اللوحة: الفنان السوري نافع حقي
حامد محضاوي

ليس من السهل أن تبدأ قصيدة بجملة مثل:
«أجيءُ ماشيا رغم أنّي بلا ساق»،
ثم تمضي كأنّك لم تقل شيئا خارقا. هذه العبارة وحدها تكفي لتشدّ القارئ إلى عالم من المفارقة والألم والعناد الإنساني. فمن يأتي بلا ساق لا يأتي بالجسد، بل بالإرادة، أو باللغة، أو بما تبقّى من رغبة في الوصول. وهنا، منذ السطر الأوّل، نكون أمام صوت لا يصف حالا عابرا، بل يضعنا داخل تجربة وجوديّة كاملة.
نص الشاعر سعد الأحمد “بلا ساق” – المنشورة بتاريخ (22-08-2025) على حسابه في الفايسبوك – لا يُقرأ بوصفه حكاية، بل بوصفه اعترافا شعريّا طويلا، تُعرّف فيه الذات نفسها عبر تكرار لافت لضمير المتكلّم «أنا». غير أنّ هذه ال«أنا» لا تظهر بوصفها هوية مستقرّة، بل ككيان متحوّل، متشظ، يجرّب أن يقول من يكون، وفي كلّ مرّة يكتشف أنّه أكثر من تعريف وأقلّ منه في آن.
يقول الشاعر:
«أنا المودعُ والموَدَعُ والمُودَعُ في ذاكرة المكان»،
ثم يعود ليقول:
«أنا العابرُ والعبورُ والمِعبر».
هنا لا نكون أمام تعريف بقدر ما نحن أمام دوران حول الذات، وكأنّ الشاعر يطارد صورته في مرايا متعدّدة فلا يمسك بها أبدا. في هذا السياق، يقترب صوت القصيدة مما يذهب إليه «بول ريكور» حين يرى أنّ الهوية ليست معطى جاهزا، بل «بناءٌ يتشكّل عبر القول وإعادة القول داخل الحكاية التي ترويها الذات عن نفسها». الأنا هنا لا تُكتشف، بل تُبنى داخل اللّغة.
القصيدة مشبعة بإحساس الزمن المنكسر:
«زمان لا يعبر زمانا».
عبارة تختصر شعورا مألوفا: أن تمرّ الأيام من دون أن نشعر أنّنا نتقدّم. زمن يدور في مكانه، أو يمرّ بنا من دون أن نمرّ به. هذا الإحساس يجد صداه في ما يقوله «إدموند هوسرل» عن الزمن بوصفه خبرة تُعاش في الوعي، لا مجرّد تعاقب موضوعي للحظات، حيث يتداخل الماضي والحاضر والمستقبل في تجربة واحدة مشحونة. كأنّ الذات في القصيدة مسجونة داخل هذا الزمن المعلّق، لا تجد له مخرجا.
ومن هذا القلق تتولّد الصور الكثيفة التي تملأ النص:
«دخانُ كلّ السجائر في رئة الكمنجات»،
«حنجرةُ الضوء»،
«شجرةُ الصحراء الوحيدة».
إنّها صور تجمع بين الحسي والمجرّد، بين الجسد والمعنى، كأنّ الشاعر يحاول أن يمنح للوجع شكلا يُرى ويُلمس. وأكثر هذه الصور تأثيرا صورة الشجرة الوحيدة في الصحراء، التي «ترمي بظلّها» رغم علمها بأنّ المصير هو الموت. إنّها صورة إنسان يعرف هشاشته، لكنّه يصرّ على أن يترك أثرا، ولو كان ظلّا عابرا.
وعندما تقول الذات:
«أنا العابرُ والعبورُ والمِعبر»،
فإنها لا تصف حالة عابرة، بل تختار أن ترى نفسها مشروعا لا ينتهي. هنا يطلّ الحسّ الوجودي بوضوح، ويتقاطع مع قول «جان بول سارتر»: «الإنسان ليس إلّا ما يصنعه من نفسه». فالذات في القصيدة لا تُعرَّف بجوهر ثابت، بل بالفعل: عبورٌ دائم، ومحاولة مستمرّة لأن تكون.
وفي المقطع الأخير، تتّخذ القصيدة منحى أكثر قتامة حين ترى الذات نفسها بحرا:
«يبتلعُ روّاده كلّ مساء»،
ثم ينادي في الصباح:
«حيّ على الفراق».
البحر، رمز الاتساع والحياة، ينقلب هنا إلى فضاء ابتلاع، والنداء الذي يشبه الأذان لا يدعو إلى النجاة، بل إلى الفراق. كأنّ الشاعر يقول إنّ الفقد صار طقسا يوميّا، قدرا يتكرّر دون نهاية. ومع ذلك، فإنّ هذا النداء نفسه هو صوت من يرفض الصمت، ويصرّ على أن يسمّي جرحه. وهو ما يجعل القلق في النص قريبا مما يسمّيه سارتر «حكم الإنسان بالحرية»، أي وعيه بأنّه مسؤول عن وجوده في عالم بلا يقين.
ومع كلّ هذا، لا يمكن قراءة القصيدة بوصفها استسلاما كاملا لليأس. ففعل القول ذاته، وهذا الإصرار على ترديد «أنا»، هو شكل من أشكال المقاومة. الذات، مهما بدت متشظّية، تكتب لكي تثبت أنّها ما تزال هنا، حتى لو كان حضورها حضور عابر. إنّها لا تملك جوابا نهائيّا، لكنّها تملك صوتا، وهذا في حدّ ذاته معنى.
قصيدة سعد الأحمد لا تقدّم تعريفا للهوية، ولا وعدا بالخلاص. لكنّها تنجح في أن تجعل القارئ يشعر أنّ هذا الصوت، بكلّ ضعفه وحيرته، يشبهه. الأنا التي تعبر في النص ليست بعيدة عن أنا القارئ وهو يواجه أسئلته عن الزمن، والفقد، والمعنى.
لهذا تُقرأ هذه القصيدة بوصفها شهادة إنسانيّة قبل أن تكون تمرينا جماليّا: شهادة على كائن يقول “أنا” لا لأنّه يعرف من يكون، بل لأنّه لا يعرف، ولأنّ السؤال نفسه هو ما يبقيه حيّا في العبور.
نص «بلا ساق»
أجيئُ ماشياً رُغم أني بلا ساق…
أنا المولودُ من خاصرةِ الدُنيا
تُلملمُ شتاتي بنتٌ على الميناء
تركت منديلها يروي على المودعين
قصة الفراق…
أنا المودعُ والموَدَعُ والمُودعُ في ذاكرة المكان!
وأنا الوجعُ اللذيذُ لحظةَ انتشاءٍ
دخانُ كُلِ السجائرِ في رئةِ الكمنجات…
حنجرةُ الضوء
وزمانٌ لا يعبرُ زماناً
أنا المكتوفُ والموقوفُ والمكتفُ حين تتزاحمُ في صدري كُل الأحلام…
أنا العابرُ والعبورُ والمِعبرُ
رغم أني لا أعتبرُ من تجارب الوقت…
وأنا شجرةُ الصحراء الوحيدة ترمي بظلها
رغم أنها للموتِ لا ترخي جدائلَ من نسيان
وكُل من حولي
يُريدونني ورقةً للأقلام
محراباً لتوبةٍ لم تحن
وللأحزان وسادة…
أما أنا فأراني بحراً
يبتلعُ روادهُ كُل مساء
وفي الصبح ينادي حيَّ على الفراق…
حيَّ على الفراق.
* حامد محضاوي _ ناقد ثقافي تونسي