صالح مهدي محمد
اللوحة: الفنان الأكراني دانييل فولكوف
كانت حركة المركبات عند مفترق الشوارع الأربعة أشبه بسباقٍ لا نهاية له. كل جهة تشدّ إسفلت الشارع إلى الأمام، كأن الطرق نفسها تتصارع لتسبق الزمن. أصوات المحركات تتقاطع، الأبواق تتشابك، والغبار ينهض مثل ستارٍ مسرحيٍّ يتبدّد مع كل هبّة ريح.
فجأةً، ارتفع صوت أدهم، حادًّا، قاطعًا ضوضاء الشارع:
– حميد! حميد! تعال… تعال!
كان صوته يحمل استعجالًا لا يشبهه. حميد، على الرغم من قرب المسافة، لم يجرِ، بل كانت قدماه تتقافزان، كأن الأرض غير مستوية، أو كأنه حائر بين الركض والتوقف. وصل أخيرًا، يلهث قليلًا، فلوّح له أدهم أن يجلس قربه. جلس حميد من غير سؤال.
راقب أدهم حركة السيارات، ثم أشار بيده من زاوية المفترق اليمنى إلى اليسرى، وقال:
– حاول تحكي عن المكان… أوصفه. قل أي شيء عن هالزاوية.
نظر حميد إلى الشارع بنظرة فيها شيء من الحيرة، كأنه يراه لأول مرة. رفع يده أخيرًا، وأشار إلى الجانب الأيمن، وقال بخفوت:
– من هنا…
قاطعه أدهم بسرعة:
– من هنا إلى هنا. لا تتوسع. ركّز… من هنا إلى هنا.
ساد صمت قصير، لكن حركة الشارع لم تهدأ. ثم قال حميد، وكأنه يستعيد صورة قديمة:
– «من هنا… كانت تقف العجوز التي تبيع خرزًا أزرق للحماية. وكانت تقول إن المفترق يجمع أرواح الناس المتعبين، وإن كل واحد يعبره يترك أثره خلفه».
ابتسم أدهم، كأنه حصل على أول خيط.
أكمل حميد:
– «ومن هنا… كان يقف أبو علاء، صاحب بسطة الشاي. هذا الرجل يعرف قصص السائقين: من طلّق زوجته، ومن باع سيارته، ومن عاد من السفر مفلسًا. كنا نراه كل صباح وهو يضحك، لكن حين يجلس وحده يتأمل الشارع، كأنه يسمع اعترافات لا يريد كشفها».
انحنى أدهم إلى الأمام، يراقب المفترق كأنه يراه بعين جديدة:
– كمّل…
تنفّس حميد بعمق، وقال:
– «وفي الوسط تمامًا، بالقرب من عمود الكهرباء، كان يقف ولد صغير يلمّع زجاج السيارات إذا توقفت. سألته يومًا لماذا يختار هذا المكان؟ قال: لأن المفترق أكبر من بيتهم، ولأن هنا يشعر أن النفس يدخل ويخرج بحرية».
هزّ أدهم رأسه بإعجاب:
– أنت حكيت المكان… لكنك حكّيته بالناس.
– لأن المكان بلا ناس… يبقى شارعًا فقط، ردّ حميد بابتسامة صغيرة.
وانطلقت سيارة مسرعة، تلتها أخرى، وكأن المفترق استأنف حياته الصاخبة. لكن بالنسبة لأدهم، كان المشهد قد تغيّر تمامًا. صار «من هنا إلى هنا» عالمًا كاملًا، له ذكرياته وأصواته وشخصياته الصغيرة التي تصنع سرّ المكان.
قال أدهم وهو يربت على كتف صديقه:
– يلا… نكتبها قصة. كلها موجودة… بس كانت تنتظر أحد يشوفها.
جلس الاثنان على الرصيف، والشارع أمامهما يغلي بالحركة، لكنه بدا مختلفًا. لم يعد مجرد مفترق طرق؛ صار مسرحًا للأحداث. أخرج أدهم دفتره وبدأ يخطّ أول كلمات القصة، بينما ظل حميد يراقب الناس والسيارات، كأن عينيه تمسكان بكل تفاصيل المكان.
– شوف هذي السيارة، قال حميد مشيرًا إلى سيارة قديمة مهترئة تتقدم ببطء، سائقها عجوز… كل صوت مكابح يذكرني بليالي الصيف في الحي.
كتب أدهم بسرعة:
«السيارة القديمة تسحب معها ذكريات الحي، كل صوت مكابح يروي حكاية…».
ثم أشار حميد إلى فتاة تمشي بسرعة على الرصيف، تحمل حقيبة مدرسية كبيرة:
– وهاي البنت… تمشي وكأنها تهرب من يوم طويل، من البيت، من المدرسة، من كل شيء… لكن وجهها مليء بالفضول. تعرف كل شيء وتراقب كل شيء.
ابتسم أدهم وقال:
– تمام، نقدر نخليها شخصية رئيسية… شخصًا يمر من المفترق ويغيّر مجرى الأحداث.
دوّى صوت صفارة شرطي، وتوقفت سيارة فجأة، فالتقط الاثنان أنفاسهما. بدا مفترق الشوارع الأربعة كأنه قلب المدينة، ينبض، يتوقف، ثم ينبض من جديد.
أدار حميد رأسه نحو الجانب الآخر من الشارع:
– من هنا… نقدر نحكي عن المطعم القديم، اللي توصل رائحة الشواء منه لكل الزوايا. كل صباح تدخل رائحة الخبز الطازج البيوت، وكأن المفترق نفسه يتنفس.
كتب أدهم:
«المطعم القديم، رائحة الخبز واللحم، مثل قلب المفترق النابض بالحياة…».
مرّت السيارات، ومرّ أشخاص مختلفون، كل واحد منهم يحمل جزءًا من حكاية المفترق، وكل حركة فصل جديد في الرواية التي بدأت تنبض على الورق.
أشار حميد إلى طفل صغير يجلس على حافة الرصيف، يرسم خطوطًا على الأرض بعصًا قصيرة:
– وهذا الولد… يرسم خرائط الشوارع في رأسه قبل أن يتعلم الخريطة الحقيقية. كل خط يرسمه، كل تقاطع، كأنه يحاول فهم العالم بطريقته الخاصة.
أومأ أدهم وكتب:
«الولد الصغير يرسم المدينة كما يريدها أن تكون، لا كما هي».
ومع غروب الشمس، بدأ المفترق يكتسي بألوان ذهبية، وتمتد الأشكال الطويلة بين السيارات والمارّة، كأن المدينة تتوقف لحظة لتتنفس معهما.
جلس الاثنان صامتين، يتابعان حركة الحياة، وكل منهما يعرف أن الحكايات لن تنتهي هنا، وأن كل زاوية تحمل ألف قصة.
همس أدهم:
– تعال… نكمل المشهد الأخير. لازم نوصل من هنا إلى هناك، قبل ما يعتم الشارع تمامًا.
أمسك حميد بيده، وابتسم الاثنان، يركضان هذه المرة عبر المفترق، لا كأنهما هاربان، بل كأنهما يندمجان في قلب المدينة، بين الأصوات والروائح والأشخاص الذين جعلوا من المفترق حكاية تستحق أن تُروى.
ركضا والهواء يصفع وجهيهما، يحمل رائحة الشواء ودخان السيارات ومزيج الأصوات. اقتربا من المطعم القديم، والولد ما زال يرسم خرائطه. أشار حميد إليه:
– شوف… كل شيء هنا حيّ، حتى الطفل يرسم طريقنا قبل ما نمشيه.
ابتسم أدهم، وسحب دفترًا صغيرًا من حقيبته، يسجّل كل شيء: الأطفال، العجائز، الأصوات، وكل نفس من المدينة.
لمحا سيدة عجوزًا تسحب عربتها بين السيارات، عيناها تراقبان كل شيء:
– من هنا… كل شخص له دور، حتى لو ما يعرفه.
قال أدهم بصوت خافت:
– هذا هو المفترق… قلب المدينة. كل شخص يترك أثرًا.
وفجأةً، سكنت الأصوات لحظة. ضجيج السيارات، حركة المارّة، وحتى الريح. نظر الاثنان حولهما. في منتصف الشارع وقف رجل مجهول، يرتدي معطفًا أسود، يراقب الجميع بصمت، كأنه مفتاح لحكاية أخرى.
قال أدهم:
– هذا هو التحوّل… كل القصة كانت تمشي باتجاهه.
رفع الرجل يده، وأشار نحو مفترق آخر، أضيق وأهدأ، بعيدًا عن الصخب. فهم حميد وأدهم المعنى: عليهما الانتقال من عالم الضجيج إلى عالم آخر، حيث تبدأ الأحداث الحقيقية.
ركضا معًا. الشخصيات التي ذكرها حميد بدت كأنها تتحرك نحو مصائر جديدة. الولد حمل عصاه، العجوز دفعت عربتها، وصاحبة المطعم نظرت إليهما بابتسامة خفية.
وصلا إلى الجانب الآخر من المفترق، حيث الشارع أكثر هدوءًا، والأضواء تلمع بخفوت. قال أدهم:
– المفترق انتهى… لكن الحكايات مستمرة. كل زاوية، كل ضحكة، كل دمعة ممكن تصير رواية. ونحن بدأنا أولها اليوم.
نظر حميد إلى الدفتر وابتسم:
– إذًا… ما راح نكتب عن المفترق بس، راح نكتب عن كل شيء بين هنا وهناك.
ومع آخر خيط من الضوء، ابتعد الاثنان، بينما بقي المفترق حيًا، يتنفس كأنه كائن بذاته. لم تعد السيارات مجرد وسيلة، ولا الأبواق مجرد ضجيج، بل أصواتًا تحمل حكايات العابرين.
بقيت خطوط خرائط الطفل على الأرض مضيئة تحت الأضواء، تتقاطع مع مصابيح السيارات كأنها شبكة حياة خفية. توقفت العجوز تتأملها، بإحساس يعرف أثر العابرين.
حرّك نسيم خفيف دفتر أدهم المفتوح، كأن المدينة تكتب كلماتها الأخيرة. كل حرف نابض بالحكايات: عن الطفل، عن المطعم، عن العجوز، وعن كل من مرّ.
ظهر الرجل المجهول مرة أخرى في منتصف الشارع، كأنه الحارس الخفي للحكايات. رفع يده، فسكنت الحركة. بقي المفترق في صمت ساحر، ممتلئ بالحياة، يهمس للقادمين:
«كل قصة تبدأ هنا… وتستمر في كل زاوية لم تُكتشف بعد. من يمرّ بمفترق الشوارع الأربعة يصبح جزءًا منه، ومن يكتب عنه، يخلّد أثره فيه».
وهكذا بقي المفترق حيًا، يعرف أن الحكايات لا تنتهي، وأن كل زاوية تخفي ألف حياة تنتظر أن تُروى.