تملك السيطرة على ذلك.

تبدأ إحدى الجزر بالتحرك بفكرة جديدة، وتغني الأمواج حولها أغنيتها المتواصلة. ثم تأتي جزيرة أخرى، تنشأ من جديد، وتحاول أن تلتحق بها، ولكنها تجد نفسها قد فقدت الطريق وسط تلك الأمواج الغامضة. لتعيد كل جزيرة اكتشاف نفسها من جديد، وكأنها لم تكن هناك في البداية. كل جزيرة تراقب الجزيرة التي قبلها، لكنها لا تملك الإجابة على أسئلتها العميقة.

هناك شيء مضحك في هذا الوضع. كل هذه الأرخبيلات، التي يبدو أنها لا تلتقي أبدًا، تعتقد أنها تمثل شيئًا عظيمًا. لكن الحقيقة هي أن لا أحد يعرف إلى أين تذهب. فالمسافة بينها تتسع، بينما هم يحاولون الاقتراب من بعضهم البعض. في الواقع، لا يوجد مسار مباشر، ولا إحداثيات واضحة. هم يسيرون في حلقة لا نهائية، يظنون أنهم في الاتجاه الصحيح، لكنهم في الواقع يبتعدون عن شواطئهم أكثر فأكثر.

وعندما يظن أحدهم أنه قد وصل إلى الجواب، يأتي الموج ليحطم اليقين، ليتركه يتخبط في فراغ آخر. لكن لا بأس، فهذه هي اللعبة. كل جزيرة تبحث عن ذاتها، ومع كل خطوة، تصبح المسافة بينها وبين الأخرى أكثر اتساعًا، لكن هذا لا يمنعها من أن تستمر في الرقص في بحرٍ لا يمكن التنبؤ بحركاته.

كل جزيرة، في هذه اللعبة، هي انعكاس لشيء ما. شيء غير مرئي، يتنقل من عقل إلى آخر، من فكرة إلى أخرى، كما لو أن هذه الأرخبيلات ليست مجرد تصورات، بل هي موجودات حية ذات أبعاد متعددة. ومع مرور الوقت، يبدأ بعضها في النمو، ينضج، بينما البعض الآخر يغرق في أعماق البحر، يختفي عن الأنظار، وتظل الأمواج تلطم ساحلها بحذر. أحيانًا، تشعر تلك الجزر بأنها مهددة، بل أحيانًا تغمرها حالة من الطوفان الفكري، حيث تصبح كل فكرة جديدة تهدد ما تبقى من هويتها. بينما الجزر الأخرى تظل ثابتة، وكأنها تأبى أن تسير مع التيار.

لكن ماذا عن البحر نفسه؟ هل يمكن أن يكون هو الذي يوجه هذه الجزر؟ أم أن البحر هو ببساطة انعكاس للمناخ الذي نشأت فيه تلك الجزر؟ البحر هنا ليس مجرد جسم مائي عابر، بل هو مشهد متحرك من الأفكار، مزيج من الهدوء والتقلبات، يحمل بداخل تياراته ما هو قديم وما هو جديد، وما هو مستمر وما هو متغير. بعض الجزر تحاول أن تسبح ضده، في محاولة للخروج من دوامة الأفكار المتكررة، بينما الأخرى ترسو في هدأة، مطمئنة إلى ظلالها التي تراقبها.

أحيانًا، تجد جزيرة صغيرة تلتقط فكرة خفيفة، كأنها جزيرة مبتدئة في هذا البحر المعقد. تبدأ في النمو، تتوسع، تتفرع، تخرج من بين الأمواج كما لو أنها تبتكر ملامح جديدة لها، وعندما يحين وقتها، تأتي جزيرة أخرى، متقدة بالعزيمة، لتخطف منها الفكرة وتطير بها إلى مكان بعيد، فتسود حالة من التنافس الخفي بين الأرخبيلات.

وبينما تتسابق الجزر، تتفاوت أحجامها، تتعاظم بعضها وتنهار أخرى. لكن الغريب في هذا البحر هو أن كل جزيرة، مهما كانت صغيرة أو كبيرة، ترى نفسها مميزة، تنبثق من عمق البحر ككائن فريد، في حين أن الحقيقة تكمن في أن البحر ذاته هو الذي يخلق كل شيء، وهو الذي يحدد النهاية. مع ذلك، يبقى لكل جزيرة قناعتها، ويظل كل فرد في هذا البحر يعتقد أنه هو المركز، هو المحور الذي تدور حوله كافة الأفكار.

لكن هناك لحظات من الفوضى، لحظات تتصادم فيها الجزر بشدة، يلتقي بعضها البعض في مشهد يشبه التصادم بين موجتين عاتيتين، حيث يظهر الدخان على سطح البحر، وتختفي الجزر في ضباب كثيف. في هذه اللحظات، تكون الجزر أقرب إلى الفوضى من التوازن، تتحطم، تتداعى، لكنها سرعان ما تنبعث مجددًا، كما لو أن البحر يعيد تنظيم نفسه من جديد.

لا تملك أي جزيرة الإجابة، وكلما ظنت جزيرة أنها قد اكتشفت السر، بدأت الجزر الأخرى في التشكيك بها. وفي النهاية، تصبح كل فكرة شيئًا نسبيًا، حيث لا توجد فكرة خالدة، ولا جزيرة ثابتة، ولا بحر ثابت. كل شيء في حركة، وكل شيء في تغيير مستمر. وإذا حاولت جزيرة ما الثبات، كانت الرياح تأخذها بعيدًا، ليبدأ هذا الصراع من جديد.

هذه هي الفكرة الوحيدة التي تظل ثابتة في هذا المشهد: لا شيء ثابت. كل جزيرة تعيش في حالة من التغير الدائم، تتحرك، تنمو، تنهار، ثم تنبعث من جديد. ولا أحد في البحر يملك الجواب، بل الجميع يسعى للحفاظ على جزيرته في مكان ما، على أمل أن يجد نقطة توازن وسط هذه الموجات المتلاطمة من الأفكار.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.