الجنونُ المُقنَّن

الجنونُ المُقنَّن

صالح مهدي محمد

اللوحة: الفنان الأميركي جيرمي مان

أصواتُ المدينةِ تتقاطع، تتشابك، تتحطّمُ على بعضها. السياراتُ تصرخ، الأبواقُ تتصارع، الصراخُ البعيدُ يعلو، خطواتٌ مجهولةٌ تتردّد كأنّها نغماتٌ متقطّعة في سمفونيةٍ غير مكتملة. كلّ شيء هنا يبدو وكأنّه يكتب لغةً لا يفهمها إلا من يجرؤ على الاستماع بعمق. رامي واقفٌ على الرصيف، يضحك فجأةً ضحكًا غريبًا وطويلًا، ثم يهمس لنفسه بنبرةٍ أشبه بالهمس والصرخة معًا:

“هل يفهمون؟ أم أن كلّ شيءٍ مجرّدُ ضجيج؟”

يمدّ يده إلى الهواء، كأنّه يلمس شيئًا غير مرئي، يلتقط لحظةً، يقرأ معنى، يحاول اختراق قماشِ الواقع. لا أحد يقترب؛ الجميع يبتعد بحذر، كما لو أنّ هناك شعورًا غامضًا بالتهديد في كلّ حركةٍ منه. لا يعلمون أنّ كلّ إيماءة، كلّ حركةٍ صغيرة، كلّ ابتسامةٍ غريبة، كلّ همسة… مجرّد محاولة لتفكيك الواقع، لتجربة الحياة بطريقةٍ لا يفهمها سوى هو، رامي، الذي يعيش في مساحةٍ بين العقل والجنون، بين الواقع والحلم، بين الصمت والصرخة.

داخل رأسه فوضى مُنظَّمة، شبكةٌ معقّدة من الأفكار والملاحظات تتقاطع وتتفرّع بلا توقّف:

“العقل… أم الجنون؟ أم أنّ الفرق بينهما مجرّدُ وهمٍ كبير، خدعةٌ صنعها البشر ليشعروا بالسيطرة؟”

كان يراقب الناس بلا توقّف، كأنّه عالمٌ يدرس البشر في مختبرٍ مفتوح، يختبر كلّ حركة، كلّ نظرة، كلّ ابتسامة، كلّ خوف، كلّ ارتباك. كلّ شيء بالنسبة له تجربةٌ حيّة، درسٌ في النفس البشرية، في التوتّر بين الظاهر والباطن، بين ما يُرى وما يُخفى. يضحك للفراغ، يصرخ للسماء، ويكتب في دفتره أفكارًا قصيرة، متقطّعة، متداخلة… كلّ سطر يفتح نافذة جديدة على زاوية مختلفة من الواقع، على تفاصيل يراها هو فقط:

“الجنونُ ليس كسرًا، بل رؤيةٌ مكثّفة، رؤيةٌ تُكثّف كلّ شيء وتكشف ما خلف كلّ شيء.”

يمشي في السوق، يلتفت يمينًا ويسارًا، يلمس وجوه المارّة بلا سببٍ ظاهر، يتحدّث بكلماتٍ غريبة، متقطّعة، كأنّها تعويذاتٌ سرية. وفي داخله، يهمس لنفسه:

“أنا أرى ما لا يرونه… أنا أسمع ما لا يسمعون… أنا أعيش الزمن كلّه دفعةً واحدة… كلّ لحظة، كلّ صوت، كلّ حركة… كلّ شيء موجود في داخلي مرّة واحدة.”

الناس يهربون من محيطه، بعضهم يضحك بلا وعي، بعضهم يرتجف خوفًا، وبعضهم يحدّق بدهشة. هو لا يهتم. كلّ ردّ فعلٍ منهم جزءٌ من تجربةٍ أكبر، لوحةٌ بشريةٌ متحرّكة، نصّ متقاطع من الفرح والخوف والارتباك. لكنه وحيد، تمامًا كما يريد، وحيد داخل دوّامة الأفكار، لكن متّصل بكلّ شيء حوله بطريقةٍ لا يفهمها أحد.

يجلس على حافة نافورةٍ في منتصف السوق. الماء يلمع تحت الأضواء، يرقص كما لو كان له وعيٌ خاصّ به، ينساب ويصطدم بالصخور الصغيرة، ويغنّي أغنيةً صامتة. يكتب مجدّدًا في دفتره، بحروفٍ تتشابك، بجملٍ تتقاطع، بأفكارٍ تتفتّت:

“كلّ واحدٍ هنا لديه قناع، وأنا أختبر القناع. أقرأ ما وراءه، أرى النبض الحقيقي خلف الضحك، خلف الصمت، خلف الكذب والخوف.”

الدفتر مليءٌ بكلماتٍ مشوَّشة، خطوطٍ تتقاطع، رسوماتٍ غريبة، علاماتٍ لا يفهمها أحد. لكنه يعرف أنّها لغةُ الواقع الحقيقية، لغةُ العقل المخفيّ خلف الجنون، لغةُ التفاصيل التي تهرب من البشر الذين يعيشون على السطح فقط. كلّ علامة، كلّ خط، كلّ جملة… مفتاحٌ لفهم شيءٍ أكبر، شيءٍ لا يمكن رؤيته إلا بالجنون المُقنّن، بالانغماس في الفوضى المُنظَّمة.

أحيانًا يقف فجأة، يرفع يده للسماء، يصرخ بصوتٍ عالٍ:

“انظروا! انظروا كيف نكذب على أنفسنا! كلّ شيء هنا تمثيل، كلّ حركة قناع، كلّ كلمة لعبة!”

ثم يضحك، ضحكًا طويلًا يهزّ الهواء من حوله، ويعود للجلوس كأنّه لم يحدث شيء. كلّ حركةٍ محسوبة، كلّ صرخةٍ اختبار، كلّ كلمةٍ تجربة. في داخله، العقلُ مستمرّ في تحليل كلّ صغيرةٍ وكبيرة: كلّ شخص، كلّ فعل، كلّ صمت، كلّ ضجيج، كلّ لحظةٍ تمرّ. حتى ما يبدو عشوائيًا، هو في الحقيقة شبكةٌ دقيقة، خريطةٌ مخفية للواقع، خريطةٌ لا يراها إلا هو.

في الليل، على جسر المدينة، يقف وحيدًا. الهواء يضرب وجهه بقوة، الرائحة رطبة، أصوات المدينة بعيدة لكنّها تخترق عقله كما لو كانت جزءًا من نغمةٍ موسيقيةٍ واحدة. الماء يلمع تحت ضوء القمر، موجاتٌ صغيرة تتشابك مع انعكاس الضوء، كأنّها رقصاتٌ سرية لعالمٍ لا يعرفه البشر. يهمس لنفسه:

“ربما الجنون هو الطريقة الوحيدة لرؤية الحقيقة. والعقل… مجرّدُ سجنٍ نصنعه لأنفسنا، سجنٌ يحمي وهمنا، يحجب الحقيقة.”

المدينة خلفه مليئةٌ بالضجيج، لكنه يسمع كلّ صوت كأنّه نغمةٌ موسيقية، كأنّ جميع الأصوات متّصلة بعقله في رقصةٍ سرية، رقصة لا يفهمها إلا هو. كلّ صرخة، كلّ ضحكة، كلّ صمت، كلّ حفيف أوراق، كلّ حركةٍ عابرة… كلّها رسائل مخفية، كلّها خيوطٌ لشبكة الواقع التي يحاول فكّها، تفكيكها، فهمها، تجربة كلّ خيط قبل أن يذهب إلى الخيط التالي.

في أحد الأيام، يترك دفتره على مقعدٍ في المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه. الصفحاتُ مشوَّشة، جملٌ مفكّكة، خطوطٌ متعرّجة، رسوماتٌ غريبة، علاماتٌ بلا معنى ظاهر. من يمرّ ينظر بارتباك، يشعر بشيءٍ غريب، شيئًا أكثر عمقًا من الجنون نفسه. دفتره أصبح رسالة، تحذيرًا، درسًا، أثرًا صغيرًا من عالمه الداخلي الذي لا يراه سوى من يجرؤ على الانغماس.

رامي اختفى بعد ذلك، كما لو أنّه كان موجودًا فقط ليعلّم الناس درسًا صامتًا: أنّ العقل لا يظهر دائمًا في التصرفات المنطقيّة، وأنّ الجنون قد يكون أحيانًا الحقيقة الوحيدة التي تفهم الواقع، وأنّ كلّ ما نراه ليس إلا قشرة، وكلّ ما نفهمه ليس إلا جزءًا صغيرًا من كُلٍّ أكبر.

وفي آخر صفحة من دفتره، كتب بحروفٍ مرتعشةٍ ومتداخلة، لكنها واضحة لمن يعرف كيف يقرأ:

“أنا لستُ مجنونًا… أنا فقط أرى ما لا يريد الآخرون رؤيته. العالم كله جنون، وأنا أحاول فقط رسم خريطةٍ داخله.”

وبين الجنون والعقل، بين الضحك والصرخة، بين الواقع وما وراءه… بقي رامي، حيًّا في الأفكار، في الدروس، في الخوف الذي يتركه وراءه، وفي السؤال الأخير الذي يطارده:

هل كلّ ما نراه فعلًا حقيقي؟ أم أنّنا جميعًا نتصرف كمجانين دون أن نعرف، تتقاطع خطوط حياتنا في فوضى مُنظَّمة… لكنها فوضى لا نفهمها؟

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.