اللوحة: الفنان الألماني أوتو مودرسون
عندما قرأت قصة «مدمع النهر» للقاصة الشابة دعاء صابر، لم تفارقني دهشة الإعجاب الأولى التي صاحبتني وأنا أتابع ما تكتبه على صفحات «حانة الشعراء»، لكنها أصلت في نفسي الإحساس بأني أمام قلم يشي بأنه سيأخذ مكانه لا محالة بين الأدباء المرموقين، إن هي استمرت على نفس الدرب دون تأثر بما يجري على الساحة الأدبية من إغراق في استخدام اللهجة المحكية، وتسطيح في الحدث واستعجال نضجه، وتهميش لعقل القارئ الناضج المثقف، والآن دعونا ندخل سويا إلى عالم القصة:
“في يوم من الأيام استيقظ جدُّ جدُّ جدي فوجده، ماء غزير يجري مجرى النهر، لكن ماءه مالح..”
هكذا تبدأ القصة، بحكاية تبدو كأنها من أساطير الأجداد، تدور أحداثها على ضفاف نهر مالح يحمل لأهل القرية قناني معبأة برسائل الفرح، فيتلقون تلك القناني كأنها هدايا القدر، وفي المساء يجتمعون لتروى الحكايات عنها على ضوء القمر، فيكبر الأطفال على قصص السعادة التي جاءت من مكان بعيد، دون أن يسأل أحد: من أين يأتي هذا النهر؟ ذلك السؤال المؤجل هو أول بذرة في مأساة الإدراك الغائب.
ثم تنقلب الصورة حين يرحل العاشق باحثا عن منبع النهر، فيجد خلف الجمال وقصة العشق التي كان يعيشها جحيما، وخلف الرسائل أحرف مكتوبة بالدم.
هناك، في قرية “سلام”، يبصر الحقيقة الصادمة: إن النهر الذي كانوا يتغنون به، وينتظرون حكاياته في قناني الفرح، ليس سوى سيل من دموع الضحايا! في تلك اللحظة يتفجر ألم الوعي، فتكتشف أن السعادة التي ورثتها، الأغاني التي تحفظها، والأحلام التي تربيت عليها وتغرسها في أولادك، كلها كانت تكتب بالدمع والدم في قرية تحترق كل يوم.. النهر إذن مجرى التواطؤ الإنساني، الخط الواصل بين شقاء وهناء، بين قرية تموت وقرية تغني سعادة بمآسي الآخرين دون أن تدري، ملوحته ليست من البحر، بل من الدمع الذي عبر الحدود ببطء لثلاث ليال حتى بلغ أهل القرية.
وفي النهاية، حين يقول العاشق: «القرية تبعد عنا نصف يوم، ودموعهم تسير إلينا في ثلاثة أيام!» تبلغ القصة ذروتها الإنسانية؛ فالمسافة قصيرة بين الألم والأمل، بين الموت والحياة، لكن المسافة بين الحقيقة والوعي طويلة جدا.
تنتمي قصة «مدمع النهر» إلى القص الرمزي، حيث يتجاوز النص ظاهره ليحمل تأملًا فلسفيا وإنسانيا عميقا، وتتحوّل الحكاية إلى وسيلة للكشف عن المعاناة الجمعية في مجتمع ظاهره متماسك وباطنه العكس. فالنهر المالح في القصة ليس مجرد نهر، بل هو رمز تتقاطع عنده الدلالات: الدمع، الفقد، التواصل المستحيل، والذاكرة التي تتغذى على الألم، فالقصة تبني أسطورة داخل عالم متخيل: قرية تستقبل نهرا مالحا، يحمل رسائل الفرح والأمل، دون أن يعرف أهلها أنه في الحقيقة نهر يجري من دموع، ويمر النهر في القصة كما تمر الحكايات في وادي الذكريات؛ لا أحد يعرف منبعه، ولا أحد يسأل أين مصيه، كل ما نعلمه أنه يمنح الحياة والسعادة، لكن نهر دعاء صابر في حقيقته ليس ماءً عذبا زلالا، بل تشكل من دمع، دمع قرية تباد كل يوم، فتصل إلينا آمالهم محمولة في قناني الحلم. هكذا تصبح الحكاية مرآة لمفارقة إنسانية كبرى: أن يُستمد فرح البعض من مأساة الآخرين.
ويطرح النص تلك الإشكالية: كيف يمكن أن يتحول ألم الآخرين إلى مصدر سعادتنا دون أن ندري؟ ومن هنا تبنى رؤية القصة على الجدلية بين الوهم والوعي، بين الفرح المستعار والشقاء الحقيقي، لتقدم نقدا إنسانيا للضمير والوعي الجمعي الغافل.
البعد الرمزي والإنساني في القصة
1- النهر المالح:
أن بنية القصة الرمزية تكشف عن مأساة وجودية واجتماعية، تجعل من النهر استعارة لمعاناة الشعوب المقهورة، ومن الحكايات المحفوظة في القناني المرسلة في مجراه، مقاومة ضد النسيان.
ماء من دمع استمد ملوحته من دموع المقهورين، حين كان يجري، كان أهل البلدة يظنونه منبع السعادة، بينما هو في جوهره سيل من الألم الإنساني، هذا التضاد في الدلالة يجعل النص أشبه بمرثية إنسانية، والنهر بوصفه رمزا كليا يعد المحور الدلالي الذي تتقاطع عنده كل الرموز، حيث يمثل الدموع الجماعية التي تنهمر من المأساة، وهو وسيط التواصل بين الأحياء والأموات، وهو حافظ الذاكرة الإنسانية التي تنقل الألم من مكان لآخر في هيئة حكايات جميلة لا تنسى، وملوحته دلالة على أن الجمال الذي نراه ونستشعره قد يكون مشوبا بالمعاناة والألم، وأن ما يبدو عذبا في الظاهر يخفي في جوهره مرارة الوجود الإنساني، فسعادة هنا قد تبنى على شقاء هنالك.
2- القناني والرسائل
الرسائل الملقاة في النهر تمثل أحلام المقهورين؛ فهي محاولتهم لإعادة كتابة الحياة كما يتمنونها، إنها أداة خلاص رمزية، تحفظهم من الفناء المعنوي، وتحول حزنهم إلى فن وحكايات تسعد غيرهم، وهي ترمز إلى الذاكرة الإنسانية والأمل المستحيل؛ فالضحايا لا يرسلون استغاثة، بل يرسلون حكايات عن الحياة التي يتمنونها. إنها محاولة للنجاة من القتل بالكتابة، وخلق عالم موازٍ أكثر رحمة من الواقع، وهذا يذكرنا بأن الأدب والفن يولدان من الألم، وأن القصص التي تسعدنا كثيرا قد تكون مكتوبة بدموع الآخرين وآلامهم.
3- العاشق وقنينة الحبيبة غيام
العاشق في القصة هو الشخصية المحورية التي تقوم بدور الباحث عن الحقيقة، حيث ينتقل من الوعي الجمعي غير المبالي إلى الإدراك الفردي الموجع، وتحوله النفسي من السذاجة إلى الصدمة يمثل مسارا لفهم جوهر الأشياء وطبيعة الوجود، ويعيد صياغة علاقة الإنسان بالحقيقة: فالمعرفة هنا ثمنها المعاناة، والوعي لا يأتي إلا بعد الألم.
والعلاقة بينه وبين القنينة تجسد علاقة الإنسان بالحلم أو بالوهم الجميل. هو لا يدري إن كان يحب الفتاة حقا أم يحب الصورة التي نسجها عنها عبر الرسائل التي ينتظرها كل يوم يحملها له النهر في قنينتها، كما أن حيرته في النهاية (هل أحبها هي أم قنانيها؟) تُوازي حيرة الإنسان في التعلق بالجمال المصنوع من الألم دون أن يدرك مصدره الحقيقي أو كم كلف صاحبه من معاناة.
4- قرية سلام
الاسم هنا مفارقة مأساوية، حيث «سلام» هي أبعد ما تكون عن السلام. المفارقة اللفظية تعمق الصدمة وتُظهر عبثية العالم الذي يغيب فيه المعنى الحقيقي عن الأسماء. هذه القرية هي المنبع الخالص للإنسانية المعذبة، والدم الذي يسقي أوهام الآخرين بالفرح.
5- العنوان: «مدمع النهر»
لم أشأ أن أجعل الحديث عنه في البداية، فرغم أنه أول العتبات التي تطالعنا في أي نص، إلا أنه غالبا ما يكون آخر نقطة يصل إليها الكاتب بعدما تتبلور بين يديه خبايا النص وجوانبه. والعنوان نفسه هنا يبرز كعتبة نصية مكثفة؛ يجمع بين عنصر الطبيعة المادية (النهر) والعاطفة الإنسانية (المدمع)، في إشارة للتماهي بين الإنسان والمكان، وبين المادي والمعنوي في آن، والمقصود بالمدمع ليس قطرات الدمع نفسها، بل هو مصدر دائم للبكاء، والنهر في السياق ليس نهرا، بل دموعا جارية، مما يحيلنا لبنية رمزية قائمة على الجمع بين المادي والوجداني المعنوي.
والنهر هنا كرمز يوحد مصائر البشر رغم جهلهم بذلك؛ فما يجري من دموع في مكان يتحول إلى أغنية في مكان آخر! رؤية مأساوية لعالم مترابط بخيره وشره.
التضاد المهيمن في النص
تستند القصة إلى سلسلة من المفارقات التي تخلق جمالا لفظيا ومعنويا له دلالاته المؤثرة في فهم الحدث، مثل:
«نهر مالح»، حيث الملح مقابل العذوبة، والدمع مقابل الفرح، والموت مقابل الحياة.
فالألم هو ما يمنح المعنى بقاءه ورونقه.
«قرية سلام ليست سلاما» تبين التناقض العميق الذي يعيشه الناس بين الظاهر والباطن، ونجد الفضاء السردي ينقسم إلى عالمين متقابلين، قرية تستقبل، وتحيا بوجدانها على رسائل النهر فرحا، وسعادة وهمية، وقرية ترسل رسائل مغايرة لواقعها المليء بالدمار والموت، اسمها سلام، وتتجسد فيها المأساة الحقيقية للإنسان، ونجدنا أمام ثنائية رمزية متعددة التأويلات بين عالمين: عالم يعيش على الأساطير والحكايات، وعالم آخر يكتب تلك الحكايات بدمه ودموعه حتى يفنى، وذكر القرية التي تصلها هذه الحكايات وكيف تستقبلها، في مقابل القرية الأخرى، يبين عالم الرفاهية القائم على التلقي دون تفكير، وأخذ المتاح وفلسفته دون بحث وتنقيب عن ماهيته، مقابل عالم الدمار والخراب؛ والسعادة مقابل الشقاء، يبين ازدواجية الإنسانية، وجدلية الوجود الإنساني.
كما نجد ثنائيات أخرى تظهر التناقض بين الحقيقة والوهم، تتجلى في تلك الرسائل المحملة بالفرح رغم أنها تسبح في نهر الدموع، وهي الحكايات التي تخلد الموتى وتحفظ سيرهم من الفناء، هذه المفارقات تُجسّد فلسفة النص، وتكشف عبثية العالم وتناقضاته.
وتستخدم القاصة في سردها ثيمة جماعية «يمر على بلدتنا»، «جلسنا»، «حملناه»..، مما يجعل القصة تحمل طابع الذاكرة الجمعية، ويجعل القارئ شريكا في التجربة، ثم ينفرد أحد أبناء القرية (العاشق) برحلته نحو المنبع، فيتحول إلى نموذج البطل الباحث عن الحقيقة، الذي يخرج من الوعي الجمعي اللامبالي إلى الوعي الفردي الذي انكشف أمامه الواقع المأسوي.
وقد جاءت اللغة رصينة رشيقة، تقترب أحيانًا من التكوينات الشعرية، بما يجعلنا نرى في طياتها مدى ثقافة الكاتبة وبراعتها وقبضها على لغتها السردية.
الدلالة الختامية في القصة
ختمت دعاء صابر قصتها بجملة تركت دلالتها وتأويلها مفتوحين للقارئ، له أن يفلسفها كما يشاء، فقد جاء على لسان البطل العاشق بعدما عاد من رحلته، متخذا طريقا للعودة غير الذي سلكه في الذهاب، فاكتشف حقيقة أذهلته: «القرية تبعد عنا نصف يوم، ودموعهم تسير إلينا في ثلاثة أيام!»
تلك العبارة هي ذروة الكشف الوجودي في القصة، فالمسافة القصيرة بين القريتين تكشف قرب المأساة وبعد الوعي؛ فالعذاب والقتل يحدث على مرمى النظر، لكن إدراكه وتلمس نتائجه يتأخر كثيرا! إنها دلالة على بلادة الضمير الإنساني، والعجز عن الرؤية، والتهاون تجاه كشف الحقيقة ومناصرة من يحتاج للمناصرة.
إن قصة «مدمع النهر» تطرح تأملا في مأساة إنسانية، في التواطؤ الصامت مع آلام الآخرين، في جمال وفرح مزيف يولد من رماد الفاجعة والموت، النص يحمل في رمزيته فلسفة اجتماعية وجودية، ويقدّم رؤية مؤلمة عن العالم، وأن معظم السعادة تأتي من مدامع الألم، حيث النهر – رمز الحياة – يتحول إلى مرثية مأساوية لجيل من المقهورين الذين لا يُسمع صوتهم إلا بعدما قضوا نحبهم، في رسائل تطفو على الماء، وأناشيد كتبها موتى تمنوا فيها الحياة.
