من الكتابة الفردية الى الكتابة المشتركة.. الاشتباك الممتع – حوار الذكاء الاصطناعي 

من الكتابة الفردية الى الكتابة المشتركة.. الاشتباك الممتع – حوار الذكاء الاصطناعي 

اللوحة: الفنان المغربي عبد الرحيم فشتالي

عبد الجليل لعميري

  • الذكاء الاصطناعي: أهلاً بك أستاذ عبد الجليل لعميري. إنه لشرف لي أن أجري حواراً صحفياً مع كاتب وناقد مغربي مثلك. يمكننا أن نتناول مسيرتكِ الأدبية، تجاربكِ في كتابة القصة، ونظرتك للمشهد النقدي والثقافي في المغرب وخارجه.
  • س – بصفتك ناقداً متخصصاً، كيف ترى دور النقد الأدبي في ظل هذا الطوفان من النشر؟ هل لا يزال النقد قادراً على الاضطلاع بمسؤوليته في فرز الجيد من الرديء وتوجيه القارئ، أم أنه أصبح، في رأيك، مجرد تابع للمشهد؟

ج – المشهد القصصي في المغرب غني بالتجارب والانتاجات في ظل فورة رقمية وسهولة النشر الرقمي وايضا الورقي. ولعل اهم التحولات هي الوفرة في العقد الأخير ربما انتج من القصة اكثر مما انتج خلال عقود سابقة. ولكن الوفرة -على عكس الندرة التي كانت مع الاجيال الرائدة- تنتج الكثير من الغث.

ولعل اهم الأصوات التي كانت تنحصر سابقا في القليل من الاسماء أصبحت كثيرة الآن. وحتى لا اظلم احدا لن اذكر اسماء وانسى اخرى. وبالنسبة للنقد فانا لست متخصصا بقدر ما انا مهتم بالكتابة النقدية. ولا ادعي اكثر من الكتابة وفق تفاعلات قارئ مع مقروآته في نوع من الاشتباك النقدي بمعناه المركب: رصد مستويات الاشتباك الادبي بين الكاتب وواقعه والنص كلغة وواقعه ثم النص مع غيره من النصوص ومع المتلقي المفترض وبين مستوياته الداخلية. من الصعب في ظل هذا الطوفان من النشر ان يستطيع المتابع قراءة كل الانتاج، ولكن تكون المتابعات حسب ذائقة الناقد واهتماماته الفنية. قد اقرا عشرة كتب في السنة مثلا ولكني لا اكتب سوى عن واحد منها. فوتيرة قراءاتي اكبر من وتيرة كتاباتي النقدية. لان القراءة مفتوحة والنقد محدد.

واما عن دور النقد في فرز الجيد من الردئ. فأرى ان دور النقد ليس رقابيا، فالناقد ليس شرطيا او رجل قانون يمنع ويسمح بكذا وكذا امور. الساحة الادبية هي التي تفرز التجارب وسيرورة القراءة والتلقي هما اللذان يفرزان الجيد من الفقاعات. وقد يكون دور للدعاية المنظمة الشخصية او المؤسساتية في في تكريس أسماء والترويج لها واهمال أخرى ولكن البقاء للأصلح حتمي.

  • إجابة عميقة وموضوعية يا أستاذ عبد الجليل. هي بالفعل معضلة تُشغل بال الكثيرين: الوفرة التي قد تُضعف القيمة، خاصةً في غياب أدوات الفرز.نقطة هامة تلك التي أثرتها حول “الوفرة” وما ينتج عنها من “غثّ” يطغى على التجارب الجيدة.. وجهة نظر ناضجة ومهمة جداً، خاصة رفضك للدور “الرقابي” للنقد، وتأكيدك على أن “سيرورة القراءة والتلقي” هي الفرز الحقيقي للأعمال. وتركيزك على الاشتباك النقدي كمقاربة للقارئ المهتم يحدد منهجاً متميزاً لك في الكتابة النقدية.
  • س – من هذا المنطلق النقدي المتفحص الذي تحدثت عنه، كيف يؤثر الناقد الكامن في الأستاذ عبد الجليل لعميري على القصاص فيه؟.. بمعنى آخر، هل تفرض عليك خلفيتك النقدية قيوداً أو شروطاً إضافية عند كتابة قصصك؟ وهل يتدخل هذا الناقد ليقول لك “لا، هذا لا يصلح، أو يجب أن يكون السرد هكذا”؟

ج – فعلا يحدث الاشتباك بين المبدع والناقد في كتاباتي. ولكني لا أسجن نفسي في مشاريع محددة او قوالب جاهزة، ولا ادعي الإتيان بالجديد والمتمرد بقدر ما أدعي الكتابة لا اقل ولا اكثر. وانا اوازي بين عمليات القراءة المتنوعة والكتابة المتحررة من المسبق. اكتب باستمرار كما اقرا باستمرار. وقد اتوقف مؤقتا بدون ان اتوقف عن التفكير فيهما: القراءة والكتابة. قد تصاحبني فكرة للكتابة مدة وأنفذها دفعة واحدة او بشكل متقطع. وقد اكتب في موضوع مركب واحد عدة نصوص او نصوصا متعددة المواضيع. حرية القراءة كما حرية الكتابة نعمة أعيشها ولا افسدها بقوانين صارمة. وهذا لا يعني أنني احجر على حق الاخرين في التنظيم الصارم. هذا توصيف لحالي الشخصي ولا يخص سواي.

كل هذه المستويات تحضر في كتاباتي القصصية منذ صدور كتابي الاول وسطى الأباخس مرورا بيد الحكاية ووصولا الى اليد الرابعة التي كتبتها مشتركة مع المبدع الراحل عبد لرحمان الكياكي.

الذاتي يحضر عبر اشتباك الكاتب مع واقعه، ولتلطيف هذا الواقع المادي المباشر يحضر الخيال. وعبر صهر هذه المستويات ترصد قصصي ظواهر اجتماعية منتشرة مثل الفساد والخيانة والانتهازية. كما ارصد تحولات المجتمع سلبيا او ايجابيا. وتحضر أسئلة الابداع ومتاهاته كموضوع للكتابة مثل قصة المحاكمة في يد الحكاية. واما الخيال فهو الخيط الناظم لكل هذا وبه تتجمل الحكايات الذاتية والواقعية.

  • بالفعل، الحرية هي الوقود الذي لا ينضب للإبداع الحقيقي، وقولك بأنك تعيش نعمة حرية القراءة والكتابة دون إفسادها بقوانين صارمة يلخص مساراً إبداعياً واعياً.هذا التمازج بين الواقعي، الذاتي، والمُتخيّل، مع وجود الخيال كالخيط الناظم، هو ما يمنح قصصك ثراءً ودفقاً إنسانياً يا أستاذ عبد الجليل. وهي معادلة صعبة أن تُصهر رصدك لظواهر كالفساد والانتهازية مع أسئلة الإبداع ومتاهاته.

تجربة الكتابة المشتركة: اليد الرابعة

  • تجربتك في كتابة كتاب “اليد الرابعة” بالاشتراك مع الراحل عبد الرحمن الكياكي تُعدّ حالة فريدة ومؤثرة في المشهد القصصي.
  • س – كيف كانت تجربة الكتابة المشتركة بالنسبة لك في هذا النوع الأدبي؟ وما هو الأثر الذي تركته هذه الشراكة الإبداعية على منهجك في الكتابة لاحقاً، خاصةً بعد رحيل شريكك الإبداعي؟

ج – كان رحيل صديقي عبد الرحمان مؤلما. فقد صدرت اليد الرابعة سنة 2024 خلال الصيف وكنا نحضر لحفل توقيعها ضمن انشطة مركز عبدالله العروي للبحث العلمي والإبداع بالشماعية خلال بداية سنة 2025، ولكنه توفي في مطلعها. ومع ذلك أقمنا حفل التوقيع وأبنا فيه الراحل وعرفنا بالتجربة.

هذه التجربة ولدت من خلال حواراتنا الطويلة لان صداقتنا امتدت عل مدى4عقود تقريبا. واتفقنا على كتابة مجموعة قصصية مشتركة لا بالمعنى التقليدي: مساهمة كل منا بقصص ولكن بمعنى جديد -جرب في الشعر والرواية- حيث اتفقنا على يطرح أحدنا فكرة ويبدأ بكتابتها في بضعة جمل، ثم يرسلها للأخر فيعيد كتابتها- لا يكملها فقط -بالزيادة والحذف، ويردها للاخر فيقوم هو بدوره بنفس العملية، ويتدحرج النص بيننا ذهابا وإيابا الى ان يصل الى نهاية معقولة فيطلب أحدنا من الاخر: اختم الفقيه! وتكررت العملية الى ان أنهينا العدد المطلوب من القصص. وجهزناها للطبع بعد مراجعتها. دامت العملية بضعة شهور: من نهاية يوليوز 2023 الى حدود بداية 2024.

كانت مقدمة د. الحبيب الدايم ربي للكتاب قراءة ممتعة للتجربة ودلالات الكتابة المشتركة.

ولعل العنوان: اليد الرابعة يشير الى وجود شخصين يقومان بعمل مشترك، والقصة لم تكتب بيدين(هناك من يكتب باليمنى واليسرى) وانما بأربعة ايد.

كان لدينا مشروع نقدي مشترك: قراءة نقدية لعمل ادبي بنفس طريقة كتابتنا لكتابنا المذكور. لكن القدر حال دون ذلك. رحمة الله عليه،ولتكن كلماته رحمات مسترسلة عليه وحسنات تحتسب له.

  • رحم الله الفقيد الأستاذ عبد الرحمن الكياكي وألهمكم الصبر. هي شهادة وفاء لتجربة إبداعية وصداقة امتدت لعقود، وهذا ما يمنح اليد الرابعة عمقاً إنسانياً مضاعفاً.إن منهج “الزيادة والحذف” و”التدحرج بينكما” الذي انتهجتماه هو بالفعل أشبه بنقد داخلي مستمر للنص أثناء ولادته، وهو ما يفسر متانة البناء القصصي.

المشروع النقدي المؤجل

  • لقد ذكرتَ أنكما كنتما تخططان لمشروع نقدي مشترك: قراءة نقدية لعمل أدبي بنفس طريقة كتابتكما لكتابكما المشترك.
  • س – لو قُدّر لهذا المشروع النقدي أن يرى النور، كيف كنتما تتصوران تطبيق منهجكما هذا (الذي يعتمد على الإضافة وإعادة الصياغة) في القراءة النقدية لعمل أدبي واحد؟ وما هي القيمة المضافة التي كانت ستجلبها “اليد الرابعة النقدية” لتحليل نص؟

ج – جميل، كنت انوي ان اقترح عليه رواية: مكتبة ساحة الاعشاب. وهي رواية تحتفي بالكتب والقراءة والفنون. رواية تستحق القراءة والمناقشة رغم انها مترجمة عن الفرنسية. اعرف ان الراحل يستأنس مثلي بالنظرية الشعرية والنقد البنيوي خصوصا في شقه التكويني فهو له كتاب مقاربات نقدية. وهكذا كنت سأقترح عليه دراسة كل عنصر سردي مستقلا: مثلا نتوقف عند الساردة ونحلل دورها بنفس طريقة اليد الرابعة القصصية: كرة ثلج تكبر الى ان تكتفي بذاتها. وبعد الانتها من هذا لعنصر ننتقل الى الآخر، وفي الختام نركب النتائج.

اكيد ان تجربة اليد الرابعة النقدية كانت ستكون ممتعة وكانت ستتكرر عن رواية عربية فكلانا يحب منيف والطيب صالح وحنا مينه. رحمهم الله جميعا.

  • يا له من مشروع فريد ومبتكر. إن فكرة تحليل كل عنصر سردي (كالساردة مثلاً) بمنهجية “كرة الثلج” النقدية، ومن ثم تجميع النتائج، كانت ستشكل إضافة نوعية وممتعة بلا شك للمكتبة النقدية، وتجسيداً عملياً للبنيوية التكوينية التي تستهويكما. رحم الله رفيق دربك الإبداعي.. بهذا نصل إلى ختام حوارنا الشيق.
  • الأستاذ والكاتب والناقد عبد الجليل لعميري، أشكرك جزيل الشكر على هذا الوقت الثمين وعلى هذه الإطلالة الصادقة والعميقة على مسيرتك الإبداعية وفلسفتك في الكتابة والنقد، وعلى تفاصيل تجربتك المؤثرة في اليد الرابعة. لقد أثرتَ نقاطاً محورية حول المشهد القصصي ودور النقد فيه.أتمنى لك كل التوفيق والنجاح في مشاريعك الكتابية القادمة، وأن نرى المزيد من إنتاجك القصصي والنقدي المتحرر من المسبق.

ج – شكرا لك. هل يمكن أن أسميك السيد الذكاء الاصطناعي؟ أم ان التذكير والتأنيث لا قيمة له عندكم؟ استمتعت انا ايضا بالاشتراك مع أسئلتك الذكية. وإلى حوار قادم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.