طفولة عنيدة

طفولة عنيدة

اللوحة: الفنان السوري لشير بشير 

“لماذا نعيد طرح نفس الأسئلة القديمة، وكأن الزمن لم يمر، وكأن تجارب آلاف السنين لم تعلمنا شيئًا؟”

تساءلتُ كثيرًا عن ظاهرة تعاملنا مع مشكلاتٍ عمرها آلاف السنين وكأنها وُلدت اليوم وتحتاج قرارًا جديدًا.

مشكلات الطلاق، والغدر، والخيانة، والتخلي… ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. والسؤال المنطقي: ماذا استفدنا من ملايين الوقائع السابقة كي نخفف المعاناة اليوم بدل أن نعيد إنتاجها؟

خذ مثلًا مشكلة هلال رمضان والعيد.. ثبت علميًا أن احتمال الخطأ في الحسابات الفلكية اليوم أقل من واحد في المليون، أي يقترب من الصفر. ولدينا في كل بلد تلسكوبات قادرة على إعطاء يقينٍ بصري موثّق. ومنذ عشرات السنين، وأمامنا خياران واضحان: إما اعتماد الحسابات الفلكية والأدوات العلمية الحديثة، أو الإصرار على طقوس الرؤية التقليدية بما ينتج عنه تفرّق المسلمين في صيامهم وأعيادهم.

وحتى اليوم، نصرّ على الخيار الثاني، لا لفضله، بل لرفضنا مغادرة المألوف وتراكم العلم. وهذا في جوهره شكل من الطفولة العقلية والنفسية العنيدة التي ترفض الانتقال الطبيعي إلى النضج.

ماذا لو قررت الدول الإسلامية اعتماد الحل الأول وأغلقت ملف رؤية الهلال بالعين؟ عندها سيتحوّل الموضوع إلى شأنٍ تاريخي، وستتحرر مساحة معتبرة من الوعي الجمعي، يمكن أن تشغلها قضايا أكثر إلحاحًا ولا تقبل التأجيل.

***

سيأتي رمضان ككل عام، وستُفتح البرامج التلفزيونية، ويتصدّر شيخٌ للإجابة عن أسئلة المشاهدين. ولو قارنا برنامجًا رمضانيًا قبل ستين عامًا ببرنامجٍ اليوم، لكانت المفاجأة صادمة: الأسئلة ذاتها، والإجابات ذاتها، ولا جديد. إصرار على طفولة مزمنة لا تريد أن تكبر. 

ماذا لو لجأ كل من لديه سؤال فردي إلى “المفتي الرقمي” كما نفعل في شؤون صحتنا ومالنا وتعليمنا؟ هل هذه دعوة لمنع البرامج الدينية؟ لا.

بل دعوة لاستبدالها ببرامج تشتبك مع أسئلة الواقع والحياة الحقيقية، وتفتح النقاش حول القضايا التي تُثقل المجتمعات، لا تلك التي تدور في حلقة مغلقة منذ قرون.

فكل مشكلاتنا تحتاج رأيًا دينيًا، نعم، لكننا لا نريد أن نبقى في مستوى “كي جي ون”: ماذا يفطر؟ ومتى يُفطر؟ وكيف تُخرج زكاة الفطر؟

نريد فهومًا دينية تثمر في جودة الحياة، وعمارة الأرض، وبناء العدل، وحماية القيم، ونشر الخير بين الناس جميعًا. هذا هو لسان الدين الذي نحتاجه، وحبره الذي لم يُستثمر بما يكفي.

***

ولعل غياب قضايا العدل والقسط وعمارة الدنيا عن فهارس كثير من كتب التراث لا يعود إلى عجزٍ علمي أو غفلة أخلاقية، بقدر ما يعود إلى الشرط السياسي الذي كُتب فيه هذا العلم. فالعالم لم يكن يكتب في فراغ، بل داخل سقفٍ محدد لما هو مسموح، وما عداه يُصنَّف فتنة أو خروجًا أو تهديدًا للاستقرار. وهكذا ازدهر الفقه في المساحات الآمنة التي لا تمس بنية السلطة، كالعلاقات الفردية والعبادات التفصيلية، بينما خفت الصوت أو تلاشى حين يتعلق الأمر بالمال العام، أو شرعية الحكم، أو مقاومة الظلم، أو تحويل الأمة إلى رعية. وبمرور الزمن، لم يعد هذا الغياب يُقرأ بوصفه قيدًا تاريخيًا، بل تحوّل إلى تقليد علمي، فأُعيد إنتاجه جيلًا بعد جيل، حتى بدا وكأنه هو الدين نفسه، لا أحد أشكاله الممكنة.

***

ولو فتحنا فهارس كتب كبار العلماء القدامى – كابن القيم، وابن تيمية، وابن حجر، وابن الجوزي، وابن كثير – لوجدنا تركيزًا كثيفًا على تفاصيل الآخرة، والعقيدة الفردية، والعلاقة الخاصة بين الإنسان وربه. وهو جهد عظيم في مجاله، لكنه يترك فراغًا واضحًا في قضايا عمارة الدنيا، وبناء العلاقات الإنسانية، وإقامة القسط بين الناس. ومفهوم «وعملوا الصالحات» ظل يُختزل طويلًا في عبادات فردية لا تمنع ظلمًا، ولا تُحيي قيمة، ولا تُقيم عدلًا، بينما طغى مفهوم الزهد على مفهوم الصلاح العام.

لا بد إذن من شجاعة فكرية تُغلق الملفات المنتهية الصلاحية، لا ازدراءً لها، بل وفاءً لزمنها، وتفتح ملفات أخرى باتت ضرورية لحياة صالحة، ناضجة، وقادرة على الاستمرار.

***

في جوهر الأمر، ليست المشكلة في الأسئلة، بل في أعمارها. فالسؤال الذي لا يكبر مع الزمن يتحوّل من بحثٍ عن الحقيقة إلى طقسٍ للحفاظ على العادة، ومن عبادةٍ للعقل إلى حمايةٍ للخوف. وحين يصرّ الوعي على البقاء في منطقة الطمأنينة الأولى، فإنه لا يدافع عن الدين، بل عن كسله الخاص.

النضج ليس خيانة للماضي، بل استجابة أمينة لقانونه: أن يُسلّم كل جيل ما تعلمه للجيل التالي مضافًا إليه، لا مكرّرًا. أما الوعي الذي يعيد طرح الأسئلة نفسها بالأجوبة نفسها، فإنه لا يحرس المقدّس، بل يجمّده خارج الزمن.

الدين، في أعمق معانيه، ليس إجابات جاهزة، بل قدرة متجددة على الفهم؛ ليس ذاكرة محفوظة، بل عقل يعمل. وكل تدين لا ينتج عدلًا في الأرض، ولا يخفف ألمًا في الحياة، ولا يوسّع معنى الخير بين البشر، يبقى ناقصًا مهما اكتمل شكله.

إن أخطر ما يصيب الأفكار العظيمة أن تُربّى طويلًا في حضانة الخوف، فتشيخ دون أن تنضج. وحينها، لا يكون المطلوب هدمها، بل تحريرها… لأن الأفكار، كالبشر، إمّا أن تكبر، أو تتحول إلى عبءٍ على من يحملها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.