طريق الآلهة من بابل إلى هيروشيما.. رحلة باسم فرات في نفس الإنسان

طريق الآلهة من بابل إلى هيروشيما.. رحلة باسم فرات في نفس الإنسان

بين منائر بابل الشامخة في فجر الحضارة، وهيروشيما التي اكتوت بنيران القرن العشرين، يصحبنا الشاعر والكاتب باسم فرات في طريق طويل من الأسئلة والحنين، طريق لا تحكمه الجغرافيا، بل توجهه البصيرة؛ فـطريق الآلهة ليس كتاب رحلات تقليدي، بل سيرة ذاتية روحية لإنسان يبحث عن نفسه محاولا إعادة اكتشافها، وهو عمل أدبي يمزج بين السرد الواقعي، والتأمل الفلسفي، والرؤية الشعرية، وهو جزء من مشروع الكاتب في أدب الرحلة الذي يتقاطع فيه المنفى والهوية والبحث عن المعنى.

يعد كتاب «طريق الآلهة» من أبرز أعمال باسم فرات النثرية في مجال أدب الرحلة، الذي يمكن تسميته بالرحلة الثقافية – الوجودية، حيث تتحول الجغرافيا إلى مرآة للذات، وتصبح المدن فضاء رمزيا لتأمل المصير الإنساني، يجمع فيه الكاتب بين تجربته في التنقل بين القارات وبين الرؤية الوجودية للإنسان في المنفي.

الرحلة كخلاص روحي

يكتب باسم فرات الرحلة بوصفها اختبارا للروح، فهو لا يرتحل ليصف، بل ليشفى، لا يدون الأمكنة، بل يعبر من خلالها إلى فضاء داخلي أوسع من الخرائط، فهو لا يكتفي بوصف الأمكنة، بل يستخدمها لتفكيك ذاته وتشكيل هوية جديدة منفتحة على الإنسانية جمعاء، ويتعامل مع الرحلة بوصفها بحثا في جوهر الإنسان، لا في المكان، فالرحلة عند فرات ليست سياحة جغرافية، بل سفر في الذات، فهو يكتب ليكتشف نفسه في مرآة الآخر، يقول في مقدمته: “المنفى جعلني أرى العالم بعين أكثر صفاء، وأفهم وطني في انعكاس الغريب” بهذا المعنى، تتحول الرحلة إلى طقس للتطهر والتأمل، وإلى محاولة لاستعادة الإنسان المفقود وسط الحروب والمنافي.

يبدأ الكاتب رحلته من العراق – «منائر بابل» – وينتهي في اليابان – «هيروشيما» – في مسارٍ رمزيّ من الحضارة إلى الفاجعة والفناء، من بغداد التي بقيت في ذاكرته كجرحٍ لا يبرأ، إلى هيروشيما التي وجد فيها صورة العالم بعد الانفجار، وتمتد رحلته كجسر بين حضارتين: حضارة ولدت من الطين والنار، وأخرى قامت من رمادها لتعلم الإنسان معنى النهوض.هنا يصبح المكان كيانا حيا يحمل تاريخه وألمه، وتتحول المدن إلى نصوص موازية تعيد تشكيل وعي الكاتب بالإنسانية. هيروشيما، على وجه الخصوص، تظهر في الكتاب بوصفها رمزًا للعالم المعاصر بعد الكارثة، حيث يمتزج الدمار بالجمال، والفقد بالأمل.

يقول فرات في أكثر من موضع إن الغربة لم تسرقه من وطنه، بل علمته كيف يرى وطنه من بعيد، وكيف يكتشف أن كل أرض يمكن أن تكون بيتا حين يسكنها بالمعرفة والمحبة.

المكان ككائن حيّ

لا يتعامل الكاتب مع المكان كمشهد ساكن، بل ككائنٍ يتنفس، يحزن، ويبتسم، المدن في كتابه أشبه بالشخصيات الروائية: بابل تتكلم بصوت الأسطورة، ونيوزيلندا تحاوره بهدوء البحار، أما هيروشيما فتفتح جرحها لتسأله عن مصير الإنسان بعد أن أخطأ في حق الآلهة والطبيعة معا.في وصفه للمكان، يمتزج الحس الجمالي بالوعي الفلسفي؛ فكل مدينة يزورها تتحول إلى مرآة لأسئلته الوجودية: عن الخلق، عن الذاكرة، وعن جدوى البقاء.

صورة الآخر

يتعامل الكاتب مع الآخر (الياباني، النيوزيلندي، الآسيوي) بوعيٍ نقدي متوازن، بعيد عن النظرة الاستشراقية أو الاستعلاء الثقافي، فيرى في الشعوب الأخرى شركاء في الوجع الإنساني، ويبحث في ثقافاتهم عما يوحد لا ما يفرق، ففي اليابان، حيث أقام طويلا، لا يرى في الاختلاف حاجزا، بل جسرا للتفاهم.يكتب عن اليابانيين بعينٍ محب متفهم، يرى في طقوسهم اليومية، وفي احترامهم للجمال والعمل، درسا روحيا يستحق التأمل، وفي المقابل، يحمل إليهم من ثقافته العربية شغف الحكاية وقداسة الكلمة، ليصنع من التبادل الثقافي طريقا ثالثا يجمع الشرقين في قلب واحد. بهذا، نرى في نصه أخلاقيات اللقاء الحضاري، حيث الحوار يحل محل الصراع.

اللغة والأسلوب

لغة باسم فرات في هذا الكتاب مزيج بين النثر الشعري والتوثيق السردي، تجمع بين الدقة الوصفية والحمولة العاطفية والفكرية، فيستخدم جملا تأملية تنفتح على الرمز والتاريخ، وتهيمن على النص نبرة الاعتراف والتأمل الفلسفي، لا نبرة الرحالة المندهش فقط، وتبرز في لغته مفردات مثل: النور، الغياب، الذاكرة، البحر، الطريق، الطفولة، الخلاص، وهي مفاتيح دلالية لرحلة بحثٍ عن معنى الوجود، كما يوظف الأسطورة الرافدية والبوذية بشكل غير مباشر، ليقيم جسورا بين الشرقين العربي والآسيوي. 

البنية الجمالية والفكرية

الكتاب لا يكتفي بتوثيق الأمكنة، بل يقدّم فلسفة في العبور والاختلاف، تجعل الرحلة تأملا في معنى أن تكون إنسانا في عالم متغير، يعيش الكاتب بين العراق واليابان كأنهما قطبان في ذاته: بابل التي ترمز إلى الذاكرة الأولى، وهيروشيما التي تمثل الوعي الحديث بالكارثة، ويمزج بين الحكاية الأسطورية والتجربة الشخصية، فيتحول العبور الجغرافي إلى عبور ميتافيزيقي نحو الذات، ومن خلال وصفه لهيروشيما ومآسيها، يؤكد أن الخلاص لا يكون إلا بالمعرفة والحب والرحمة، لا بالعنف أو القوة، ومن بين السطور يتسلل الإحساس بأن الشعر هو الملاذ الأخير لهذا الرحالة، فحين تضيق الأرض، تتسع اللغة، وحين يغلق التاريخ أبوابه، يفتح له الخيال نوافذ النجاة.يكتب باسم فرات ليقول إن الجمال ليس ترفا، بل مقاومة ضد القبح والخراب، إنه يؤمن بأن الكتابة يمكن أن تشفي العالم من جراحه، تماما كما شفت هيروشيما نفسها حين أزهرت حياة فوق رمادها.

إن «طريق الآلهة» ليس مجرد رحلة من بابل إلى هيروشيما، بل رحلة من الإنسان إلى الإنسان. هو عمل يحتفي بالاختلاف بوصفه شرطًا للفهم، وبالرحلة بوصفها خلاصا وجوديا، وبالكتابة كفعل مقاومة ضد النسيان، عمل يؤكد أن المنفى يمكن أن يتحول إلى معرفة، والمعاناة إلى شعر، والطريق إلى وطن جديد.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.