بنية التشكّل الذاتي في قصيدة «حين تذهب القصيدة» للشاعرة جاكلين سلام

بنية التشكّل الذاتي في قصيدة «حين تذهب القصيدة» للشاعرة جاكلين سلام

اللوحة: الفنان السوري لشير بشير

حامد محضاوي

تقوم قصيدة «حين تذهب القصيدة» للشاعرة جاكلين سلام على بناء لغوي شديد الكثافة، لا يقدّم نفسه بوصفه تعبيرا مباشرا عن تجربة عاطفيّة، بل بوصفه فضاء معرفيّا تتشكّل فيه الذات عبر اللّغة، لا خارجها. ومنذ الأسطر الأولى، لا يُستدعى المساء بوصفه ظرفا زمانيّا محايدا، بل ككائن “يهبط الدرجات يتيمًا”، في انزياح أوّل يؤسّس مناخ النص: زمن منزوع السند، ووجود يتقدّم في حالة فقد. هنا لا نكون أمام مشهد، بل أمام حالة وعي تُبنى عبر الصورة، وهو ما يجعل القصيدة، في جوهرها، كتابة عن كيفيّة تشكّل التجربة لا عن مضمونها الظاهر.

وسنكتفي، في هذه القراءة، بإشارة منهجيّة مقتضبة: نعتمد تحليلا نصّيا تأويليّا ينطلق من البنى اللغويّة نفسها، دون الإفراط في التصريح الإجرائي، إذ إنّ النص، بطبيعته، يفرض منطقه الداخلي ويقود تأويله.

من أكثر السّمات كثافة في هذا النص اشتغال الضمائر بوصفها بنية تأسيسيّة للمعنى. فالصيغ المتكرّرة: «أنتَ فيه»، «هي منه»، لا تعمل بوصفها علاقات إحاليّة بسيطة بين متكلّم ومخاطَب وغائب، بل بوصفها آليّات لإلغاء الحدود بين الذوات. لا يقول النص: أنتَ وهي، بل يقول: أنتَ فيه، وهي منه، أي إنّ كلّ ذات لا تُعرَّف إلّا بوصفها متداخلة في غيرها. إنّنا إزاء نظام لغوي يُقصي الهويّة المستقلّة، ويستبدلها بهويّة علائقيّة لا تقوم إلّا في حركة العبور.

وتبلغ هذه الحركة ذروتها في العبارة المفصليّة: «أنتَ أناها». هنا لا تعود العلاقة علاقة اقتران أو تماهٍ، بل علاقة انمحاء. فالصيغة النحويّة نفسها تنهار: لا مبتدأ ولا خبر، بل تركيب هجين يضع الضميرين في حالة تداخل صرفي ودلالي. هذه العبارة لا تصف حالة حبّ، بل تقترح تصوّرا للذات بوصفها كيانا لا يكتمل إلّا في فقد حدوده. ومن ثمّ، تصبح الهويّة في هذا النص أثرا لغويّا لا جوهرا سابقا على اللّغة.

هذا الاضطراب الضمائري لا ينتج غموضا اعتباطيّا، بل يشيّد منطقا داخليّا يجعل الذات في حالة تشكّل دائم. فكلّ مقطع يعيد توزيع العلاقة بين الأنا والآخر، ويقترح صيغة جديدة للتماسّ بينهما. ومن اللافت أنّ النص لا يستقرّ أبدا على ضمير «أنا» صريح بوصفه مركزا، بل يتقدّم دائما عبر صيغ مشتقّة، متداخلة، منزاحة، وكأنّ الذات تخشى أن تُسمّى، لأنّ تسميتها تعني تثبيتها.

على مستوى الإيقاع، يشتغل النص على بناء موسيقى داخليّة قائمة على التكرار والتوازي والنفي المتعاقب. فالمقطع: “تطيل التحديق في المرآة، ولا مرآة تطيل التحديق في القمر، ولا قمر” لا يقوم على مقابلة بلاغيّة فحسب، بل على بناء معرفي يجعل فعل النظر يتكرّر دون أن يبلغ موضوعه. فكلّ مرّة يُعاد فيها الفعل، يُلغى المرجع. وبذلك يتحوّل التحديق إلى حركة فارغة، وإلى استعارة للوعي وهو يبحث عن صورته فلا يجدها.

إنّ المرآة والقمر، بوصفهما رمزين كلاسيكيّين للانعكاس والاكتمال، يُستدعيان لا ليؤدّيا وظيفتهما، بل ليُنفيا. هذا النفي لا يعمل بوصفه عنصرا ثانويّا، بل بوصفه البنية العميقة التي تنتج المعنى. فالمعنى في هذا النص لا يُبنى على الحضور، بل على خيبة الحضور. كلّ ما يُستدعى يُلغى، وكلّ ما يُسمّى يُسحب، وكأنّ القصيدة تؤسّس دلالتها من خلال تفريغ المرجع، لا تثبيته.

ويتعمّق هذا المنطق في مواضع عديدة من النص، حيث تتكرّر صيغ الغياب: “حين لا موعد ولا أحد”، “ولا مرآة”، “ولا قمر”. العالم الذي تُنشئه القصيدة ليس عالم اكتمال، بل عالم فراغات تتكاثر. غير أنّ هذا الفراغ لا يعني العدم، بل يعني أنّ اللّغة نفسها هي المجال الوحيد المتاح لبناء الذات. فالقصيدة لا تبحث عن حقيقة خارجها، بل عن إمكانيّة قول داخلها.

وتنتظم هذه البنية ضمن شبكة رمزيّة كثيفة تجعل من التجربة الشعريّة تجربة معرفيّة. فصور: الأصابع، القبس، الجرح، الضوء، الحديقة، لا تعمل بوصفها صورا حسّيّة معزولة، بل بوصفها مفاتيح لتحويل الفعل الجسدي إلى فعل تأويلي. حين تقول الشاعرة: “آنَ لأصابِعكَ أن تقطف قبسًا من جُلّنارٍ يختمر وراء شرودها الآبد”، فإنّ القطف لا يعني امتلاكا، بل التقاط ومضة من معنى مؤجّل، يختمر في الغياب ولا يُمنح دفعة واحدة.

كما أنّ انتقال الذات عبر صور متعدّدة: “تصبح الحديقة / تصبح حارسة الحديقة / تصبح النملة / والزهرة البريّة يشير إلى حركة تحوّل مستمرّة، لا إلى استعارات تجميليّة. فالذات لا تستقرّ في صورة، بل تتقمّص صورا متعاقبة، وكأنّ الهويّة تُختبَر عبر التعدّد لا عبر الوحدة. هنا لا يكون التشبيه وسيلة للزينة، بل وسيلة لبناء تصوّر للذات بوصفها كيانا متحوّلا لا يقبل التعيين النهائي.

وتبلغ هذه الحركة أقصاها في المقاطع التي تتعلّق بالنظر واليقظة: “تطيل التحديق في الفكرة”، ” تحدّق خارج اليقظة”، حيث لا يعود النظر موجّها إلى شيء، بل إلى حالة ذهنيّة. الذات لا تنظر إلى العالم، بل تنظر إلى فعل التفكير ذاته. وهنا يتحوّل الشعر إلى كتابة عن الوعي، لا عن موضوعات الوعي.

لا يمكن قراءة هذا النص بوصفه قصيدة عن علاقة حبّ، ولا بوصفه خطابا وجدانيّا، بل بوصفه كتابة عن أزمة الهويّة وإمكان المعنى. فالقصيدة لا تسأل: من نحبّ؟ بل تسأل: من نكون حين ننظر، وحين نكتب، وحين لا نجد مرآة تعكس صورتنا؟

إنّ قيمة هذا النص تتأتّى من قدرته على تحويل التجربة الفرديّة إلى سؤال أنطولوجي، وعلى جعل اللّغة فضاء لتجربة وجوديّة لا تستقرّ. فالقصيدة، في النهاية، لا تذهب إلى موضوع، بل تذهب إلى ذاتها، وتعود من هذه الرحلة وهي أكثر التباسا، وأكثر قدرة على إنتاج السؤال.

وبذلك تتأسّس «حين تذهب القصيدة» بوصفها نصّا يجعل من الشعر مختبرا لتجربة الهويّة، لا أداة للتعبير عنها، ويحوّل الغياب من نقص إلى شرط للمعنى، ومن عجز إلى إمكان جمالي ومعرفي في آن.

إذا جُمعت خيوط هذا التحليل، أمكن القول إنّ القصيدة لا تؤسّس معناها عبر موضوع محدّد أو تجربة قابلة للاختزال، بل عبر بنية لغويّة تجعل من الهويّة سؤالا مفتوحا لا جوابا منجزا. فالضمير، الذي يُفترض أن يكون أداة تعيين، يتحوّل إلى أداة تفكيك؛ والصورة، التي يُنتظر منها أن تُوضّح، تتحوّل إلى أداة إرباك مثمر؛ والنفي، الذي يبدو في الظاهر عنصر نقص، يغدو الشرط الجوهري لإنتاج الدلالة. بهذا المعنى، لا تقوم القصيدة على تمثيل ذات سابقة على اللّغة، بل على تشييد ذات لا تولد إلّا داخل القول، وتظلّ معلّقة في حركته الدائمة. إنّ القيمة المعرفيّة لهذا النص لا تكمن في ما يقوله عن الحبّ أو الغياب، بل في ما يكشفه عن حدود اللّغة وهي تحاول الإمساك بالهويّة، وعن الشعر وهو يتحوّل من أداة تعبير إلى أفق اختبار أنطولوجي. ومن ثمّة، يمكن النظر إلى هذا النص بوصفه نموذجا دالا على تحوّل قصيدة النثر العربيّة إلى كتابة تفكّر في شروط إمكانها، وتحوّل الذهاب إلى القصيدة من انتقال نحو موضوع إلى ارتحال داخل سؤال الوجود ذاته.

«حين تذهب القصيدة»

حين المساءُ،

يهبطُ الدرجاتِ يتيماً

تشتبكُ القصائد

الكونُ يواصل الإيقاع

ما أنتَ فيه

هي منه

***

ينِثُّ البنفسجُ هِباته

قرباناً بين يديكَ، بتلةً بتلة

حول سُرّةِ الصمت تتبددُ

أنتَ فيه

هي منه وفيه

***

النافرُ من وجنةِ الكلمات

يتأرجحُ نسمةً نسمة

يجوسُ بيتَ قلبكَ

يتخطى حدْسَ الأنثى

كلُّهُ، أنتَ فيه

هي منه

***

أنتَ أناها

بينكما نقشُ الأزلِ

لورودِها في مهد صوتِكَ غيبوبةٌ وتأويل

آنَ لأصابِعكَ أن تقطفَ

قبساً من جُلّنارٍ يختمرُ وراء شرودها الآبد

***

حين لا موعدٌ ولا أحد

تفرِدُ كفيها

تعدُّ الأصابعَ العشرةَ والعشرين

الحروفَ الثمانيةَ والعشرين

تُحصي خطوطَ التشابهِ والتنافر

تنسلُّ خيوطُ الجرح بأناةٍ

تتسحّبُ الشرايينُ العابثة

توقظ الأوراقَ والبراعم

تحرّر الحزن

حين مطرُ الصوت يغسلُ الحيرة

تتداعى دوائرُ الخوف الغارقةُ في ثنايا الثياب

كلُّه أنتَ فيه

هي منه

***

في سرّها تغيبْ

في العلن تُخاتلْ

تزحزحُ قبيلةَ الكلمات

تحاذي المتوثِّبَ في دمه

كغابةٍ في باكورةِ الحلمِ ترقصْ

وهذا كله أنتَ فيه

وهي منه

***

من أرشيفِ الجروح تهلّ

تصبحُ الحديقةَ

تصبح حارسةَ الحديقة

تصبح النملةَ

والزهرة البرية

بين ضبابِ التفاصيل

خلف ينبوعِ الكلمات تترقرق

***

تطوف خارجَ اللون

تقوِّضُ أسئلتَها البِكرِ

إلى شهقةِ الينابيع

إلى قلبكَ

تُصعِّدُ الحكايا

تخرج إليها

تطيل التحديقَ في المرآة،

ولا مرآةٌ

تطيل التحديقَ في القمر،

ولا قمرٌ

تطيـــــل التحديقْ

ولا القلق ينزوي

لتطرّزَ ختماً أليفاً حول حاشيةِ المكان

***

تحرر الرقصَ من أديمِ الجسد

بشرايينهِ تعصِّبُ عيونَ الموت

يتفتّحُ شغفُ اللحنِ المنكفئِ خلفَ الوتر

***

تحاذي المكنونَ منها

تتجردْ

تصيرُ الحبَّ

تطيل التحديقَ في الفكرة

تُرخي على كتفِ الليلِ آخر نجومِها

في شُبهةٍ منها ومنه

تتدحرجُ غفلةُ الكلمات

***

تحدِّقُ خارج اليقظة

تسهو بخواتمِ الضوء الأصابعُ

أين تذهب القصائد،

حين وجهُكَ القمريُ ينكسرُ على كتفي

نص من ديوان: تطعم الغيمات برتقالا لجاكلين سلام


جاكلين سلام

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.