نجمه آل درويش
اللوحة: الفنان الإنجليزي والتر سيكرت
تطلّبَ الأمرُ سنتين لتعرفَ سناءَ لِماذا أحبتْ سالمَ كلَّ هذِهِ المحبّة؟ ولِماذا تكونُ كَقِدْرِ ضَغطٍ مُنْفَجِرٍ حينَ يبتعدُ عنها، حتّى ولو كانتْ تعرفُ أنّها هي التي أوصلتهُ لهذا الغياب والفراق.
سالمٌ يمثلُ الصّورةَ التي طالما اجتهدتْ لتكونَها منذُ أن كانت فتاةً صغيرة: يفكّرُ خارجَ صندوقِ القُرَى، له آراءهُ الخاصةِ، ينتبهُ للتفاصيلِ الضّخمةِ التي يعتبرها الآخرون صغيرةً؛ كإلقاءِ القاذوراتِ خارجَ القمامة، بينما القمامة موجودةٌ على مدِّ البصرِ، لا يلقي أحكامَه على الناس، لا يحاسبُ أحدًا نيابةً عن الله، يحبُّ أن تكونَ زوجتهُ رفيقتَه التي تشاركهُ عفويتَه واهتماماتهِ المتّسعةَ للكونِ والطبيعةِ، تسمعهُ وتفهمُ ما يريدهُ وتحاورهُ بشأنِ ما لا يفهمه… كما تفهمُ لغةَ جسده.
لكن ها هي تسألُ نفسها بعد الفراق: هل فهمتهُ متأخّرة؟ هل هناكَ فرصةٌ للعودة وإلى لقاءٍ يسكنُ شوقها ويستقرُّ بهِ قلبها؟
كتبت له رسالة: لم يكن أبداً هو الحقدُ ما يجعلني أفور كالتنور، بل لأنّ لغةَ البيئة التي أصبحتُ أفهمها الآن، أن تتحدّثَ بالحبِّ بلغةِ الحِدّة والغضب، سوء التعبير… يا حبيبي، فلتكن بخيرٍ دائماً… طمّنّي على حالك؟
مرت أيام… لا إجابة… حتى أنّه لم يقرأها! أو ربما قرأها بطريقةٍ مخفية، هكذا دردشات السناب شات يستطيع برنامجٌ أن يقرأها دون أعلام أو إشارةٍ بقراءتها….
المرأة أحيانًا تسكتُ لأنّها غيرُ راضيةٍ على فعلٍ ما، لكن يفسّرُ سكوتها رضًا فيتمادى عليها.. لكن ماذا عن صمتِ الرجل؟
أعتقد أنّ داخلَ كلّ منا صوتًا إن أنصتنا له أهدانا الجواب.. بعد التفكير.. أعتقد أنّ سالمًا الآن صامتٌ ليس لأنه راضٍ أو غير راضٍ، لكنّه مستسلمٌ لكلمةِ القدر!
مرت أيام… ثم حلمتْ سناء بحلمٍ مفزع: شاهدت بيتَ سالم، جدرانه مضاءةٌ مساءً بالزينةِ واللمبات، وكان يقول لها أنّه سيتزوج!
أفاقت من الحلمِ مفزوعةً، وقلبُها ينبضُ بشدّةٍ ويرتجف، حتى أنّها قضت ساعةً لتستوعب أنّ ما رأتهُ حلمٌ وليس حقيقةً… فتحت السناب، وجدت أنّه يضع ستوري مقطعًا صوتيًا لأبيات من الشعر:
«سيقتلك الحنينُ إلى الأحبة
وقلبك عالقٌ في ألفِ غربة»
فهمت، من ترابط الحلم والستورَي، أنّه لن يعود أبدًا؛ بكت وبكت حتى ارتجف قلبها، ومن شدة بكائها غلبها النوم…