اللوحة: الفنان السوري حمود شنتوت
ترجمة مهدي النفري

-١-
يدانِ هائلتان
يَدانِ هائلتانِ
أودُّ لو أملكُهما
لأتسلّقَ فوقَ حدود جسدي
وأكتبَ فوقَ شاهقِ الأبراجِ
عن أشياءَ مَرِحةٍ تُغنّي.
لكنَّني بلا يدين
لا يسعُني إلا عِناقَ ما فقدتُه
عِناقَ خساراتِ الجميع.
أمامَ مرايا الماءِ الشاسعةِ في الـسافانا
أودُّ لو أُبادلُ عينيَّ
لأجرَعَ بنهمٍ ضوءَ الليمون
لأصطادَ النورَ في قلب العَتْمة
وأجدَ كلَّ ما فقدتُه.
لكنَّ عينيَّ عاديتانِ جدًا
لا تُبصرانِ فارقًا في الحبّ
حينَ يحولُ بيننا الظلام.
-٢-
موقف
كَمْ هيَ الأشياءُ التي عَجَزتُ عن نَيْلِها
بينَ صَدٍّ ونبذٍ وإقصاء
لكنني في كلِّ ما صَنعتُ وما هدمتُ
لم أفعلْ إلا ما أردتُه لنفسي.
فلا لومَ يقعُ على عاتقِ أحد
ولم أمنحْ إنسانًا الحقَّ
في أن يتدخلَ في شؤونِ أفعالي
تلكَ التي تَنفذُ إلى أعماقي أبعدَ بكثيرٍ من مجردِ مَسِّ الجلد.
منذُ زمنٍ غابرٍ
كان للحبِّ وجود
كان ثوبًا طاهرًا
شِعابًا مرجانيةً أو جزيرةً نائية.
بعيدًا عن ضجيجِ الثرثرةِ والأكاذيب
كان ينسابُ كقاربٍ خشبيٍّ رقيق يمضي مع التيار
ثمَّ ذاتَ صباحٍ استيقظتُ
والصمتُ قد غُرِزَ كالشَّوكِ في حنجرتي
رأيتُ الغرفَ شاخصةً بذهولٍ غريب
ومِن رَحمِ ذلكَ الذهول وُلِدَ حجر.
-٣-
أَنْ أَكُون
أَنْ أَكُون
نسمةً من عطرِ زهرِ البرتقال
للحظةٍ واحدةٍ فقط
لكنها تكفي
لتوقظَ في أعماقِك جوقةَ عصافير صاخبةً.
كأنَّ الأوركسترا بمفاتيحِها وأقواسِها وأعناقِ آلاتِها
قد انبعثتْ من مكمنها بين الجذوع.
أَنْ أَكُون
برتقالاً يرقصُ في حلقةٍ واسعةٍ من الأشرطة
يداً ترنُّ ويداً تتساءل
أن أتملّكَ ذاتي بابتسامةِ مالكٍ
يجوبُ أراضٍ غريبة.
-٤-
كِلتا يَدَيّ
كِلتا يَدَيَّ في قبضتِكَ المحكمة
بينما في مخيلتي
أرسمُ خطاً عريضاً أضعُ به حداً لنفسي.
الأشجارُ والصمتُ يدركانِ تماماً
مَن هو الكاذبُ الأكبرُ بيننا
فلتكنْ كلُّ تلكَ الأشياءِ مجردَ ذكريات
فأنا لم أستطع يوماً نسيانَك.
وبعد أن تقفّيتُ أثرَ كلِّ الزوايا المفقودة
أيقنتُ أنكَ لا تزالُ تنتمي إليّ
فأحكِمْ قبضتَكَ عليَّ إذن
لكنني ومن دونِ أن تشعر
قد رسمتُ خطاً عريضاً ووضعتُ حداً لكل شيء.
-٥-
منحدر 56
رائحةُ خشبٍ يحترقُ في أنفي
شجرةٌ عملاقةٌ صامدةٌ هناك
كنا معاً للمرةِ الأولى
ألم أكن أقفُ بشعرٍ مبعثر ملتصقاً بك تماماً؟
أفواهنا
بحثتْ
ووجدتْ. لا، لم أكن واقفاً
بل كنتُ جاثياً صامداً كالشجرةِ العملاقة.
رائحةُ الشوقِ في أنفي
استسلامٌ جامحٌ وشعرٌ ثائر.
مُمددانِ هناك بأنفاسٍ لاهثة معاً
والعشبُ من حولنا عشبٌ كثير
حتى عادت عينايَ لتقرأَ ملامحَ المدى.
-٦-
بين نهديّ السافانا
بين نهديّ أرض السافانا
شربتُ أكاذيب القمر
خلعتُ القناع
وداعاً للشباب
وداعاً يغالبني النعاس
أنا مُتعب
صرختُ طويلاً أكثر مما أحتمل
بحثاً عن حقيقة دمي
لكنني لم أجدها
ومع ذلك لديّ يقينٌ واحد
أن من يخسر في القصائد هو الرابح
إذن اشقّيني يا أرضُ
اشقّيني
فأنا ما زلتُ حيّاً
- بيا فيانين الكاتبة التي بحثت عن الحرية بين وطنين
لم أكن أبحث عن طريق للعودة كنتُ أبحث عن لغة تتسع لامرأة قررت ألا تكون ظلاً
- متمردة الكاريبي صوتٌ يرفض القيود
لم تكن بيا فيانين مجرد كاتبة عادية بل كانت صوتاً شجاعاً غير وجه الأدب في بلدها سورينام. ولدت في عام 1935 ونشأت في بيئة تجمع بين أصول وأعراق مختلفة مما جعلها تشعر دائماً أنها تنتمي للعالم كله وليس لمكان واحد. هذا الشعور هو ما جعل كتاباتها مرآة لكل إنسان يبحث عن نفسه بعيداً عن قيود المجتمع.

- (أنا هي سورينام) صرخة من أجل الاستقلال
في عام 1969 أصدرت روايتها الشهيرة (سورينام أنا) في هذا الكتاب لم تتحدث بيا عن السياسة بالخطابات الجامدة فقط بل تحدثت عن حرية الإنسان. دافعت عن حق المرأة في اختيار حياتها وسفرها وقراراتها، واعتبرت أن الوطن الحقيقي ليس هو المكان الذي نولد فيه فقط بل هو المكان الذي نكون فيه أحراراً حقاً.
- الكتابة بلغة مختلفة ونبض واحد
واجهت بيا تحدياً كبيراً وهو الكتابة باللغة الهولندية (لغة المستعمر في ذلك الوقت) لتعبر عن أوجاع وأحلام شعبها في سورينام. لكنها نجحت في أن تجعل هذه اللغة دافئة وقريبة من الناس فكانت تملأ نصوصها برائحة شوارع بلادها وصور الطبيعة الاستوائية لتثبت أن المشاعر الإنسانية أقوى من أي لغة.
- لماذا نتذكرها اليوم؟
رغم رحيل بيا فيانين في عام 2019 إلا أن كلماتها ما زالت حية لأنها لمست قضايا تهمنا جميعاً
البحث عن الانتماء ذلك الشعور بأننا غرباء أحياناً حتى وسط أهلنا.
- قوة المرأة
إصرارها على أن يكون للمرأة صوت مسموع ومستقل.
- الأمل في التغيير
الإيمان بأن الكلمة يمكن أن تكسر جدران العزلة والظلم.
لقد علمتنا بيا فيانين أن الكتابة هي أجنحة نطير بها فوق كل الصعاب وأن الحرية تبدأ من الداخل أولاً.