د. عوض الغباري

تعكس الآداب شخصية الأمة وثقافتها وحضارتها. واليابان أمة عظيمة فى انطلاقها التاريخى الملهم رغم الكبوات التى عانتها فى المراحل السابقة على نهضتها الحديثة.
حدث ذلك من خلال ما اتسمت به الشخصية اليابانية من مواجهة التحديات بالعمل والتفانى فيه، وإتقانه وتطوير سبل الحياة بالإفادة من دروس الماضى والبناء عليها لحاضر منتج فعال ومستقبل أفضل باتخاذ الوسائل المؤدية إلى الغايات. والشعب اليابانى مولع بالقراءة والأدب والثقافة والفنون.
وقد كانت الترجمة عاملا مهما للتعرف على معالم الأدب اليابانى، كما كانت جسرا للتواصل بين الثقافة اليابانية والثقافة العربية الإسلامية.
وقد صدر كتاب بعنوان: “مختارات من الأدب اليابانى” ترجمة صبرى أبو الفضل، ورجعتُ إلى طبعته الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى سلسلة الأدب، عام 2005.
ويعرض هذا الكتاب – فى مقدمته- للخلفيات التاريخية والمعالم الثقافية المؤثرة فى الأدب اليابانى الذى حفلت به اختياراته مرجعا للتعرف على فنون مختلفة من التراث الأدبى اليابانى، قديما وحديثا.
ويقدم الكتاب بانوراما للإبداعات اليابانية المعاصرة لأهم أعلامها فى الأنواع الأدبية المختلفة من الشعر والحكاية الشعبية والمسرح كلاسيكيا ومعاصرا والرواية والقصة.
والروح العامة للفنون اليابانية ضبط النفس والبساطة الكلاسيكية.
وتُعبِّر مقدمة الكتاب عن وضع اليابان الآن متحفا للفنون، ومصنعا للسلع، ومركزا للإشعاع الفكرى والثقافى والإبداع الحضارى، تجمع بين الماضى والحاضر فى عمل مستمر.
والعادات والتقاليد اليابانية بالغة الدلالة على الشخصية اليابانية تجلت معالمه فى الأدب اليابانى.
كذلك تلعب المرأة اليابانية دورا مهما فى بناء المجتمع اليابانى، كما تتميز اليابان بالطبيعة الساحرة والحدائق والزهور الملهمة للأدب.
والمسرح راسخ الجذور فى اليابان، وكذلك الغناء والموسيقى، وقد تطور مسرح “الكابوكى” عن الأشكال المسرحية الكلاسيكية، ويعد أصلا لمسرح العرائس. والاهتمام بالأدب اليابانى متمثل فى كثرة النشر، وتخصيص المجلات والجوائز لفنونه.
وتبرز قيم الفروسية فى الأدب اليابانى، وفلسفة الحياة بتأمل وحكمة، إضافة إلى الطابع الوطنى المستمد من العقيدة “البوذية” وتعاليمها.
والأدب اليابانى حافل بالمشاعر الإنسانية العميقة، والتغنى بالحب والحياة والطبيعة.
والذات الإنسانية فى هذا الأدب حائرة بين الواقع والمثال، والصراع بين الخير والشر، والانقسام بين اليأس والأمل، والتفاؤل والتشاؤم، والتأثر بعبر التاريخ، ومآسى البشرية، وتطلعها نحو أفق مغاير لتعاستها وشقائها. كذلك عبر الأدب اليابانى عن المُثُل الجمالية. وفى اليابان اهتمام بالآداب الأوروبية وجمالياتها تواصلا مع الثقافة العالمية. كذلك يهتم الغرب بالأدب اليابانى.
وقد عبَّر الأدب اليابانى عن المتغيرات السريعة التى حدثت فى اليابان الحديثة.
وينظر أدباء اليابان إلى الأحوال النفسية، ويُعد الفن هو القيمة الباقية فى الحياة الزائلة التى هى جوهر العقيدة البوذية لليابان.
وهناك جانب من الأدب اليابانى ينتقد المجتمع البشرى برؤية فكاهية.
وكان للحروب التى خاضتها اليابان أثر كبير انعكس فى الأدب اليابانى.
كما حظيت تفاصيل الحياة اليومية بجانب من هذا الأدب. ويعرض كتاب “مختارات من الأدب اليابانى” لفنون من الأدب اليابانى، وأهم نصوصه وأعلامه.
ويسمى أشهر قالب شعري كلاسيكى يابانى “التانكا” وهو قصائد قصيرة، تنصهر التجربة الشعرية فى جوهر مركز لفكرة أو صورة أو حادثة أو حالة نفسية.
ومن شعر “هينومارو”، من أعظم شعراء اليابان:
أوراق الشجر الملونة
أخْفَت الممرات
على جبل الخريف
كيف لى أن أجد فتاتى
وأنا هائم فى طرق لا أدريها؟
ومن الشعر المشهور خارج اليابان شعر “الهايكى”، وهو أقصر من شعر “التانكا”. ويعد “مانسيو باشو” أشهر أعلامها، وشعره وصف بسيط لمناظر واقعية تستثير عاطفة القارئ.
ومن شعره:
سحب تأتى من وقت لآخر
وتجلب للناس فرصة للراحة
من التطلع إلى القمر
ونمضي إلى المسرح اليابانى وأنواعه وأهم نصوصه وأعلامه.
وأهم ظواهره أنه مصحوب بالموسيقى والرقص. ويعد لون من المسرح الكلاسيكى أقدم فن مسرحى فى العالم.
ونصوص المسرح اليابانى لا تفقده – مع ترجمتها العربية – هذا البريق الساحر الرمزى العميق فنا وفكرا.
من ذلك حكاية قديمة بعنوان: “قاطع الخيزران وطفلة القمر” التى تبدأ هذه البداية الرائعة: “فى سالف الزمان ذهب فى أحد الأيام قاطع الخيزران الفقير… إلى غابات الجبل، وأثناء دخوله أجمة من الخيزران أدهشته أشعة من نور باهر تنبعث من شجرة فى وسط خميلة، فقطع الشجرة وأذهله رؤية مخلوقة جميلة… تخرج من خيزرانة مضيئة”.
كانت طفلة جنية سمَّاها الأميرة منيرة الظلام، جلبت الحظ لقاطع الخيزران الذي وجد فى الغابة كنزا كبيرا من الأحجار الكريمة، وأصبح غنيا وأسكنها فى قصر كبير.
ازداد جمال الفتاة، وكانت النور لحياة قاطع الخيزران وزوجته، ولم يستطع أحد الزواج منها لجمالها الفائق، وعدم موافقتها على الزواج من أى شاب من الأمراء والنبلاء، وكانوا خمسة اشترطت أن تختار منهم أكثرهم عملا نبيلا، أو إنجازا ذكيا.
وتمضى الحكاية على هذا النسق الجذاب الذي يشد القارئ إلى متابعة أحداثه ونهايته.
وفى التراث العربى، خاصة ألف ليلة وليلة، حكايات عن منافسة طالبى الزواج من الفتاة المنشودة، واقتحامهم للمهام الخيالية للفوز بهذا الزواج. كانت الفتاة المطلوبة فى الحكاية اليابانية من عالم القمر الذي استردها، وحاول الإمبراطور الذي أحبها أن يعيدها إلى الأرض، فصعد إلى أعلى جبل قريب من القمر، وكان هذا الجبل هو جبل “فوجى”.
ويمضي كتاب “مختارات من الأدب اليابانى” فى ختامه بفصل كبير ضاف عن القصة القصيرة وأهم معالمها الفنية وأعلامها، مثبتاً نماذج كثيرة منها، شأن الفنون الأخرى التى قدمها.
من أهم كُتّاب القصة القصيرة “رايو نوسوكى أكوتا جوا” ويُطلق عليه “إدجار آلان بو” اليابان، ومن أهم أعماله قصة قصيرة بعنوان: “صور من الجحيم” وتحمل بعض سمات أدبه، وقد أعاد الحياة للأساطير القديمة، واهتم بجوانبها السيكولوجية، وسعى إلى التشويق القصصى بأسلوبه العميق.
وقد لاحظت أن القصص سائرة بضمير المتكلم الذى يسقط على شخصياته الكثير من التقلب والصراع النفسى للبوح بما يعتمل فى القلب والضمير من مشاعر وفلسفة إنسانية تحرص على تدبر الحياة، ومحاولة الخلاص من الاغتراب عنها، وحساب النفس حساباً عسيراً على ما تقترفه من أخطاء، وتخسره من فرص للتصالح مع الحياة القاسية والأحياء.
ويتفاعل الأدب اليابانى مع الطبيعة، ويعكس مشاعره على مظاهرها المختلفة من أشجار وأزهار وأنهار وليل ونهار وسهل وجبل.
إن الآداب العالمية منافذ للالتقاء بين الفنون المختلفة وتعبيرها عن التجارب الإنسانية العظيمة الجميلة الصادقة العميقة، وقد كان الأدب اليابانى كذلك.