أكذوبة المراهقة.. دعوة لإعادة بناء الثقة في الأجيال

أكذوبة المراهقة.. دعوة لإعادة بناء الثقة في الأجيال

اللوحة: الفنانة الكندية روبرتا موراي

ماهر باكير دلاش

إن “المراهقة” كما نعرفها اليوم هي فكرة جديدة نسبياً، تبناها الغرب بشكل أساسي منذ القرن العشرين، وهي تُعتبر مرحلة انتقالية بين الطفولة والنضج. ولكن إذا نظرنا إلى هذه الفكرة من زاوية أعمق، فإننا نجد أن هذه التسمية، رغم ما تحتويه من مفهوم اجتماعي وثقافي، لا تعدو كونها مجرد اختراع اجتماعي يلائم الوضعيات التي يسعى البعض لوضع الشباب فيها، حيث يُنظر إليهم كأنهم في مرحلة غير قادرة على اتخاذ القرارات المصيرية أو المسؤوليات الكبيرة. لذا، فإن هذه الفكرة تتطلب منا وقفة تأمل، خاصة عندما ننظر إلى النماذج التاريخية التي سطّرها شباب الأمة الإسلامية في مراحل مبكرة من حياتهم.

تُعد المراهقة في المجتمع الغربي بمثابة “عذر” اجتماعي، يُبرر به الطيش والتمرد الذي قد يتسم به الشباب، لكن إذا نظرنا إلى شباب الأمة الإسلامية، نجد أن واقعهم كان مختلفًا تمامًا. شبابنا لم يكونوا في حاجة إلى هذه التسميات أو التبريرات، بل كانوا يتحملون مسؤوليات عظيمة ويحققون إنجازات غير مسبوقة في عمر مبكر، مما يكشف لنا أكذوبة المراهقة كما يُروج لها في الزمن المعاصر.

في تاريخنا الإسلامي، نجد أن هناك العديد من الشخصيات التي بدأت مسيرتها منذ سن مبكر، وأثبتت أن العمر ليس معيارًا للقدرة على القيادة والإنجاز. عبد الرحمن الناصر، الذي تولى حكم الأندلس في سن 21 عامًا، قام ببناء إمبراطورية علمية وسياسية مزدهرة، جعلت من الأندلس منارة للعالم أجمع. هذا الشاب لم يكن بحاجة إلى مبررات لعدم إنجازه، بل كان قوة دافعة لتطوير مجتمعه، ودليلًا على أن الشباب إذا وُجهوا بشكل صحيح، يمكنهم تغيير مصير أمة كاملة.

أيضًا محمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينية في سن 22 عامًا، لا يُعتبر مجرد قائد عسكري، بل يُعد رمزًا للقوة الفكرية والتصميم. فتحه لهذه المدينة كانت لحظة فارقة في تاريخ العالم، ولقد كان في مرحلة يُفترض أن تكون مرحلة المراهقة حسب التصنيفات المعاصرة، لكنه كان يُمثل أمل الأمة ويُجسد صورة الشاب الذي يتمتع بعقلية ناضجة رغم صغر سنه.

إن الشباب في الإسلام لم يكنوا يُنظر إليهم على أنهم “مراهقون” بمفهومنا العصري، بل كانوا يُعتبرون قادة المستقبل وأمل الأمة. أسامة بن زيد، الذي قاد الجيش الإسلامي في سن 18 عامًا، كان يحمل على عاتقه مهمة قيادة أعظم جيوش الأرض حينها، وبرهن على أن الشاب، حتى وإن كان في مرحلة مبدئية من حياته، يمكن أن يكون قائدًا حكيمًا وقويًا. كان وجوده في هذا المنصب الكبير شهادة على أن الشباب ليسوا مجرد فئة بحاجة إلى حماية أو تسامح، بل هم قوة فاعلة ينبغي إعطاؤهم الفرص.

النظرة التقليدية للمراهقة في المجتمعات المعاصرة تحصر هذه المرحلة في التصرفات المتهورة أو الاندفاعية، ولكن تلك النظرة تتجاهل حقيقة مهمة وهي أن الشاب في هذه السن، إذا وُجه الوجهة الصحيحة، يمكنه أن يكون قوة هائلة ومؤثرة. فالمراهقة ليست إلا مرحلة من مراحل الحياة التي يمكن تجاوزها بثقة ودراية، بشرط أن يكون هناك من يوجه ويعلم.

المجتمعات الحديثة، في محاولة منها لحماية الشباب من صدمات الحياة والتحديات التي قد يواجهونها، انتهجت أسلوبًا يعتمد على تعريف “المراهقة” كمجرد مرحلة من اللامبالاة والتمرد. ولكن هذا في الحقيقة إضعاف للقدرة الحقيقية للشباب، بل وتحجيم لطاقاتهم الكامنة. هذه النظرة الضيقة تتناقض مع رؤية التاريخ الإسلامي، الذي يرى في الشباب عنصرًا حيويًا ينبغي أن يُستثمر في مراحل مبكرة من العمر.

لنأخذ على سبيل المثال شخصية مثل زيد بن ثابت، الذي كان في سن 13 عامًا فقط عندما أصبح كاتبًا للوحي، وشارك في جمع القرآن الكريم. هذا الشاب أظهر بوضوح أن القدرات العقلية لا تقاس بالعمر، بل بمدى الاستعداد العقلي والروحي لملاقاة المسؤوليات. في سن 13 عامًا، لم يكن زيد بن ثابت بحاجة إلى الاعتراف به كـ “مراهق” أو “غير ناضج”، بل كان في عين الأمة يُنظر إليه على أنه عنصر مهم في تغيير التاريخ.

أما طلحة بن عبيد الله، الذي كان في سن 16 عامًا عندما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت في غزوة أحد، فقد قدّم تضحيات جسيمة تؤكد أن الشباب ليسوا أقل قدرة من غيرهم على أن يكونوا في موقع المسؤولية. كان هذا الشاب الذي قدم روحه فداءً للإيمان، خير مثال على أن “المراهقة” لا تعني غياب الوعي أو النضج. بل على العكس، كان طلحة بن عبيد الله رمزًا للشجاعة والنضج الفكري.

أما الأرقم بن أبي الأرقم، الذي كان في سن 16 عامًا فقط عندما جعل بيته مكانًا للمسلمين الأوائل للقاء بالرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أظهر شجاعة نادرة ورؤية بعيدة. ورغم صغر سنه، إلا أن قوته الداخلية كانت أكبر من أي تحديات قد تواجهه.

تاريخنا مليء بالشواهد التي تُثبت أن الشباب، عندما يتم توجيههم بشكل صحيح، هم الأقدر على تحقيق المستحيل. وهذه الحقيقة تبرز الحاجة الماسة لتغيير المفاهيم الحالية حول “المراهقة” وتوجيه الجيل الجديد نحو مسارات من النضج المبكر والقدرة على تحمل المسؤولية. إن تربية الشباب على القيم الإسلامية والتمسك بمبادئ الإيمان والعمل الجاد تضمن لهم القدرة على تجاوز أي عقبات، ويكونون قادرين على قيادة الأمة في جميع المجالات.

إذن، لا بد من أن نتبنى في مجتمعاتنا نظرة جديدة للشباب، رؤية تقوم على الثقة في قدراتهم وتنميتها من خلال الإيمان والعمل الجاد. لا يمكننا الاستمرار في تصنيف الشباب كـ “مراهقين” في ظل هذا الكم الكبير من الإمكانات التي يحملونها. بل يجب أن نعتبرهم قادة المستقبل، وأن نقدم لهم الدعم الذي يمكنهم من بناء الأمة وتحقيق الإنجازات التي ترفع من شأنها في العالم.

إن أكذوبة المراهقة هي في حقيقة الأمر تقييد لإمكانات الشباب، وتقييد لطاقاتهم. فلنعمل على تحرير هؤلاء الشباب من هذه الأكذوبة، ولنعمل على زرع الثقة في نفوسهم، ليتحولوا إلى قادة لا يعرفون المستحيل، كما فعل أسلافهم من قبل.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.