عتبات الحلم

عتبات الحلم

اللوحة: الفنان المصري  محمود فتيح

محمد محمود غدية

يتأمل وحشة المدن والأبنية، وهؤلاء المرهونين بالحياة اليومية، نفس الوجوه والتعبيرات، وكرات اللهب والوجع دون تغيير، هناك لحظات نتوقف امامها، تحفر في الذاكرة، وتجعلنا نرتاب في منطق الأشياء.

ارتضاها لأشياء كثيرة، منها قسمات وجهها ونضارته، لا سبيل الى مقاومته.

في المقهى، احتسى فنجان قهوته، وجلس يقلب في الجريدة، التي أول ما يطالعه فيها، الكوارث البشرية من حروب ومجاعات ونكبات، والتي يراها اشد قسوة من الكوارث الطبيعية، اختارته غجرية، افترشت الأرض من أمامه وأفرغت من سلتها الودع، قائلة: 

أقرأ البخت والفنجان، وأضرب الودع.

وأشارت الى فنجان قهوته الفارغ، بعد أن استأذنته وهي تبسمل وتحوقل، وتتمتم بكلمات، لم يفهم نصفها على الأقل، رسمت الدهشة بوجهها، المختبئ خلف ستار من الخجل العفوي وغيره، قائلة: 

لك قلب طيب، أخشى معه أن يضطرك الدم والقرابة، الى أن تحرض في نفسك حبا لا وجود له، فتصدمك العواطف الزائفة، في من يبطن عكس ما يظهر، وكلام أجوف لا يثمر، وسحب ترعد لا تمطر، ألقى من يده الجريدة، وأطلت من عينيه نظرة حزينة، مفعمة بأسئلة لا جواب لها؟ 

قالت الغجرية: كلماتي رغم الوجع، تنزف صدقا، أعلم أن الحب هو الملجأ والمهرب من قسوة الحياة، أستحلفك بكل غال لديك، لا تثق بشمس الشتاء، ولا بدموع النساء! أراها تحدق بوجهي في الفنجان، عيناها وسيعتان مكحولتان، خرجت من زبد الضوء كالنهار، غامضة كالبحار، بشرتها كالحليب الصافي، تحرق المشتاق بلا جمر، تسكر دون خمر، لن تحتمل معها الحب المخذول، والانتظار العقيم، لا تدع الرقة تهزمك، وأنت مازلت على عتبات الحلم، لا تعش الوهم، ولا تتعلق بطيف لا وجود له، وقد تركت حاضرا رائعا، يفر من بين يديك، ارتدي أجمل أثوابك، فهناك مركبة فخمة في انتظارك، يقودها أربعة من أجمل وأمهر الجياد، ورياش ثمينة تحيط بك، وأنت تزين رأس عروس بتاج من الأزهار، هي لعمرك الصفاء، والنقاء والبهاء.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.