فصل من رواية «خان جليلة» لماجد سليمان

فصل من رواية «خان جليلة» لماجد سليمان

ماجد سليمان

خَــان جَـلِـيـلَـة ـــ بَيتُ سَفَّانة 2

لـم أنـم جيداً خلال الشهور الأولى، كان جسمي متعباً من العمل الثقيل وملامـحي متهدلة، فهي أعمال متكررة أهـمها جزّ صوف الأغنام، وتقليم غصون الأشجار، وخرف النخيل الطوال، ونثر البذور على مساحات واسعة، وحفر السواقي العريضة، وجـمع الثمار، وطحن الـحبوب الصغيرة، وتـجفيف الـمحصول الطازج، وعصر عسل التمر وتعبئته في قناني أنيقة ذات أعناق طويلة، وإتـمام ولادة صغار الأغنام، وكذلك صغار النوق، وكان كل هذا لقاء دراهم فضية هي ما بقي من ضرب دار السِّكة في حَجْر، تضعها سيدتي سفَّانة نـهاية النهار، بعد أن يسبقها لسعات خيزران العامل على السوق، الذي كُلف من أمير حَجْر اليمامة بتنظيم ومتابعة حركة السوق، وملاحقة الـمخالفين لتعليماته، تلك السياط كانت سَعْدَى تداويها بعد أن تداوي قلبي بـحلو كلامها، فأنا لـم أحبها تـماماً، ولكنها كانت قريبة من قلبي.

في حَجْر، موطني الـجديد، وجدت نفسي في خدمة سيدة تشبه الـخلفاء والولاة والأمراء في هندامها وطرائق حياتـها، بعد سنوات من العيش الـمتبعثر والترنح بين القلق والطرد والشدة الـمنتهية بـخدمة الـجديسي، وبعد تلك الألسن التي تلسعني بعبارات الرق، وتعاملني بكل معاني وأساليب العبودية، وأنا أطارد حياتي في أحياء جَــوّ.

في الشهور الأولى من العام الثاني بعد عملي في بيت سيدتي سفَّانة، استلقيت على فراشي، طارداً من أجفاني شقاء نـهار بأكمله، تركض عيناي في مساحة الـحجرة الصغيرة، مستعيداً الغائب من أيام خلت في جَوّ حين كنت أشرد عن الغزاة بين النخيل، وأخدم القوافل الغادية والرائحة على ضفاف وادي حنيفة، لقد أخذت معها دم الـحياة النقي ومعناها الشهي.

تـخبطت عيناي في نعاس ويقظة حتى استيقظت على صياح ديكة يتبعه مواء قطط، فَجَرَّ النعاس عيني إلى نوم ثقيل، ثـم استيقظت على خيوط النهار تتساقط من شقوق السقف الـخشبي، وصوت صرير مصراع الباب يُفتح ببطء، فإذا سَعْدَى تقول من خلفه:

ـــ يا مـجنون، ستغضب سيدتي على بقائك نائماً حتى الآن.

كان الـجميع مستيقظاً، وقد جلسوا في فرشهم في فناء البيت، وخرجت من حجرتي أحـمل صرتي التي بقيت من عمل الأمس، وأنا أنظر في بيت سيدتي، قارئاً عروق الـجذوع، وخدوش الـجدران، وشقوق الأعمدة، وحين رأتني سيدتي قالت في لكنة مثقلة بالثناء:

ـــ لقد أنـجزت مهمتك بشكل فريد.

أخفضت رأسي:

ـــ هذا من حسن ظنك سيدتي.

ـــ لقد اشتد عودك أكثر، وازداد منكباك قوة، وبرزت عضلات ساعديك، وبان حسك بالـمهمة تلو أختها، وقد رأيت فيك هذا الشهر ما يـجعلني أسلمك قيادة أعمالي، عِوَضاً عن الفتيان الذي رحلوا قبلك غاضبين، ومعترضين على صعوبة ما أوليته لـهم.

ـــ أنا بإمرتك سيدتي.

ـــ من الآن أنت مُتَصَرّفُ قوافلي.

فقلت مرتاباً:

ـــ مُتَصَرّفُ قوافلك!

ـــ بالتأكيد.

ـــ هذا من كرمكِ الكبير سيدتي.

رفعت يدها اليمنى فانـحسر كمّها عن ذراع مـمتلئة بيضاء تزينها ثلاثة أساور ذهبية:

ـــ ستذهب غداً إلى سوق الـخِضْرِمَة في جَــوّ.

انفجرت دهشتي حينها وسريعاً قلت بصوت رتيب:

ـــ وماذا أفعل في جَـوّ؟

ـــ ستوصل بضاعة متنوعة حشرتـها في صناديق متوسطة، يـحملها عشرون بعيراً، وتذهب بـها وتبيعها هناك في صباحين أو ثلاثة أو تزيد، وتعود من حينك، إلا إذا طرحك مرضٌ أو موت.

وبعد صمت قصير أضافت:

ـــ استأجرت لك خدماً وجنوداً لـخدمتك وحـمايتك في الطريق.

***

بكيت طويلاً ليلة سفري إلى جَــوِّ اليمامة بعد أن تذكرت الأعوام التي قضيتها في أحيائها، فزارتني صور وأصوات أهلي الذين فارقوني، والأيام التي قضيتها في خدمة سيدي الـجديسي رغم سوئها.

وفي صباح سفري راحت سَعْدَى تتأمل كل شبرٍ في، وكأنـها تودعني وداع الغائبين، وتبتسم بثغرٍ اختلطت فيه البسمة بالأسف، فجف قلبي وسافرت عيناي الصغيرتان في وجهها الـطويل الـمرتوي، وجسمها الناعم الصافي الفتي، وكأني أطلب عهد الـحب قبل الذهاب. رفعت يدها تودعني فانـحسر جلبابـها من يدها إلى نصف عضدها، فبادرت لسعة لذيذة قلبي الضعيف، ثـم ضحكت وأخفت وجهها بيدها داخلة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.