النص الشعري بين الاعتراف واللغة: قراءة في «نصوص قد تصل لساعٍ ضَرير» لتسنيم حومد سلطان

النص الشعري بين الاعتراف واللغة: قراءة في «نصوص قد تصل لساعٍ ضَرير» لتسنيم حومد سلطان

اللوحة: الفنان السوري وليد الآغا

حامد محضاوي

يُقدّم نص «نصوص قد تصل… لساعٍ ضَرير» للشاعرة العراقية «تسنيم حومد سلطان» – منشور على حسابها الفايسبوكي بتاريخ 02/01/2025 – نموذجا معاصرا متقدّما للقصيدة النسوية في فضاء النثر الشعري، حيث يندمج الاعتراف الشخصي مع التأمّل الفلسفي والتحليل النفسي، ويحوّل تجربة الانكسار العاطفي إلى مشروع شعري معرفي متكامل.

العنوان نفسه يشكّل مفتاحا لفهم النص، إذ تشير كلمة “نصوص” إلى الكتابة كجسر بين الذات والآخر، بينما توحي عبارة “قد تصل” بالشك والاحتمالية، ما يعكس التوتّر المستمر بين الرغبة في التواصل والواقع المحدود للفهم الخارجي. أما “لساعٍ ضَرير”، فهو رمز للآخر الذي يسعى لقراءة النصوص لكنّه عاجز عن استيعابها، ما يعكس الفجوة الجوهريّة بين التجربة الداخليّة للذات وإمكانات الفهم لدى الطرف الآخر، ويهيئ القارئ لتجربة النص كرحلة بين الانكسار والعزلة والوعي بالذات.

يتّسم النص بحرية شكليّة واضحة، إذ يتحرّر من قيود الوزن والقافية، ويستفيد من الفواصل البيضاء والفواصل المقطعية لإنتاج إيقاع داخلي متغيّر يعكس الانكسارات النفسية والتوتّرات العاطفية للمتكلّمة. هذه الفواصل ليست مجرّد أدوات جمالية، بل تحاكي التوقّفات الذهنية والنفسية، وتخلق مساحات للتأمّل، كما يظهر في قول الشاعرة:

“أقفُ على حافّةِ الجمعِ كخطأ مطبعيٍّ فادحٍ في كتابِ السّعادة المتداول…” 

يُحوَّل الخطأ المطبعي البسيط إلى استعارة لغربة المتكلّمة وعزلتها وسط الآخرين، وهو نمط يتكرّر عبر النص لإنتاج إحساس بالتمزّق الداخلي والصراع الدائم بين الذات والمحيط الاجتماعي.

النص غني بالاستعارات المركّبة والرمزية الكونية، حيث يتحوّل الحب إلى “خطأ هندسي”، والذات إلى “قلعة مهجورة”، والآخر إلى “مجهر العقل”، لتبرز الفجوة بين لغة الداخل وفهم الآخر العقلاني. كما تتجلّى هذه الرمزية في السماء الزجاجيّة التي تثير الخوف من الحب:

“جعلني أخافُ الحبَّ كما يخافُ الطيرُ من السماءِ الزجاجيّة.”

هنا تتحوّل التجربة الفردية إلى استعارة وجودية، تربط الانكسار الشخصي بالبعد الكوني، وتجعل النص مساحة للتأمّل في الخطر والمجازفة والفقد.

يتداخل البعد النفسي والجسدي في النص بطريقة متقنة، إذ تصف المتكلّمة مشاعرها عبر الجسد وتجعل الانفعال العاطفي محسوسا وقابلا للرصد، كما في قولها:

“وضعتُ قلبي بين يديهِ طازجا، راجفا، وماثلا للأمر، كما يضعُ المؤمنُ قربانَه الأخير على عتبةِ المعبد…”

يحوّل هذا التجسيد الشعوري النص إلى تجربة شبه نفسية فلسفية، حيث يصبح التعبير عن الذات عمليّة معرفية كذلك، وتتشابك اللغة بالشعور والجسد لتصبح القراءة تجربة متعدّدة الطبقات تجمع بين المعرفة والانفعال.

الصوت الداخلي في النص ليس مجرّد أداة سردية، بل يمارس وظيفة تحليليّة معرفية، إذ تتأمّل المتكلّمة علاقتها بالآخر وتعيد تقييم التجربة العاطفية والفهم الذي لم يتحقّق، كما يتّضح في قولها:

“خيبتي ليست فيه كشخص، بل في الفهم الذي لم يحدث، في اللغة التي تكسّرت بيننا.”

بهذا يتحوّل النص إلى فضاء للوعي الذاتي، حيث تصبح اللغة وسيلة لتفسير التجربة الداخلية، وإعادة ترتيب الانفعالات والخيبات، وإعادة تعريف العلاقة بين الذات والآخر، دون الاكتفاء بالاعتراف الشعوري المباشر.

زمن النص النفسي مرن، إذ يتداخل الماضي بالحاضر، ويخلق إحساسا بالاستمراريّة والتراكم الشعوري، كما تقول الشاعرة:

“عدتُ إلى وحدتي.. هنا فقط يمكنني أن أكونَ حسَّاسةً حتى الانفجار، دون أن أخدش منطق أحد.”

تتيح هذه المرونة الزمنية للمتكلّمة استيعاب تجربتها وتحليلها ضمن وعيها الحالي، مما يجعل النص تجربة شعورية تأمّلية تراكميّة، تجمع بين الانكسار العاطفي والاستبطان الفلسفي.

يمتدّ النص إلى بعد كوني ومعرفي، حيث تُستحضر استعارات مثل “المجرات المتفجّرة”، و”المحيط الهادر”، و”العاصفة في الدم”، لتجعل النص ملحمة شعورية معرفية، تربط التجربة الشخصيّة بالوجود الكوني، وتضع الانكسار والخيبة ضمن سياق شامل يتجاوز حدود التجربة الفردية الضيّقة.

من منظور بلاغي شامل، يجمع النص بين الاستعارات المركّبة، الرمزية الكونية، الصوت الداخلي الموحّد، الزمن النفسي المرن، والبنية المقطعيّة، ليخلق فضاء شعريا معرفيّا متكاملا، يمكّن المتكلّمة من التعبير عن صراعها الداخلي ووعيها الذاتي وتجربتها العاطفية المتعدّدة الطبقات، بحيث تصبح القراءة تجربة معرفية وشعورية متشابكة تتجاوز مجرّد الاعتراف الشخصي لتصبح رحلة فكرية وعاطفية وفلسفية في آن واحد.

يظهر نص “نصوص قد تصل… لساعٍ ضَرير” بهذا المعنى مشروع كتابة شعري معرفي متكامل، يجمع بين الاعتراف العاطفي والتحليل النفسي والفلسفي، ويبرز الذات كشخصيّة شعورية معرفية مستقلّة، قادرة على التعامل مع الانكسار، الخيبة، والحاجة للفهم، ضمن لغة تجمع بين الشعر والفلسفة والرمزية. العنوان والنص معا يقدّمان -كما ذكرنا في البدء – نموذجا متقدّما للقصيدة النسوية المعاصرة، التي تمزج بين الشعر والاعتراف والتأمّل الفلسفي، وتعيد تعريف علاقة الذات باللغة والعالم، بحيث تصبح تجربة النص رحلة معرفية، عاطفية، ووجودية متكاملة.

نص «نصوصٌ قد تَصل.. لساعٍ ضَرير»

أقفُ على حافةِ الجمعِ كخطأٍ مطبعيٍّ فادحٍ في كتابِ “السّعادة” المتدوال…

الجميعُ هنا مزدوجون كأقواسِ الاقتباس، يتبادلون أنخابَ الفراغِ المعبّأ في كؤوسِ الكريستال..

بينما أتكورُ أنا على ناصيةِ المعنى

كنقطةٍ حاسمةٍ في آخرِ السطر، تعلنُ انتهاءَ الكلامِ قبلَ أن يبدأ.

وحدتي ليست فراغاً.. إنها اكتظاظٌ مفرطٌ بالذات..

لم أغلقِ النافذةَ هرباً من الضجيج،

بل لئلا يتسربَ مني “الكونُ” إلى الخارج

فيُصابَ العالمُ بدوارِ العمق…

قد يقال: أنني المرأةُ التي نسيتْ كيفَ تكونُ “أنثى” في مرايا الرجال،

لكنني.. في كلِّ مرةٍ حاولتُ فيها الحبَّ

كنتُ أبحثُ عن محيطٍ يقرأُ ملوحتي،

فلم أجدْ سوى سواقٍ ضحلةٍ

تخافُ الغرقَ في فنجانِ قهوتي…

حاولوا تهجئتي كقصيدةٍ غزليةٍ خفيفة،

بينما كنتُ أنا ملحمةً جنائزيةً مكتوبةً باللغةِ المسمارية

لا يفكُّ طلاسمها إلا الموتى.. أو المجانين…

النساءُ اللواتي يسكنّني لسنَ حزينات،

إنهنّ فقط مشغولاتٌ بترتيبِ الفوضى الكونيةِ في رأسي، 

إحداهنَّ تبري أقلامَ الرصاصِ بأنيابِ القلق،

والأخرى تخيطُ فمَ الليلِ كي لا يفشي سرَّ الأرق،

وأنا..

أنا الحارسةُ العجوزُ لهذه القلعةِ المهجورة،

أجلسُ فوقَ ركامِ عواطفي

لا أنتظرُ فارساً، ولا أحلمُ بمركبةٍ تجرها الخيول…

حتى حين قايضتُ صقيعَ وحدتي بدفءِ الحبِّ، كنتُ أرتكبُ خطأً هندسياً فادحاً.. حاولتُ أن أسكبَ محيطاً هادراً في دورقِ ماءٍ منزليّ…

لم يكن صغيراً في عينيّ.. كان ومازال شاهقاً، ولهذا كانت سقطتي منهُ مروّعة…

وضعتُ قلبي بين يديهِ طازجاً، راجفاً، وماثلاً للأمر،

كما يضعُ المؤمنُ قربانَه الأخيرَ على عتبةِ المعبد،

ظانةً أنَّ علياءه سيتسعُ لطقوسي، وأنَّ وقارهُ سيفردُ عباءتهُ ليحتوي جنوني، يُفصّلُ له وقتاً خارجَ عقاربِ الساعة،

ومكاناً لا تحكمهُ قوانينُ الجاذبيةِ الأرضية…

لكنهُ.. وبكلِّ هدوءِ القتلةِ المحترفين،

أخذَ مجراتي المتفجِّرة، ونظرَ إليها عبرَ مجهرِ “العقل”،

ثم أصدرَ حكمهُ البارد: “أنتِ حساسةٌ جداً”.

بكلمةٍ واحدة.. حوّلَ ثروتي الشُّعوريةَ إلى “عِلّة”،

واختصرَ حرائقي الكونيةَ في “نوبةِ قلق”.

كنتُ أنتظرُ منهُ أن يقرأني كوحْيٍ غامض، فبادرَ إلى “علاجي” كحالةٍ مرضيّة..

ربما أرادَ أن يُهذّبَ العاصفةَ لتصبحَ نسيماً يُلائمُ ستائرَ نافذته،

وحينَ عجزَ عن ترويضِ البرقِ في دمي،

حبسني داخلَ قفصِ “الحساسية”، ذلكَ القالبُ الضيقُ الذي خنقَ صوتي، فأصابني هذا الصمتُ الرهيب…

ليس صمتَ الهدوء، بل صمتُ الإطباق…

صمتُ من صرختْ بكلِّ جوارحها: 

“أنا أحبكَ بفيضانِ الروح”،

فتمَّ الردُّ عليها بـ: “اهدئي، أنتِ تُبالغين”.

لقد قتلني بتفسيراته..

جعلني أخافُ الحبَّ كما يخافُ الطيرُ من السماءِ الزجاجية،

تلكَ التي تبدو مفتوحةً ورحبة، لكنها تكسرُ عنقكَ إن صدّقتَها…

خيبتي ليست فيهِ كشخص، بل في “الفهم” الذي لم يحدث،

في اللغةِ التي تكسّرت بيننا..

أنا أتكلمُ بلغةِ الاحتراق، وهو يترجمها بلغةِ الإطفاء..

لذا، عدتُ إلى وحدتي..

هنا، في زنزانةِ العزلةِ الاختيارية، لا أحدَ يُسمّي شغفي “دراما”،

ولا أحدَ يُشخّصُ موتي البطيءَ على أنهُ “مزاجية”.

هنا فقط..

يمكنني أن أكونَ “حسَّاسةً” حتى الانفجار،

دون أن أخدشَ “منطق” أحد..

اللهُ لا يهملني..

لكنهُ يحترمُ رغبتي في أن أكونَ ” ربّةً صغيرة ” لحزني الخاص.. عوضاً عن أن أكون ” ربَة منزل “..

يعلمُ أنني لا أطاردُ الحياةَ كالقططِ الجائعة،

بل أقفُ لها بالمرصادِ كتمثالٍ من ملح،

أنتظرُ عربةَ “ديكنسون” لا لأركبها كضيفة،

بل لأقودها..

نحو الهاويةِ التي تليقُ بامرأةٍ

لم يتسع لها النص،

فصارت هي.. الهامشَ والمتنَ والعدم….

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.