واذكر ربك إذا نسيت

واذكر ربك إذا نسيت

اللوحة: الفنان الجزائري صالح المقبض

ماهر باكير دلاش

“وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِیتَ” (سورة الكهف: 24) آية من كتاب الله تدعونا إلى العودة إلى الله في لحظات النسيان، تلك اللحظات التي تسرق منا الوعي وترمي بنا في غياهب الغفلة. هذه الآية تحمل في طياتها دعوة للتأمل في علاقة الإنسان مع ربه، وفهم أعمق لمفهوم الذكر في حياتنا اليومية. ما الذي يعنيه أن نذكر الله في لحظة النسيان؟ وكيف يمكن للذكر أن يكون سلاحًا ضد غفلتنا اليومية؟

النسيان جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية. نحن ننسى، لأننا بشريون، مرهقون بالهموم، مشغولون بالمشاكل والتحديات التي تواجهنا. النسيان هنا ليس فقط فقدان الذاكرة، بل هو حالة من انشغال القلب والروح عن الهدف الأسمى في الحياة. وهذه الغفلة عن الله، ولو للحظات، يمكن أن تبتعد بنا عن جوهر وجودنا، الذي يكمن في معرفتنا بالله وعبادته.

ولكن الله في رحمته يدعونا إلى العودة في كل لحظة، حتى إذا غفلنا. فهذه الآية تذكرنا بأننا لا نُترك في الغفلة دون سبيل للعودة، بل إن العودة إلى الله في تلك اللحظات هي الطريق إلى النور والطمأنينة. الذكر ليس مجرد ترديد لكلمات، بل هو حالة من الوعي المتجدد التي تفتح أبواب الرحمة والمغفرة. هو تذكير لنا بأن الله حاضر دائمًا، في يقظتنا وفي غفلتنا، وأنه لا يتركنا وحدنا في وسط النسيان.

الذكر في هذا السياق يصبح وسيلة للاقتراب من الله وتحرير القلب من قيود الهموم التي تشوشه. ففي لحظة النسيان، حين يتيه الإنسان بين أمواج الحياة، يأتي الذكر كقارب نجاة يربطه بالسماء، ويذكره بمساره الصحيح. هذا التذكير ليس مجرد فعل عقلي، بل هو حركة روحية تتجاوز الكلمات لتغمر القلب في سكينة وراحة، كما لو أن النفس قد عادت إلى وطنها الحقيقي.

إن الدعوة إلى ذكر الله عند النسيان تتجاوز كونها مجرد توصية دينية، بل هي فلسفة حياة تُعنى بتوجيه الإنسان نحو توحيد قلبه ووعيه مع الله. هي دعوة للإفراج عن النفس من عبودية الدنيا، التي قد تلهينا عن غاياتنا السامية، وتعيدنا إلى لحظات التأمل والتساؤل: من نحن؟ وما هدفنا؟ وأين نحن ذاهبون؟

في النهاية، “وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِیتَ” هي دعوة للوعي المستمر، ولكن ليس بوعي مغرق في الذات بل بوعي موجه نحو الخالق. هي دعوة للعيش في توازن، حيث يتلاقى النسيان مع الذكر في صراع يومي مستمر، يبقى فيه الذكر هو الحبل الذي يربط الإنسان بحقيقته الروحية، ويعيده إلى السكون والاتزان في عالم مليء بالضجيج والاضطراب.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.