اللوحة: مقابر قرب مدينة رشيد للفنان الإيطالي لويجى ماير
د. خالد عزب

سيذكر التاريخ أنه في مصر حدث أن دمر تراث بيد أهلها وبالرغم من الاستغاثات المتتالية لم يكن هناك صدي يتناسب مع حجم ما دمر من تراث، وهنا تبدأ القصة، مصر طوال عصور تاريها يمثل الموت حدث تهتز له نفوس المصريين، فالفراق الصعب جعل المصريين يهتمون بأماكن دفن الأحبه الذين فقدناهم، لذا إزدانت مقابرهم ولم يبخل الأحياء علي الاموات، حتي صار الحوش مكانا رحبا فسيحا، ضم صالونات مذهبه، بل بناه معماريين أجانب ومصريين فصار التأنق عنوان هذه المدافن، موروث عميق ضارب في جذور هذا الأرث منذ عصور ما قبل التاريخ إلي يومنا غرس مستمر، لذا لو أزلنا طبقة منه فنحن نزيل طبقة من التاريخ الوطني، فهل يصلح أن نزيل الهرم وهو مدفن أو مقبرة لأحد رجال الدولة في سقارة مقبرة قدماء المصريين من أجل طريق، وما قرافة القاهرة التي تمتد من مصر القديمة إلي العباسية إلا الأمتداد الطبيعي لقرافة الفراعنة التي تمتد من هرم جدفرع ابن خوفو في أبورواش مرورا بأهرامات الجيزة وسقار إلي دهشور، سيسأل سائل هذه القرافة الإسلامية التي تتحدث عنها لا قيمة أثرية لها، في حقيقة الأمر هي أثرية بتراث سجل عبر العصور حتي شاهدنا أدلة سياحية في العصرين المملوكي والعثماني ترشد زوار القرافة لمدافن العلماء والشخصيات التاريخية، ياسادة ياكرام كانت مزارا مشهورا في العالم الإسلامي، من منا لا يكرم هؤلاء العظام ويوقرهم، بل في القرنين 19 و20 شهدت القرافة قفزات متتالية في عمرانها وتأنقها فشيدت بها الأحواش في صورة معمارية تشهد بعظمة إحياء تراث العمارة المملوكية كطراز وطني، لذا كان من الأجدي حين نريد إزالة هذه المدافن أن نفكر في كيفية التعامل معها بصورة علمية، فعلم الحفاظ علي التراث تطور كثيرا في العقود الأخيرة، ولنا في ذلك خبرة كبيرة، فحين قررت الدولة المصرية بناء مسجد جامع في ميدان رمسيس أكبر ميادين العاصمة ومركز الحركة في المدينة، تم فك جامع أولاد عنان الذي شيد في عصر الخديوي عباس حلمي الثاني علي يد المعماري المصري القدير المجهول صابر صبري، ونقل الجامع إلي ميدان السيدة عائشة وهو يعرف الأن بجامع السيدة عائشة، أي أننا حينما نريد أن نحافظ علي تراثنا نستطيع، سيقول البعض أن التراكيب والمدفونين بها نقلوا إلي حديقة الخالدين، لكنه نقل بلا خطة معلنه واضحة يشرف عليها علماء أجلاء لهم احترامهم وتقديرهم، ثم إن الأحواش والقباب هدمت، وبالتالي فقدنا جانبا من هذا التراث، وعلينا الأن أن نراجع الامر، ونسأل من صمم مدافن الخالدين، ومن هم ؤلاء الخالدين، ثم مذا لو كان لدينا تركيبة وقبة رائعين لشخصية لم تكن في عداد المشهورين، وماذا لو كان القبر بسيط لعالم جليل، ألم يكن من ألاجدي أن نفكر خارج الصندقة بأن ننشأ متحف للموت، ستقول لي متحف للموت، سأقول لك نعم، وهل جذب لمصر السياح بالملايين إلا تراث الموت عند المصريين، حتي إن الأوربيين كانوا مندهشين من مواكب الجنائز وطقوسها وأماكن الدفن في القرنين 19 و20، فإدوارد لين بول المستشرق الإنجليزي أفرد صفحات في كتابه عن عادات المصريين الذي كتبه في القرن 19 للجنائز وطقوس الموت، ماذا لوشيدنا في القرافة متحف للموت ورثناه عبر العصور، سيجذب ملايين الزوار بدءا من عرض كتاب الموتي إلي المومياوات إلي شواهد القبور إلي الستائر المنسوجة للقباب الضريحية، إلي الأثاث الجنائزي، هكذا يجب أن يكون التفكير خارج الصندوق، وإلا فأننا لو لم ننشأ متحف كهذا، فإننا ندفن تراث ونميت متحفنا التي تنشأ دون أفكار خلاقه.
إنني هنا أثني علي جهود بذلت بإخلاص من مجموعات من الشباب والمحبين للتراث، علي رأسهم الدكتور مصطفي الصادق الأستاذ في طب القصر العيني الذي أنطلق في القرافة يوثق ويصور القباب الضريحية والأحواش الأثرية قبل هدمها، ثم أصدر كتابا مصورا رائعا ضم جزءا بسيطا مما وثقه عنوانه (كنوز مقابر مصر) هذا الكتاب كان له الفضل في تقديم معالم من قرافة القاهرة فقدناها، وبعضها ما زال باقيا، قرأ نصوص شواهد القبور ولأنه من أسرة عريقة فقد ساعده هذا في التعرف علي عدد كبير من المدافن، كما غاص في كتب التاريخ ليستدل علي ما لا يعرفه، وقد صدر هذا الكتاب عن مكتبة ديوان.
لكن أيضابذل مجهود كبير من كل من الأستاذ حسني جعفر وهو من أبرز عشاق التراث في مصر والأستاذة أية إبراهيم وهي مرشدة سياحية، وبالتالي هما من خارج القطاع الأكاديمي ككلية الأثار في جامعة القاهرة وكلية الأثار في صمت مطبق إزاء ما يحدث في القرافة، ماعدا الدكتور محمد حمزة الذي كرس جهده لإيضاح أهمية القرافة الأثرية فهي كانت موضوع أطروحته للدكتوراة.
أصدر الأستاذ جعفر حسني والأستاذة أية إبراهيم (موسوعة القرافة التوثيق قبل الاندثار) في تسعة أجزاء عمل جبار طبع وأنجز بجهد شخصي، اختار القائمين علي الموسوعة التركيز علي المنطقة من ميدان القلعة إلي مصر القديمة، وصحب كل مدفن أو حوش أوقبة خريطة تحدد موقعة وصور دقيقة توثق كل كبيرة وصغيرة، ومما تضمه الموسوعة حصر دقيق فمثلا نري مدفن قاسم أمين وإلي جواره رزواليوسف، لنري غيرهم عدد من العائلات المصرية التي شيدت لها أحواش وألحق ببعضها استراحات مجهزة لراحة زوار الحوش، وزود بعضها بأسبلة لتوفير المياه لزوار القرافة ولكسب الثواب علي غرار السبيل الملحق بحوش الأمير حسين بك الشماشيرجي، إن من المثير في الموسوعة هو نجاح المؤلفين في بناء علاقات القرابة بين المدفونين في هذه الأحواش، فالحوش الواحد يضم أجيال متعاقبة من الأسرة الواحدة، فكانت الكتابات علي شواهد القبور تكشف الزواج من سيدة من عائلة أخري، حتي أصبح من الممكن اكتشاف التداخل العائلي، فعبد الخالق باشا ثروت الذي رأس وزراء مصر وتوفي فجأة في عام 1928 هو ابن اسماعيل عبد الخالق ابن المرحوم عبد الخالق أفندي من أصل أناضولي، ووالدة عبد الخالق ثروت من أصل تركي هي الأخرى، حوش عائلة عبد الخالق يضم العديد من الشواهد لكننا سنقف لنقرأ الفاتحة لعبد الخالق ثروت ونقرأ المكتوب علي شاهد قبره كما يلي:
هو الحي الباقي
هذا قبر ساكن الجنان
حضرة صاحب
الدولة عبد الخالق
ثروت باشا
ولد سنة 1873 وتوفي
سنة 1928
لكن أيضا تكشف القرافة عن عدد من القبائل العربية الممتدة من الأردن وفلسطين فمصر فليبيا إلي المغرب ومنهم عائلة نوفل، ومنهم شهاب الدين بن نوفل الذي صار من كبار أعيان الغربية، يضم حوشه مجموعة من التراكيب الرخامية التي تعكس تقدما في فنون الرخام في مصر، وإبداعا في الزخارف يجعل الواقف في المكان مذهولا من جمالها.
تكشف الموسوعة وجود أحواش لعدد من نوابغ مصر منهم حوش الدكتور حسن محمود باشا الذي توفي سنة 1906، والذي عمل في القصر العيني وألف 26 كتابا في حمي الدنج، وفي أمراض الكوليرا وفي الأمراض الجلدية، وكان عنيدا للقصر العيني، ومن شهرته في العالم شارك بأبحاثه في مؤتمرات دولية ونال عضوية العديد من الجمعيات العلمية في العالم حتى صار عضوا في أكاديمية البرازيل.
إن من المثير أن قرافة القاهرة بشواهد قبورها، وروعة الخطوط العربية بها تكشف أن مصر في القرن 19 عادت لها الريادة في فن الخط العربي الذي غاب عنها منذ دخول العثمانيين مصر، فنجد شواهد قبور بخطوط مشاهير مثل سيد إبراهيم ويوسف كمال الذي أحي الخط الكوفي ومحمد أفندي، وإذا احتفظنا بها فهي تعطي مصر قصب السبق في تطوير الخط العربي وتؤكد أن هذا البلد بلد مبدع حقا.
إن هذه الموسوعة جهد يجب أن يقدر وأن يكرم المؤلفين فقد أنجزا ما عجزت وتخاذلت عنه مؤسسات وعلماء تخلوا عن مسئولياتهم.

