اللقاء جاء متأخرًا

اللقاء جاء متأخرًا

صالح مهدي محمد

اللوحة: الفنان الياباني أكيرا كوساكا 

دخل الوقت مصاحبًا للسكون، دون أن يُفرّق بين المكان والحركة، أو بين الذاكرة والتوقّع. حضر وجهاهما كهيئتين متوازيتين في الفراغ، على صفحة بيضاء بلا بداية ولا نهاية، كأن الخطوط التي كان يُفترض أن تصل بينهما قد انكسرت منذ الأزل.

جلسا على هواءٍ لا يحجب شيئًا ولا يدعم شيئًا، وعلى فراغٍ تحوّل إلى أرضٍ مؤقتة لهما. تبادلا ما يشبه التردّدات: أشباح قرارات لم تُتخذ، كلمات منسيّة لم تُهمس، وإشارات لم يُفكَّر في تقاطعاتها. كانت كل نظرة خيطًا مزدوجًا يلتفّ حول ذاته، وكل همسة حجرًا ينجرف في مجرى الانكسار.

هنا بدأ الحوار:

– «هل تعتقد أن الطريق الذي لم نسلكه قد رسم لنا مصيرًا مختلفًا؟»

– «ربما… الطريق الذي لم نختره يتشابك الآن مع زمنٍ لم نَعِشه. إنّه يعيد تشكيل مكوّنات وجودنا بطريقة لم ندركها بعد.»

– «وهل للحب الذي لم نعشه معنى اليوم؟»

– «الحب الغائب، كالفعل المفقود، يظلّ رمزًا مطويًا، لكنه حاضر في كل لحظة تتقاطع فيها رغبتنا مع الخيال.»

تفتّحت الأبعاد الداخلية؛ امتدّت اللحظة الواحدة إلى حياة كاملة، فصار كل فقدٍ حضورًا في هيئة موجةٍ مختلطة، وكل قرار لم يُتخذ ذروةً لموجة لم تتكوّن بعد. الحب الغائب، الخطر المحجوب، الفعل المفقود؛ كلّها تحوّلت إلى رموز مكتومة تتوزّع على شبكة غير مرئية، شبكة لا تُفسّر نفسها إلا لمن يتشبّث بارتجافه الداخلي.

ومع ابتعاد كلٍّ منهما عن الآخر، ظلّ الزمن بينهما ممتدًا كجسر بلا أعمدة، امتدادًا يحمل ما لم يُعرَف بعد. المدينة المحيطة غدت انعكاسًا للفراغ الداخلي؛ الشوارع خطوط توتّر، والنوافذ شفرات ضوء تُعيد تنظيم الذكريات على نحوٍ لم يُرَ من قبل.

توسّعت اللحظة الأخيرة في فضاء العقل، حيث غدا كل حدثٍ لم يحدث بعد حقيقةً متأخرة، وكل سؤال لم يُطرح جوابًا محتملًا. في هذا الفراغ المركّب، أدركا أن الحياة ليست مجرد سلسلة من الوقائع، بل شبكة متشابكة من الاحتمالات والغياب، وأن كل لقاء، مهما تأخّر، يمتلك قدرةً على ترجمة الزمن وإعادة صياغة الذات.

تفسّرت الحياة في لحظة واحدة، لكنها لم تُقرأ إلا عبر الصمت الذي يشي بالوجود قبل الوعي، وعبر الفعل الذي لم يُنجز لأنه أُجّل، وعبر اللقاء الذي جاء متأخرًا ليعيد تشكيل ما مضى ويمنحه معنى لم يكن متوقَّعًا.

وفي الرحيل، بقي الصدى المعلّق بينهما يتراقص في هواء المدينة، حاملًا أسماء لم تُسمَّ، وقرارات لم تُتخذ، وفراغات أثقل من أي وزن؛ لتتذكّر الذاكرة أن كل لحظة ضائعة يمكن أن تصبح تفسيرًا كاملًا، إذا ما امتدّت بما يكفي لفهم معنى ما فات.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.