اللوحة: الفنان الإسكتلندي ديفيد روبرتس
د. خالد عزب

هناك العديد من المؤشرات على تغير في تعامل المصريين مع حضارتهم القديمة في عصر الخديوي إسماعيل، كان منها ظهور رموز فرعونية في الصحف مثل صحيفة أبو نظارة ليعقوب صنوع وجريدة “الأهرام” التي اتخذت من الأهرام اسما وشعارا لها. ولا بد من الإشارة إلى أن عهد الخديوي إسماعيل عرف استبدال الطغرا العثمانية بالأهرام وأبوالهول على طوابع البريد. وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر يُلاحظ ظهور أسماء مصرية مثل: مينا ورمسيس في شهادات مواليد المصريين. وفي نفس الآن نسجل كيف أن شعراء مصريين يشيدون بأثار مصر في أشعارهم، فقد ألقي أحمد شوقي قصيدة أمام مؤتمر المستشرقين بجنيف في 1894 م أشاد فيها بالفراعنة والبطالمة وحضارة الإسلام.
تواكب صعود هذا الوعي مع تمكن النخبة الوطنية من المناصب العليا في الدولة، وانتشار الصحافة وازدهار نشر الكتب. وجاء الاحتلال البريطاني لمصر 1882 م ليكرس هذا الوعي، فقد أضحت استعادة الذات عبر الآثار إحدى وسائل المقاومة وتأكيد الهوية الوطنية، وهو ما تجسد في عصر الخديوي عباس حلمي الثاني في أربعة متاحف، هي:
المتحف المصري: في 1893 بدأت تتبلور رؤية لإنشاء متحف مصري حديث يستوعب مقتنيات المتحف القديم التي لم يعد يتسع لها، إلي أن نقل لسراي الجيزة والتي اكتظت بدورها، وبعد فتح مسابقة معمارية اختير تصميم المعماري الفرنسي مارسيل دورنو (Marcel Dourgnon 1858- 1911)، فصار أحد رموز القاهرة، افتتحه الخديوي عباس حلمي الثاني في 13 يوليو 1902م.
المتحف اليوناني الروماني: يقودنا هذا المتحف إلي ما هو أبعد، إذ أن المهندس المصري محمود الفلكي بدأ حفريات أثرية في الإسكندرية 1865 / 1886 م، ليرسم عبر تحققه من عدد من المواقع القديمة أول خريطة أثرية للإسكندرية، كان المجتمع المدني في الإسكندرية حيويا نشطا حتي أعيد احياء المجمع العلمي المصري في الاسكندرية سنة 1859 م تحت اسم (مجلس المعارف المصري) ثم كان لوجهاء المدينة سعي في 1884 م لإنشاء متحف للأثار اليونانية الرومانية، لكن الحكومة المصرية رفضت الطلب، ثم جدد في 1892 م ليوافق عليه بشرط توقيع اتفاق مع المتحف المصري. وقد افتتح في بناية مستأجرة بقطع تبرع بها حائزوها في 17 أكتوبر 1892 م بحضور الخديوي عباس حلمي الثاني، ثم بعد ثلاث سنوات يعود الخديوي ليفتتح مبناه الذي جاءت واجهته على الطراز الدوري اليوناني القديم، أعطي المتحف زخما بتأسيس جمعية الآثار في إبريل 1893 م والتي كان لها دور في النشر العلمي والحفائر والترميم كبير حتي خمسينيات القرن العشرين، وما زالت الجمعية تعمل إلى الآن.
يقودنا الحديث عن هذا المتحف إلى إثارة موضوع تأسيس الدراسات اليونانية الرومانية التي أخذت بعدا جديدا بتأسيس جامعة فاروق الأول (الاسكندرية حاليا) وبإيعاز من الدكتور طه حسين، حيث أخذت هذه الدراسات مكانة كبيرة في كلية الآداب، فطه حسين بدأ حياته في التدريس الجامعي بتدريس التاريخ الروماني في جامعة القاهرة، بيد أن التأسيس الفعلي لقسم الحضارة اليونانية الرومانية لم يتم إلا في عام 1963 م. وقد استطاعت كلية الآداب أن تخرج جيلا من كبار المؤرخين المهتمين بالدراسات اليونانية والرومانية، ومن بينهم: مصطفي العبادي، لطفي عبد الوهاب يحيي، فوزي الفخراني والان بها جيل منه: محمد عبد الغني ومني حجاج.
المتحف القبطي: جاء الاهتمام بإحداث المتحف القبطي بمبادرة من مرقص سميكة (1864- 1944) أحد أعيان الأقباط، الذي تضايق مما تتعرض له التحف القبطية من ضياع، فأخذ على عاتقه مهمة جمعها والدعوة لمد اختصاص (لجنة حفظ الآثار العربية) ليشمل ترميم الكنائس والأديرة التاريخية، وهو ما وافق عليه البابا كيرلس الخامس، كما جرت الموافقة على إنشاء المتحف القبطي في 1908. وقد جاب مرقص سميكة مدن مصر في أفق جمع القطع الأثرية للمتحف، وجاءت التبرعات عونا للمتحف الذي افتتح في عام 1910.
وكان إنشاء هذا المتحف باعثا على دراسة الآثار والفنون القبطية. وتطور هذا الاتجاه بأنشاء جمعية الآثار القبطية برئاسة مريت بطرس غالي (1908- 1991) في 24 ابريل 1934 م، وكانت تحت إشراف الأمير عمر طوسون، تأسست الجمعية باسم (جمعية أصدقاء ومحبي الفن القبطي) وبعد انضمام شارل بشتلي لمجلس إدارتها تم تغيير اسمها إلي جمعية الآثار القبطية سنة 1937 م، تصدر الجمعية دورية علمية، كما قامت بحفائر أثرية، وأصدرت العديد من الكتب، أقامت معرضا للأثار القبطية رعاه الملك فاروق عام 1944 م.
متحف الفن الإسلامي: يمكن اعتبار قصة إحداث هذا المتحف بمثابة قصة علم الآثار الاسلامية في مصر. فقد شكل الخديوي إسماعيل في سنة 1869 م لجنة لحفظ الآثار العربية، لكنها لم تقم بأي دور، كما أن شق شارع محمد علي من القلعة لميدان رمسيس أثار في الصحافة الأوربية غضبا بسبب هدم أثار مدينة ألف ليلة وليلة (القاهرة). في 18 ديسمبر 1881 م أصدر الخديوي توفيق أمرا عاليا بتشكيل لجنة حفظ الآثار برئاسة محمد ذكي باشا ناظر الأوقاف والمعارف، والتي قامت ببناء سجل للأثار الإسلامية والحفاظ عليها، لكن يؤخذ علي اللجنة تركيزها علي تسجيل المساجد بينما لم تحظ باقي المنشئات بذات الاهتمام خاصة المنشئات الصناعية.
بدأ انشأ المتحف في 1881 م فأتخذ من أحد أروقة جامع الحاكم بأمر الله متحفا، وأسند المتحف للجنة حفظ الآثار العربية، لكن سرعان ما تكدست به التحف، وأصبحت هناك حاجة ماسة لبناية تليق به، وفي سنة 1899 م وضعت أساسات المتحف في منطقة باب الخلق بتصميم المعماري الايطالي ألفونسو مانيسكالو Alfonso Manescalco (1895 1903)… علي الطراز الاسلامي الحديث، وهو أقدم متحف بني في العالم للفن الإسلامي، و افتتح الخديوي عباس حلمي الثاني المتحف في 1903 م.
لقد كان افتتاح المتحف بداية لانطلاق مدرسة علمية مصرية في الآثار الإسلامية، كما أبرز الوعي المصري المتنامي بالآثار. وبرز الدور العلمي للمتحف مع تولي علي بهجت (1858- 1924) إدارته في 1914م، كان علي بهجت قام بحفائر في منطقة درنكة بأسيوط عام 1910، ثم في الفسطاط. ووأثارت اكتشافات الفسطاط مخيلة المصريين. ونشر علي بهجت نتائج حفائره في كتابين أحدهما مع ألبرت جابرييل (Albert Gabriel (1883-1972، وهو أحد الباحثين الأثريين المتخصص في الدراسات الأناضولية ومدير المعهد الفرنسي الأركيولوجي بإستانبول، ونشره في 1921 م. والثاني مع فيلكس ماسول (Felix Massoul 1869 – 1942) نشر بعد وفاته 1930. كان الأوربيون في حقل الآثار الاسلامية أكثر تحفيزا للمصريين لدخول هذا الحقل عكس حقل المصريات، نري هذا بوضوح مع جاستون فييت (Gaston Wiet 1887-1971) الفرنسي الذي تولي إدارة دار الآثار العربية من 1926 إلي 1935 م، فقد حفَّز كل من ذكي محمد حسن و محمد مصطفي للنشر العلمي، بل أدار كلاهما لاحقا علي التناوب في المتحف، ذكي محمد حسن من 1951 إلي 1954 م وفي فترته أصبح مسمي المتحف (متحف الفن الاسلامي)، أما محمد مصطفي فقد أداره من 1954 إلي 1963 م. وقد كان ما نشراه هو ما جعل منهما علمين بارزين في مجال البحث الأثري على الصعيد العربي وكذلك الدولي، فنشر ذكي محمد حسن سنة 1935 كتابه (الفن الاسلامي في مصر) عن دار الآثار العربية 1935 م وتتابعت مؤلفاته المؤسسة لدراسات الفن الاسلامي، ومن أبرزها “أطلس الفنون والتصاوير الإسلامية”، واستعانت به جامعة بغداد من 1954 إلي وفاته في 1957.
تعبر المتاحف الأربعة (المصري، اليوناني الروماني، القبطي، الإسلامي) والتي افتتحت في عصر عباس حلمي الثاني، عن صياغة مصر لتاريخها بصورة مخالفة لما كانت عليه في بدايات القرن 19 م، إذ أننا ومع مطلع القرن 20 م نري مصر مختلفة جذريا عما كانت عليه من قرن، لتأتي أحداث ثورة 1919 م، وفك الارتباط مع الدولة العثمانية، لإعادة صياغة مصر بهوية وطنية، ثم تصاعدت رغبة المصريين في اكتشاف تراثهم الوطني مع جدل فكري حول هوية مصر، نري صداه في البنايات العامة، فضريح سعد زغلول باشا صمم علي الطراز الفرعوني في قلب القاهرة،، وعلى مقربة منه بيت الحكمة (نقابة الأطباء) علي الطراز الاسلامي الحديث وكذلك بناية جمعية المهندسين. هذا الجدل أدى إلي حيوية في الحياة العامة، كما أن اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون في 1922 شكل حدثا أثار مصر والعالم. وعقب انتخاب أول برلمان مصري في ظل الاستقلال عام 1924 م، ألغت ادارة الآثار التصريح الممنوح لهوراد كارتر مكتشف مقبرة توت، حيث أصبح توت عنخ أمون أيقونة الاستقلال الوطني، وبدأ السياسيون مثل سعد باشا زغلول ومرقس حنا يزورون المقبرة، لم تكن هذه الزيارات تؤكد أن مصر القديمة ساحرة الجماهير، لكن أيضا طريقة لتأكيد الوعي المصري بسيادة مصر علي مواقع الآثار التي كانت تحت سيطرة الأجانب والني نهبوها لعقود، وبالتالي التأكيد علي الماضي القديم كجزء من التاريخ الوطني.