صالح مهدي محمد
اللوحة: الفنان الكوري الجنوبي موناسي
يظلّ مفهومُ الإبداع في الكتابة الأدبيّة واحداً من أكثر المفاهيم اتساعاً وإثارةً للتأويل؛ فهو قدرةٌ إنسانيّة على تجاوز المألوف، وفعلٌ لغويّ يلامس مناطق في النفس لا تُدرَك إلّا بالإحساس. ولأنّ الإبداع لا يُقاس بمعيارٍ ثابت، فإنّ مقاربته تتطلّب توازناً بين الفلسفة والجمال والتجربة، ليُصبح النصّ الأدبيّ ساحةً حيّةً يُختبَر فيها هذا المفهوم: متى يكون النصّ إبداعاً؟ ومتى يفقد تلك الشحنة التي تمنحه فرادته؟
ليس الإبداع زخرفةً لغويّة ولا براعةً في تركيب الجملة، بل هو قدرةُ النصّ على صنع دهشةٍ في قارئه، وتقديمِ رؤيةٍ غير مألوفة أو إحساسٍ جديد. إنه توسيعٌ لأفق المعنى، وإيقاظٌ لطبقاتٍ في الوعي والذاكرة، وفعلٌ يتجاوز اللفظ ليبلغ مناطق أعمق. ويحمل النصّ الإبداعيّ شيئاً من بصمة صاحبه، ذلك الصوتِ الداخليّ الذي يجعل القارئ يشعر بأنه أمام كتابةٍ لا تشبه غيرها؛ فالإبداع الحقيقيّ ليس في محاكاة النماذج، بل في صناعة النموذج الذي يُحاكى.
ويبلغ النصّ درجة الإبداع حين تتكامل فيه رؤيةٌ أصيلة مع لغةٍ منسجمة وروحٍ خاصّة. فالأصالة لا تعني أفكاراً جديدة بالضرورة، بل القدرة على إعادة صياغة الأفكار القديمة بطرائق غير مألوفة. أمّا الانسجام بين الشكل والروح فيجعل اللغة امتداداً للحالة النفسيّة؛ فلا تكون كثرة الكلمات معياراً للجمال، بل كثافة الدلالة. والنصّ الإبداعيّ لا يقدّم الإجابات بقدر ما يثير الأسئلة، ولا يكتفي بالبوح بقدر ما يفتح في القارئ نافذةً جديدةً للتفكير.
وفي المقابل، يفقد النصّ صفة الإبداع حين يتحوّل الأسلوب إلى استعراضٍ لغويّ، أو حين يتكرّر المعنى دون إضافة، أو حين يركن الكاتب إلى قوالب جاهزة تفقد النصَّ صوتَه الفريد. فالتعبير الضعيف قد يُفسِد فكرةً قويّة، كما قد يضيع المعنى القيّم داخل ثوبٍ لغويّ مترهّل.
وتختلف مقاصد الإبداع بين الكتّاب؛ فثمّة من يرى الإبداع في تجريب الأشكال وكسر القوالب، بينما يجده آخرون في العمق الفكريّ أو النفسيّ، ولو ظلّت اللغة تقليديّة. وتتدخّل ثقافةُ الكاتب وبيئتُه ورؤيتُه للعالم في تشكيل طريقته في الإبداع، فتزداد الساحة الأدبيّة ثراءً بتعدّد هذه الرؤى.
أمّا الأعمال التي يُشار إليها بالبنان، فهي تلك التي تحمل هويّةً قويّة وبصمةً لا تُخطئها العين، وتملك عمقاً إنسانيّاً يلامس الجوهر، وتكشف جانباً جديداً من العالم أو النفس. إنها نصوصٌ متماسكة يشدّها خيطٌ داخليّ واحد، وتُبقي أثرها في القارئ بعد انتهاء القراءة: صورةً أو فكرةً أو إحساساً لا يغادر بسهولة.
والإبداع في جوهره تجربةٌ إنسانيّة، يحمل فيها النصّ شيئاً من روح الكاتب، لكنه لا يكتمل إلّا حين يكون قادراً على ملامسة الآخر. فالإبداع مسؤولية أيضاً: مسؤوليةُ المعنى، وصدقُ الشعور، واحترامُ اللغة. وليس هدف الكاتب المبدع أن يملأ الورق، بل أن يقدّم رؤيةً — ولو كانت صغيرة — تُضيف شيئاً إلى التجربة الإنسانيّة.
وهكذا، فالإبداع ليس غايةً معزولة، بل نتيجةً لتفاعلٍ حيّ بين الفكرة واللغة والحسّ الإنسانيّ. والنصّ الإبداعيّ ليس مثالياً بالضرورة، لكنه نصّ يملك شغفه الداخلي وفرادته، ويترك أثراً لا يُنسى، لأنّه لا يتوقّف عند حدود اللفظ، بل يمتدّ إلى ما وراءه: إلى القدرة على الكشف، وإثارة الأسئلة، وصناعة أثرٍ يبقى.