البناء الفني وجمالية السرد في قصة «الإجابات الصغيرة» لأيمن جبر

البناء الفني وجمالية السرد في قصة «الإجابات الصغيرة» لأيمن جبر

صالح مهدي محمد

اللوحة: الفنان فاسيلي كاندينسكي

تقدّم قصة «الإجابات الصغيرة» لأيمن جبر نموذجًا للسرد الهادئ الذي يختزن تحت بساطته بنية رؤيوية عميقة؛ إذ تعتمد القصة على لحظة إنسانية صغيرة تتحول تدريجيًا إلى تجربة وجودية ذات بُعد إشراقي. وعلى الرغم من قِصَر النص، فإنه يشكّل شبكة معنوية متماسكة تُبنى فيها العلاقة بين الراوي والفتى على أساس من المعرفة، وتُستثمر الرموز بعناية لتشكيل دلالة كبرى حول معنى الشفاء ودور القراءة في خلق “الإجابات” التي تملأ فراغات الإنسان الداخلية.

كان اختيار القاص السردَ بضمير المتكلّم اختيارًا واعيًا؛ فهذا الضمير يخلق علاقة مباشرة بين القارئ والراوي، ويُشعر المتلقي بأنه يستمع إلى اعتراف شخصي أو تجربة ذات طابع خاص. ويوظّف الراوي هذا الضمير ليمنح القصة مسحة من الصدق العاطفي، ولينقل صراعه الداخلي؛ فهو يشعر بالوحدة، ويبحث عن معنى جديد لحياته، ويلجأ إلى المعرفة كمنقذ، لا لنفسه فقط بل للآخر أيضًا.

هذا الضمير يجعل القارئ يرافق الراوي في رحلته النفسية، فيفهم دوافعه للكذبة المتعلقة بـ”ضعف البصر”، ويستوعب تطور رؤيته للعالم. إنه ضمير يمنح الحكاية حرارة لا توفرها المسافة الموضوعية التي يفرضها ضمير الغائب.

وتعتمد القصة بنية خطية لا تنطوي على مفارقات زمنية معقّدة أو تعدد في الأصوات؛ بل تسير وفق منطق بسيط: مشاهدة عابرة → عرضُ العمل على الفتى → جلسات القراءة → التحوّل الذهني والنفسي → النهاية الإشراقية.

هذه البساطة ليست ضعفًا، بل هي جزء من استراتيجية القاص في جعل القصة قابلة للاستيعاب مباشرة، مع تركيز الضوء على الحدث المركزي: العلاقة التي تنشأ حول القراءة. ويسهم هذا التبسيط البنائي في توجيه انتباه القارئ إلى الحركة الداخلية للشخصيات أكثر مما يوجّهه إلى تشابك الأحداث؛ فتغدو القصة أقرب إلى “اعتراف” أو “تأمل”، لا إلى سردٍ مشغول بالوقائع.

وتنتهي القصة بنبرة إشراقية واضحة؛ إذ يكتشف الراوي أن “الشفاء الحقيقي” لا يأتي من الأطباء، بل من القدرة على مشاركة الحياة وخلق أثر في الآخرين. فالنهاية هنا ليست مجرد خاتمة، بل لحظة وعي أو استنارة يتحوّل فيها الراوي من شخص يبحث عن معنى إلى شخص يصنع المعنى لغيره.

هذه الإشراقة لا تأتي على هيئة خطاب مباشر، بل تتجسد عبر التحوّل التدريجي لعالم الراوي: تزايد الأصدقاء، وازدهار الوعي، وعودة الشعور بالانتماء إلى الحياة، واكتشاف “الإجابات الكبيرة” داخل التفاصيل الصغيرة.

وتزخر القصة برموز دالّة تُستخدم بوصفها أدوات لرفع الواقع إلى مستوى دلالي أعمق. فمنذ البداية تتبدّى رمزية الكتاب؛ فهو لا يظهر بوصفه مادة للقراءة فقط، بل بوصفه جسرًا معرفيًا بين الراوي والفتى، ورمزًا لفتح الآفاق وتجاوز ضيق الواقع الاجتماعي الذي يحاصر الفتى في عمله الشاق.

أما كذبة “ضعف البصر” فتتكشّف رمزيتها سريعًا؛ فهي ليست مجرد حيلة، بل استعارة لنقص آخر يعانيه الراوي: بصيرة داخلية باهتة. فهو يرى العالم بعين الجسد، لكنه لا يراه بعين الروح إلا بعد لقائه بالفتى.

كذلك فإن الشفاء في القصة ليس شفاء جسد، بل شفاء عزلة؛ شفاء يتحقق من خلال خلق صداقة، ومن خلال إعادة توزيع الضوء في حياة الاثنين: الفتى بالمعرفة، والراوي بالمشاركة.

يلتحم البناء السردي البسيط، واللغة الشفّافة، والرموز الهادئة، وضمير المتكلّم الحميمي في بنية واحدة تُوصل رسالة القصة بوضوح ودون أي خطابية. إن بساطة الحدث، وخطية الزمن، وغياب العقدة التقليدية، كلها عناصر تخدم الهدف الأساسي: التأكيد على أن التحوّلات الكبرى يمكن أن تنشأ من أفعال صغيرة، وأن “الإجابات الكبيرة” تُكتب من التفاصيل اليومية التي قد تبدو عابرة.

وتعمل اللغة السهلة هنا بوصفها لغة “قريبة” للقارئ؛ ولأنها لا تتعالى عليه، فإن أثرها يصل مباشرة. فالجمل قصيرة، والإيقاع هادئ، والعبارات ذات طابع تأملي ينسجم مع طبيعة الرسالة.

لقد نجح أيمن جبر في “الإجابات الصغيرة” في بناء قصة تعتمد على البساطة بوصفها قوة، وعلى الرموز بوصفها لغة موازية. ومنحت صيغة المتكلّم النص حرارة وصدقًا، وحافظ البناء الخطي على وضوح التجربة، فيما حملت النهاية إشراقة وجودية تفتح باب التأمل.

إن القصة، في مجملها، مثال على كيفية تحوّل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى لحظة وعي كبيرة، وكيف يمكن للنص القصصي أن يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة وبالحياة.


قصة الإجابات الصغيرة للكاتب أيمن جبر

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.