سحر مصر

سحر مصر

د. عوض الغباري

لمصر سحرها الخاص تاريخا وعلما وفنا وحضارة. وسر ذلك موقعها الفريد ونيلها الخالد والطبيعة الرائعة، والآثار العظيمة التي تجذب السائحين إليها من كل مكان في العالم شرقا وغربا.

وقد تناول الدكتور “رشاد رشدي” هذا الموضوع في كتاب باللغة الإنجليزية رصد فيه رؤى الرحالة الإنجليز لمصر في القرن التاسع عشر، وقدمت له الدكتورة/ فاطمة موسى وترجمه الدكتور/ جمال الجزيري.

وعنوان هذا الكتاب “سحر مصر”؛ The Lure of Egypt وقد صدر عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر عام 2002 ضمن المشروع القومي للترجمة.

وتؤكد “فاطمة موسى” في مقدمة الكتاب أن كتابات الرحالة كانت تصويرا لانبهار الغرب بالآثار المصرية، والعادات، والتقاليد المصرية كما ورد في كتاب لإدوارد لين على سبيل المثال.

ويقرر “رشاد رشدي” أن مصر في فكر الغرب كانت باعثا لفلسفة التأمل بين الحاضر والماضي. كما كانت الرحلة إلى مصر مثارا للفرق بين الحياة في الشرق مقارنة بالغرب، وتقرير الإعجاب بالحياة الشرقية.

كانت الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م مبعث اهتمام الأوربيين – خاصة الإنجليز- بمصر، ومن ثم احتلالها.

وتنبع الأهمية السياسية للإنجليز بمصر من موقعها الاستراتيجي.

وقد ازدادت الكتابة عن مصر، فضلا عن الرحلة إليها من أوروبا، خاصة بعد وضع علماء فرنسا المصاحبين للحملة الفرنسية لكتاب (وصف مصر) الذي رصد أهم ما يتعلق بتاريخ مصر وحضارتها وآثارها.

وامتلأت متاحف أوروبا بآثار مصر واستمر الاستيلاء على هذه الآثار حتى الآن. وتأسست معرفة الأوربيين بمصر على الكتب الكثيرة التي ألفوها عن تاريخ مصر القديمة التي فتنوا بها. ويشير “رشاد رشدي” إلى أن سحر مصر للإنجليز قد امتد إلى الأدب إضافة إلى الفن وعلم الآثار.

وترجم “رشاد رشدي” قصيدة للشاعر الإنجليزي “شيلي” في رمسيس الثاني. كما ترجم قصيدة لشاعر إنجليزي آخر عن النيل، إلى غير ذلك من قصائد في الآثار المصرية.

وقد نعم الزائرون لمصر من السياح بالأمن، وازدادت رحلاتهم – من ثم- إلى مصر.

ويثبت “رشاد رشدي” قصة رحالة إنجليزي فُتن بآثار مصر، ورسم لوحات لها. يقول هذا الرحالة، وكان القنصل العام لبريطانيا في مصر: “لا يمكنك أن تتصور المتعة التي أجدها في زيارة ورسم الآثار الجليلة لمصر القديمة”.

كما كتب قصيدة تعد “أنشودة حب تستدعى الذكريات الجميلة بمصر، وتلفت نظر الآخرين إلى مفاتن مصر المحبوبة والتمتع بها”.

ويعبر هذا الرحالة عن الشعور بالبهجة والتميز لوجوده وسط اطلال مصر القديمة، منها قوله:

في كل واد صغير

مثلما في واديك يا طيبة

بينهما روحي

تنتشي بأحاسيس لا يعرفها العالم

وتقطن الماضي وتفتح مخزن الطبيعة العظيمة

فتزول عنى أمراض الحياة الأسيفة.

وبناء على ذلك وغيره من اهتمام الرحالة بمصر وتاريخها القديم أصبحت النظرة الغربية إلى آثارها على أنها شاهد على حياة ورمز لحضارة بعد أن كانت، في رأيهم من قبل، شاهدة على العجائب المعمارية للعالم القديم دون حياة.

لقد أصبحت الآثار المصرية القديمة في نظر الغرب “كما لو كانت حلما” يرتع الخيال في صورها الرائعة. وانتقلت دراسة الغرب للآثار المصرية إلى استخدام المعرفة بها. “وسيلة للوصول إلى صورة كاملة عن العالم الذي ظهرت فيه هذه الآثار”.

إضافة إلى نزعة رومانسية في الافتنان بجاذبيتها الفريدة “نتيجة لبعدها وغموضها”.

وهنا نرجع إلى قوانين التاريخ التي فاقتها الحضارة المصرية، فمع أن مصر كانت محتلة من فرنسا وإنجلترا فإنها أثرت في ثقافة المحتل.

وهذا ما أكده “جمال حمدان” في موسوعته: “الشخصية المصرية؛ دراسة في عبقرية المكان” فيما يتعلق بالمقولة الشهيرة إن مصر مقبرة الغزاة. وقد ساعد فك رموز حجر رشيد على تعمق بعض أسرار الآثار المصرية.

وقد اهتم الرحالة الكُتَّاب الإنجليز بمناظر الطبيعة المصرية، وحياة المصريين والاتجاه للرحلة إلى مصر هدفا في حد ذاته.

اهتم الرحالة بوصف ضفاف النيل، والحياة في الريف والصحراء، وغروب الشمس الذي تقول فيه إحدى الرحالة: “عندما بدأ ضوء النهار يتحول رويدا رويدا إلى شفق رقيق، انساب الجمال.. تاركا العقل يسبح في أحلام اليقظة”، وذلك إعجابا بسحر غروب الشمس في مصر أثناء رحلة في النيل. ووجد الرحالة في المجتمع المصري جديدا لا عهد لهم به. وكتب أحد الرحالة عن الناس والأماكن والمجتمع المصري بحس فنان مبدع.

يصف إقبال المصريين على الصلاة، وأذان الصلاة بوقعه الجميل المقدس يتجاوب بين المساجد، متناغما مثل الأرواح تدعو بعضها البعض لعبادة خالق كل شيء” مشيدا بالشعور الديني المتعمق في الشخصية المصرية.

ويتناول “لين” المجتمع المصري وقد عاينه، واصفا المصريين بأنهم “أكثر شعب عربي تحضرا”. وكان كتابه “وصف أخلاق المصريين المحدثين وعاداتهم” وثيقة لأحوال المجتمع المصري في القرن التاسع عشر. وقد رأى رحالة الغرب ما جعلهم يربطون مشاهداتهم في القاهرة بما استقر عندهم من صور “ألف ليلة وليلة”، وطبائع الشرق المختلفة عن الغرب.

في مصر وجد الرحالة متسعا من الوقت، وخليطا كبيرا من الزائرين لمصر، وفرصة للراحة النفسية، والشعور بالبهجة والسعادة. ومع خيام الرحالة يتوهج الشعور الجميل، يختصها شعر حافل بالخيال الرومانسي مثل قول أحدهم:

فليسترح الجميع أيها القلب المتعب

وعلى هذا تعبر المشاعر عن التفاعل مع مشاهد الطبيعة الساحرة بمصر.

يقول أحد الرحالة: “وأنا أبحر في النيل جنوبا فها هي حياة خالدة الجمال تتناغم فيها القرى وأبراج الحمام والجوامع ومقابر الأولياء.. وبساتين من أشجار النخيل” وهذه مشاهد تمنح أجواء حالمة للطابع الشرقي، وحلما في “تلقائية وسلام وصمت”. إنها تفاعل ساحر في مشاهد مجتمعة للجمال والجلال الخلاب المتدفق حركة وحيوية، وهذا – كما قرر أحد الرحالة- ما يميز الشرق عن الغرب “وأحد مظاهر سحر الشرق المُسَلَّط على العقل الغربي”.

إن الإرادة الغربية على الشرق مؤقتة زائلة “بالمقارنة بما للشرق من سحر على الخيال الغربي”.

لقد تطور إحساس الرحالة الغربي إلى بلورة للطابع الشرقي كما رآه من خلال انطباعاته وأحاسيسه بصورة رومانسية لا تهتم بالواقع بقدر ما تهتم بما يعتمل في نفس الرحالة.

ويرى أحد الرحالة أنَّ الشرق “يستنهض روح المغامرة” والرحلات الغربية إلى مصر أدت بأحد الساخرين منها إلى التناقض حيث صوَّر شوارع القاهرة هذا التصوير الرائع: “كيف أصف لك جمال الشوارع، الرونق الخرافي، وتنوع المنازل والطرق المقنطرة والأسقف المعَّلقة، والشرفات والأروقة، والانتقاء الجميل للضوء والظل، والضوضاء والضجيج، وطيبة الناس، والأسواق التي لا تنتهي برونقها الفطري، توجد ثروة للرسامين في القاهرة… لم أر مطلقا مثل هذا التنوع في العمارة والحياة”.

ويقرر “رشاد رشدي” أن النغمة الرومانسية لرحالة الغرب إلى مصر قد خف صوتها أواخر القرن التاسع عشر، وذلك بتلافي التأويل الأدبي لمصر عند السائح الإنجليزي الذي أخذ يراقب الأبعاد المختلفة بواقعية، وإن لم يخل موقفه من الإعجاب ببعض المواقف التي رأى فيها طابعا شرقيا، خاصة مع التعرف على حياة العامة في مصر، وما تثيره من جوانب إنسانية تدعو إلى الود والتعاطف معهم. وقد نتج هذا عن تفاعل السائح معهم، ورؤيته الواقعية لنبل المصريين.

إن ما يميز أدب الرحلة هو رؤية مصر وحضارتها قديما وحديثا بعيون أخرى تُعَمِّق من أصالة الحضارة المصرية.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.