اللوحة: الفنان الألماني أرنست لودفيج كيرشنر
لكل كيانٍ حيّ – مؤسسةً كان أو مجتمعًا – مؤشّرٌ يكشف صحته ومساره. قد يصعد المؤشر فتطمئن النفوس، وقد يستقر فيُحتمل، وقد يهبط فيوقظ القلق. غير أن أخطر المراحل ليست الهبوط ذاته، بل الصمت الطويل المصاحب له؛ ذلك الصمت الذي يتحول من عجزٍ إلى شبهة، ومن حيرةٍ إلى تواطؤ. عند هذه النقطة يصبح التدخل واجبًا، لا بدافع الوصاية، بل بدافع الإنقاذ.
ويمكن إسقاط هذا المنطق نفسه على أحد أخطر الكيانات الاجتماعية: الزواج.
***
يقول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾. آية قصيرة، لكن دلالتها ثقيلة. فالقرآن لا يصف الزواج بعقدٍ عادي، بل بميثاق، ثم يزيده وصفًا بالغلظة؛ أي الثِّقل، والجدية، والمسؤولية الأخلاقية. الميثاق هنا ليس قيدًا قانونيًا فحسب، بل التزامًا إنسانيًا متبادلًا، تقوم عليه المودة والعدل وحفظ الكرامة.
غير أن الإشكال لم يكن في النص، بل في مسار الفهم. فعندما جُمعت هذه الآية مع الحديث المشهور: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، ترسّخ في الوعي الجمعي أن غِلظة الميثاق تعني صعوبة وكراهة فكّه، لا عمق الالتزام به. ومع مرور الزمن، انزاح المعنى من غِلظة الأمانة إلى غِلظة القيود. وهكذا أصبح الميثاق غليظًا في حَلّه، لا في حِفظه.
الأفكار الخاطئة لا تعيش في الفراغ؛ إنها تتحول مع الوقت إلى أنماط حياة، ثم إلى قيود غير مرئية تكبّل الإنسان. وفي المجال الديني تتضاعف خطورة الفكرة حين تُقدَّم بوصفها تدينًا، بينما هي في حقيقتها عرفٌ اجتماعيٌّ متراكم.
فالدين، في جوهره، نزل لصالح الإنسان لا لإرهاقه. وإذا انتهى إلى نكدٍ دائم وشقاءٍ مزمن، فالخلل في القراءة أو التطبيق، لا في المصدر. غير أن المجتمعات كثيرًا ما تدافع عن أخطائها باسم القداسة، فتعطي العرف سلطة النص، وتمنح العادة حصانة العقيدة.
***
ومن أخطر نتائج هذا الانحراف أننا نقلنا الغِلظة من جوهر العلاقة الزوجية إلى طقوسها وحدودها الخارجية. فأصبح الدخول إلى الزواج بالغ التعقيد، مثقلًا بالشروط والأعباء، حتى كاد يستحيل على قطاعات واسعة من الناس. ثم إذا فشل الزواج، وجد الطرفان نفسيهما أمام خروجٍ أشد قسوة، تحيط به الخصومات، ويتغذى أحيانًا على التعمد في الإيذاء.
هنا يظهر المؤشر الحقيقي للاختلال: العلاقة نفسها لم تُمنَح حقها من الغِلظة الأخلاقية، بينما فُرضت الغِلظة على الإجراءات والشكليات عند الزواج والطلاق.
***
عبر قرون طويلة من التفاعل الاجتماعي بين الأديان والثقافات، تشكّلت أنماط سلوكية متشابهة، لا يمكن ردّها الخالص إلى نصوص مقدسة بقدر ما هي نتاج بيئات محافظة متجاورة. يروي المفكر المصري سلامة موسى – وهو مسيحي الديانة – في مذكراته أنه تعرّض لتوبيخ شديد من أسرته لأنه نادى أخته باسمها علنًا. ولا تكمن أهمية هذه الواقعة في تفاصيلها، بل في دلالتها: أن ما يُنسب أحيانًا إلى «التدين الإسلامي» الخالص نجده حاضرًا بالحدة نفسها داخل أسر مسيحية محافظة.
هذا المثال يفضح وهم الخصوصية الدينية لبعض العادات؛ فالمجتمع، لا العقيدة، هو الذي يعيد إنتاجها. وبالمنطق ذاته، تسرب إلى الفهم الإسلامي العربي – عبر الاحتكاك التاريخي الطويل – مفهوم الزواج الأبدي، لا بوصفه معتقدًا دينيًا، بل تصورًا ثقافيًا مسيحيّ الجذور. ومع الزمن أُلبس هذا التصور لباس القداسة، فتحول الطلاق من حلٍّ مشروع إلى فعلٍ دامٍ اجتماعيًا، تُراق فيه السمعة والكرامة، ويُدفع ثمنه نفسيًا وأخلاقيًا أكثر مما يُدفع شرعًا. وهكذا لم نأخذ عقيدة الآخر، بل تشربنا منطقه الثقافي، ثم تعاملنا معه وكأنه من صميم الدين.
***
هذه المفارقة تستدعي مراجعة جادة. فالواقع اليوم يشهد غِلظة في الدخول والخروج من عقد الزواج، بينما قصد الإسلام غِلظة العِشرة نفسها: الصدق، والعدل، وتحمل المسؤولية، وحفظ الكرامة. والفرق بين المفهومين ليس لغويًا ولا فقهيًا فحسب، بل فرقٌ بين حياةٍ قابلة للإصلاح وحياةٍ محكومة بالشقاء المؤجل.
***
تاريخيًا، كان الأب المصري يتحمل مسؤوليات تعليم أبنائه وزواج بناته ضمن حدود تتناسب – ولو بشق الأنفس – مع قدرته الواقعية. كانت الكلفة موجعة أحيانًا، لكنها لم تكن خارجة عن الطاقة البشرية للطبقة المتوسطة. أمّا اليوم، فقد حدث انزلاق خطير: بقيت المسؤولية نفسها على عاتق الأب، بينما تضاعفت كلفتها أضعافًا كبيرة.
لم يعد التعليم والزواج عبئًا ثقيلًا فحسب، بل مشروع استنزاف طويل الأمد. فالحديث عن مئات الآلاف وربما الملايين لم يعد مبالغة خطابية، بل وصفًا قريبًا من الواقع، خصوصًا في التعليم الجامعي وتجهيز البنات للزواج. وهنا يبرز السؤال الجوهري: من هو هذا الأب «المتوسط» الذي يستطيع، بدخل محدود أو ثابت، أن يوفّر ملايين دون أن يُستنزف أو ينهار؟
المفارقة أن المجتمع لم يُخفّف عنه هذه الأعباء، بل ضاعفها عرفيًا، وجعلها معيارًا للقبول الاجتماعي. ومع تضخم هذه الالتزامات، لم يعد الزواج شراكة إنسانية قابلة للنمو، بل صار مشروع ضغط مزمن يُدار بمنطق الخوف لا السكينة. حين يُحمَّل الفرد ما يفوق طاقته الطبيعية، لا يفسد بالضرورة، بل ينهار، والانهيار إذا طال يتحول إلى تطبيع مع القسوة، والغش، والتحايل؛ لا لأن الناس بلا أخلاق، بل لأنهم يعيشون فوق حد الاحتمال.
***
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا – وأشدها كلفة – الإسراع بالإنجاب قبل اختبار التفاهم الحقيقي بين الزوجين. تمتلئ الحياة بأطفالٍ صغار، بينما العلاقة الأساسية نفسها لم تنضج بعد. ثم يأتي الاكتشاف المتأخر: نحن غير متفاهمين، لكن بعد أن أصبح الفراق أكثر إيلامًا وتعقيدًا.
نضع العربة أمام الحصان، ثم نتساءل لماذا تعثّر المسير.
وحين تختل البنية الاجتماعية، لا يبقى السلوك الفردي سليمًا. فالفوضى في العلاقات تنتج فوضى في المشاعر، ثم في القيم. وعندما تعم المجاعة – وليس الجوع وحده مجاعة، بل مجاعة العقل والرحمة – يختلط الأصل بالاستثناء، ويذوب الحلال في الحرام، لا لأن الناس أشرار، بل لأن البيئة نفسها فاسدة.
الخطر الحقيقي ليس في المؤشر الهابط، بل في الاعتياد عليه، والتعامل معه وكأنه الوضع الطبيعي.
الميثاق الغليظ لم يُشرَّع ليكون سيفًا مسلطًا، ولا قيدًا أبديًا، بل أمانة ثقيلة تُحمل بالوعي والعدل. ومتى نُقلت الغِلظة من العِشرة إلى العقد، فقد الزواج روحه، وتحول من مساحة سكنٍ إلى مساحة صراعٍ مؤجل.
إن إعادة التفكير في الزواج ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة إنقاذية؛ فحين يختل هذا الكيان، لا ينهار بيت واحد فقط، بل تتصدع البنية كلها.
