اللوحة: الفنان الإنجليزي سيدني باجيت
صادق:
حين أكتب، أختار فكرة صالحة، أزينها للناس عسى أن تنشر صلاحًا.
زكي:
وماذا عن الأفكار الطالحة؟ أليست هي الأولى بالمواجهة؟ ففي دنيا الأفكار يتقدم الهدم على البناء.
صادق:
ولماذا يتقدم؟ يا صديقي، أنت تعلم أن مواجهة الأفكار المنتهية الصلاحية فادح الثمن؛ سنخسر الناس ونصبح موضع اتهام لا عودة عنه. ولهذا فالأيسر بث فكرة صالحة، لعلها تضيق الخناق على الأخرى الفاسدة.
زكي:
سألتني: لماذا يتقدم؟ حسنًا.
هل يمكن زراعة أرض قبل حرثها؟
هل يمكن نثر نبات وسط الحشائش والحشرات والنباتات الطفيلية؟
هل يمكن شفاء جرح دون تطهيره من العمق؟
الفكرة الصالحة مثل نبتة وحيدة تُزرع في غابة قديمة، تتزاحم فيها الجذور وتحتفظ كل شجرة بنصيبها من الغذاء والماء والهواء. هذا كله يضيّق على النبتة الجديدة ويظلمها، وقد يقتلها في مهدها، خاصة أن الفكرة الصالحة غالبًا مفردة، بينما الأفكار الطفيلية سرطانية، تنتشر في كل مكان وكل اتجاه.
صادق:
عندك حق، لكنك تعلم أن تهم «الكفر، الضلال، العمالة، التغريب، الجنون، الحمق…» ستطارد من يقترب من أفكار المجتمع، خصوصًا بعدما صارت اليوم سبيكة من الاجتماع والدين. ولهذا فالهزيمة هي المصير المتوقع لمن يتقدم في هذه المغامرة.
زكي:
ولهذا أسمي المثقف المصلح اليوم «وريث النبوة». فالأنبياء لم يفعلوا سوى أنهم تصدروا لهذه المهمة: يقلعون الباطل ويزرعون الحق. وفي كل القصص كان الثمن فادحًا والملحمة شاقة، ومع ذلك انتصر الحق في النهاية. الفرق أن الأنبياء مؤيدون بالوحي، أما المثقف المصلح فيهتدي بميراث الوحي ويجتهد في نشر الإصلاح.
صادق:
أعطني مثالًا، يا صديقي، على «فكرة الغابة» التي طرحتها.
زكي:
حسنًا. خذ أفكار الحسد والسحر والاستعانة بالجن. هذه ليست أفكارًا متفرقة، بل منظومة غيبية واحدة متضخمة ومتجذرة في نفوس المصريين. تجد البروفيسور الذي نال أعلى الشهادات ينسب ضررًا أو سوء حظ إلى عين أو سحر. وهذا أعلى عقل لدينا. ويمكنك أن تمد خطًا من هذا المثال إلى أسفل، فتجد الصورة ذاتها عند بقية الناس، باختلاف درجات علمهم وفهمهم. هكذا تحولت فكرة واحدة إلى غابة كثيفة تخترق النفوس وتتشابك مع تفاصيل الحياة، فهل تجد الفكرة الصالحة مناخًا ومساحة للحياة داخل هذه الغابة؟ هذا مثال واحد من أمثلة كثيرة.
صادق:
أتذكر حكاية للإذاعي عمر بطيشة، وكان صديقًا لعمار الشريعي. حكى أنه في إحدى المرات كان الشريعي بدورة المياه، فأحرز الأهلي هدفًا. فظل الفنان النادر عمار الشريعي في الحمام بقية المباراة، خوفًا من أن يتغير الحظ لو غادر مكانه.
هذه حكاية حقيقية، ورويت عن شخصيات كثيرة بعقلية كبيرة مثل بطيشة والشريعي. نخبة محترمة تركت تراثًا ثمينًا، ومع ذلك لم تتخلص، ولم تحاول أن تتخلص، ولم تجد داعيًا للتخلص من تلك الأفكار الساذجة.
أحكي هذه القصة لأؤكد فكرتك: فالأمر، كما ذكرت، شديد الصعوبة. ولكن… هل نستسلم؟
صادق:
علينا ألا نستسلم، لكن لا شك أننا في وضع شديد الالتباس. فالأمي منذ قرن كان متواضعًا، لا يتغذى بما يتغذى به الناس اليوم من وجبات «أوهام المعرفة الجاهزة». كان ينصت لنصيحة المتعلم والمثقف ويعمل بها، ولا يجادل طويلًا. أما اليوم، فالأمي –والأمية لم تعد قراءة وكتابة فقط– يرتدي معارف الإعلام والدعاية، فيناطح أكبر المثقفين والعلماء بثقة، ويتهمهم في تخصصهم.
زكي:
والمثال نفسه ينطبق على العربي اليوم. فهو يرتدي أحدث الثياب، ويستعمل آخر إنتاج العلم الحديث، ويحيا بأدوات الأوروبي والأمريكي. هذا كله يوهمه بالقدرة، وينسيه أنه لم يخترع شيئًا، وأنه بلا إسهام حقيقي في هذا التقدم العلمي والفكري. فلا يجد في ضميره نداء يوقظه ويحثه على العلم والكفاح للحاق بهم. الواقع أشبه بغاز هلوسة ينتشر في الجو، فيشوّش على الوعي.
صادق:
في القرآن الكريم الناس سواسية؛ لا أنساب ولا أشراف، ولا تزر وازرة وزر أخرى. وقالها النبي ﷺ: «وأيمُ اللهِ لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها».
هذا هو الوحي والدين الصحيح الصريح… والمهجور.
كيف نقنع الناس بأنه لا شرف لأحد بانتسابه لآبائه؟ لقد اجتمع الشيعة والسنة على تقديس النسب وأثره إلى اليوم، وهي فكرة تمتد جذورها إلى الجاهلية. ثم تناسلت بلا حدود، حتى صار كل عربي يبحث له عن قداسة ومكانة وطبقة: قبيلة، أسرة، وظيفة، لقب، فريق رياضي… سلسلة لا تنتهي من مطاردة الشرف بالانتساب. ولهذا يعبد العرب اليوم الألقاب: هذا طبيب، هذا مهندس، هذا لواء، هذا فنان؛ أصنام جديدة تعرقل حياتهم وتزيد الحواجز بينهم.
مجرد الاقتراب من هذه الفكرة مخاطرة كبيرة، لأن أحد جذورها ما يُنسب إلى آل البيت. ولو بقيت في حدود زمن الرسول ﷺ لما كان اضطرار لمواجهتها اليوم، لكنها تمددت حتى غمرت المجتمع كله.
ألا تذكر قضية صاحب جريدة «المؤيد» علي يوسف، وزواجه من ابنة شيخ الأشراف السادات، وتفريق المحكمة بينهما لأنه من نسب وضيع وهي شريفة؟ حادثة شهيرة مرّ عليها قرن، لكنها لم تصبح من التاريخ، بل تغيرت أشكالها واتسعت دائرتها.
زكي:
صدقت. هذا يعني أن مواجهة جذور أمراضنا تكاد تكون مستحيلة، لا سياسيًا كما نظن، بل مجتمعيًا ودينيًا. وأن أمراضنا الخبيثة ستظل تعمل فينا، ما دمنا نرفض الاعتراف بها، ونقدّسها، ونراها دواءً لا داءً.
صادق:
هذه فكرة واحدة نعجز عن مواجهتها، فكيف ببقية الأفكار التي:
- تخدرنا عن الواقع وتوهمنا بما يزيفه.
- تجعلنا نؤمن بسلسلة الحسد والسحر والجن، فتكدّرت علاقاتنا وتقطعت صلاتنا.
- تجعلنا نيأس من الفعل، فلا يخطر ببالنا أننا مسؤولون، ونعلّق كل شيء على مؤامرة أو سياسة.
نحن، يا صديقي، صرعى أفكارنا الفاشلة التي نتدثر بها في كل وقت ومكان.
نرى التلوث نظافة، ونرى الغرور والتشدق بالألفاظ الأعجمية تحضرًا ورقيًا، ونرى الكرامة في الإهانة، والإهانة كرامة… وهذا جنون.
زكي:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
نحن لم نبدأ بعد في وضع المسميات في مواضعها الصحيحة، فكيف نرشد دون أن نُبتلى بالجنون؟
لا شك أن المهمة صعبة، لكني أبشرك بسنة من سنن الله: أن الذين يصرّون على الحق يعملون بمثابرة وإخلاص، ولا يضيع الله ثمرة تعبهم أبدًا، لكنها لا تثمر إلا فجأة، وفي وقت تُخفى أسبابه ومقدماته.
وخير مثال السيرة النبوية: متى دخل الناس في دين الله أفواجًا؟ وما مقدمات هذا الفتح؟ ستجده قفزة بلا مقدمات ظاهرة.
وحتى في التاريخ الحديث، من كان يتخيل أن كلمات روسو وفولتير ستشعل الثورة الفرنسية؟
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105)
