المُخَضِّر..

المُخَضِّر..

اللوحة: الفنانة الفلسطينية ايرينا كركبي

شهربان معدّي

“بعد ما كانت الأرض سخيَّة في أيامهم.. وقلوبهم سخية في محبة الأرض، وأيديهم لا تعرف غير العطاء، هم يعطون والله يملأ بطن الأرض بالخيرات. هؤلاء راحوا جميعا فلم يبق منهم، غير السكة المهجورة والمعول المكسور..” وعمي أبي سلمان.. “المُخضّر..”

أطلَّ صباحٌ أخضرٌ؛ كروح أبي سلمان الخضراء التي قررت أن لا تنحنيَ لشهر كانون الأول الأجرد الذي فاجأ الجميع بشتوة غزيرة، استمرت ثلاثة أيام وجعلت عافية الأرض تفيض بالخير، وهي ما زالت طفلة تحبو، وتراءت في قميص أشجار السريس والسنديان والبطم.

ارتفع العشب يانعا نديًّا، واستيقظت الخبيزة والعلت والزعتر من سباتها باكرة، وأيقظت في روح أبي سلمان الحنين لتلك الأيام الخوالي، التي كان يعمل فيها “مُخَضِرًا” على الأراضي الشاسعة، التي كانت تَكاد تُغطي عين الشّمس، وكانت مُلكًا لأهل قرّيته، ولكن صودر غالبيتها لدائرة أملاك الدولة وتحوّلت إلى غابات محمية أو مراعي للمستوطنات والموشبيم المجاورة.

وأكثر ما كان يؤلمه فقدانه للبُقعة الصغيرة التي كان يمّلكها والتي لا تتعدى الدونميّن ولكنها صودرت، كأملاك الكثيرين من هؤلاء القرويين، الذين جرفتهم المدنية الحديثة وانشغلوا بالوظائف الحكومية، وحياة الترف والرفاهية الجديدة، التي ألقت ظلالها عليهم الدولة العلمانية الحديثة! بعد أن كان غالبيتهم فلاّحون ورعاة، ونسوا أو بالأحرى تناسوا أرضهم الطيبة، التي كان الأجدر بهم أن يحافظوا على كلّ ذرة تراب عليها..

لم يتبق لِأبي سلمان من علاقته الحميمة مع أرّضهِ ومهنته القديمة كمُخَضّر، غير ذكريات خصبة ما زالت عالقة في ذهنه الفتي، ومنها تجواله الطويل أثناء ساعات النهار حيث كان يُراقب مجموعات الرُعاة الذين كانوا يزيغون بمواشيهم عن الأراضي البور والمراعي كي يقتحموا الحقول المزروعة بالقمح والشعير والكرسنة، وكروم الزيتون والعنب، أو يُطارد مجموعات الّنَوَرْ (الغجر) الذين عُرِفوا بخفة اليد حيث كانوا ينامون في العراء ليلا، ويتجولون في ساعات النهار، يبيعون الكحل الأسمر وقلائد الخرز ومناديل الحرير والزيوت الطبية، لأهالي القُرى النائية.

ولطالما أعاد أبو سلمان سائمة تائهة لأصحابها أو فرخ عُصّفور لِعُشّهِ أو هدى ضالاً إلى سبيله.. وبالرغم من الأجرة الزهيدة التي كان يتلقاها من مُختار القرية. كان راضِيا بقسمُته. حُبَّه لأرضه التي كفته عن كل شيء.. أغناه عن كلّ الدّنيا..

علّق مدّيته الصغيرة بحِزامه الجلديّ المُهلهِل، وأمسك عَصاه الصلبة التي كان قد اقتطعها من شجرة سنديان يافعة وانطلق في رحلته الأخيرة إلى أرضه الطيّبة.

وكان عاقد العزم، أن يجمع كل ما يجدّه من خيراتها، بعد أن عافت نفسه، الأطعمة المُعَلَبة والمُدخّنة التي كان يتناولها طيلة أيام السنة، وقد اشتهت نفسه “كنبوش علت” أخضر يلفه برغيف خبز الصاج، ويُعطّره بمِقدار سَخيّ من زيت الزيتون الصافي..

انتعل مداسه العتيق، وانطلق كالسهم مُتجاهِلا زحف السنين على جسده المُنهك الذي ازداد نِحولا بعد وفاة زوجُتِهِ فاطمة التي أحبّها حُبّا لم يضاهه شيء، إلاّ أرضه الطيبة؛ الوحيدة التي بقيت مُخًلصة له بعد رحيلها، والتي رَفَضَ الاقتران بغيرها رغم العروض المُغرية التي عَرَضها عليه أصدقاؤه، رضي العيش في برودة الشيخوخة، وكان عزاؤه هذه الساعات الطويلة التي كان يقضيها في البراري، التي لم يفقه سر علاقته بها أحد، عدا فطيم؛ صاحبة الروح الكبيرة، والقلب المعطاء كتلك الأرض نفسها، فلماذا رحلت وتركتّه وحيدًا..؟

انطلق الشيخ الذي صادق الأشجار والطيور والصخور وألِفَ كل شيء في هذه البرّية، مُتَحَدِيًا الرُبعان والسناسل والأسلاك الشائكة.. كان يسير على سجيَتِهِ جَذِلا نشوانا، العَصافير تتسابق لتنقر الحبَّ من كفّيّهِ، النسيم المُعطّر بالفيجن والميرمية يتراقص حوّله، الغُدران تتسارع إليهِ، كل شيء يرنو إلى لمسته. 

شَعَرَ أبو سلّمان بنفحة من نَفَحات السعادة ترّتَعِش في صدرِهِ عندما وَصَلَ إلى بيدَرِهِ الغالي، الذي كان يُفلّحَهُ بالعدس والحمص والفول.. تَذَكَرَ مِحراثِهِ الخشبيّ وبقرَتَه نجمة، ولكن سُرّعان ما تَبَدّل حاله، عندما اكتشف أن “البكليك الروميّ” الذي كان يستظلُّ بظلاله برفقة زوجته فطيم وأطّفاله، قد اختفى.. البكليك الذي تحدّى سنة الجَراد، وسنة الثلجة وحروبٍ كثيرة، قد هرِمَ وسقط وصارت رفاته وقودا لعابري السبيل.

ساح نظرَهُ في البرية الخضراء، وجلس بأسى تحت الخروبة المُزهرة التي تطل على المرجة، وتخيّل فطيم مُقبِلة نحّوه وجهُها كالقمر، وأطفالها بوجناتهم المحمرة كالزعرور، يتقافزون حولها كالحملان الوديعة، تارةً يلاحقون رفوف الحجل والسُمّان التي كانت تدرِج في البيدر الخضل، باحثة عن حبوب تأكلها، وطورا يتعاركون مع الجديان الثلاثة.. “الأبرش والأكحل والأعطر”..

لن ينسى قط، وجهها الصبوح، الذي كان يتضرج بحمرة البرقوق عند كل بيت عتابا كان يعتِّبَهً.. على رأس كل ثلم..

رحلت فُطيم وتزوج الأولاد وخسر هذه اللحظات الميمونة في بذخِها..

سقطت إحدى بتلات شجرة الخروب على كفه المُجعد.. حملها بخُشوع، وأخذ يبكي بصمت.. من يظن أن طول العمر يُقيّد الأشواق؟ حتمًا.. لا..! طول العمر لا يُقيّد العواطف، وقلبه..؟ ما زال ينبُض بحب فاطمة رغم دالية عُمره التي يبـِست.

أخرج الشيخ مديَته الصغيرة، وأخذ يقتلع كلَّ ما يَجّده أمامه من خيرات أرضَهُ الطيبة، الخبيزة والعلت والزعتر الغض، الذي كان يتفيأ بظل الصخور البيضاء.

نسيّ الزمان والمكان، ونسي نفسه.. وكان يضع كل ما يجمعه من أعشاب بصُرّة قديمة طالما جَمع بها خيرات جمّة من هذه البرية ليعود بها إلى فطيم التي كانت ابتسامتها بحجم تلك الصُرّة! لم يؤوب إليها صِفر اليدين.. هذه الأرض الطيبة، أعطته كفايته من كل شيء، من حطب المشاحر حتى حفنة الحلبنّة وكبوش العُليّق..

هذه الأرض خيرها دافق عليه، وهو لم يُفرط بها كما لم يُفرط بفاطمة التي ما زال يلفحه هواء رَحيلها.

ولكن سُرعان ما مزّق سكينة سماء هذا الشيخ وبعثر نرجس أحلامه، نُباح كلب ضخم أقبل إليه لاهثا برفقة شاب في مقتبل عُمره، كان يبدو عليه أنه من بقايا رجال طبقة الأرستقراطيين من القرون الوُسطى، بهندامه الأنيق ونظراته المُتعالية التي كانت تخترق نظارته السميكة!

نظر إلى الشيخ نظرة قاسية شرزاء، عندما لاحظ طلوق الزعتر اليانعة تتراقص بين أصابعه المُلطخة بالتُراب.. خاطبه بلكنة قاسية ممزوجة بالتهديد والوعيد:

– أظنك أجهزت على كل الزعتر في البرية يا سيّد! من أوعز لك أن تخترق الأسلاك الشائكة وتخترق أرض الموشاب، وتقطف نبتة الزعتر التي تُعتبر نبتة محمية؟

نَظَرَ إليّه أبو سلّمان بعينين كليلتين وخاطبه بصوتٍ أجشّ بكلمات حانقة:

– هذه الأرض أرضي ومن خيّراتها تربيّت وربيّت أولادي ألا تفهم!؟ هذه أرضي وأنا أحق من مواشيكم التي ترعى الأخضر واليابس!

ثم رفع الشيخ عصاه القوية وأشار إلى البيدر الزاهي والمرجة الخضراء وردد بصوتٍ غلبه البُكاء:

– هذه أرضي! أرضي..

– كانت يوما أرضك! يا سيد..! أجابه الشاب الغريب، كان فعل ماضي ألا تفهم! أو رُبّما نسيّت أنها أصبحت مُلكًا للدولة، أعجبكَ أم لم يعجبك! وأردف قائلا بسخرية جارحة:

– تباً لكم..؟ عربيم برمطيبم! تأكُلون كل شيء حتى الحشيش!

وبحركة استفزازية انقضّ على الصُرّة البالية ليفرغ مُحتوياتها ويبعثرها على الأرض الطيبة.

امتقع وجه الشيخ الجليل وشعر أن هذا الشاب الجلف، قد أفرغ له رفات ذكرياته الحلوة، مع هذه الصُرّة الغالية على قلّبه الذي استأسدَ فجّأةً وُكاد يقفز من صدره، قلّبه الذي كان يصُد الريح إذا عوت.

قبض على عصاه، وانقض على الشاب الغريب بكل ما منحه الله من طاقة وقوة وإيمان.. 

نسي أبو سلمان أن عظامه أصبحت هشّة، ونسي أن برفقة هذا الرجل كلب ضخم، يستطيع أن يُقطّع أوصاله بأسنانه الحادة، إربًا.. إربًا..

بعد معركة ضارية بين الشيخ الشاب وكلّبه الشرس، وجدَ أبو سلمان نفسه ملقى على التربة، يتضرج بدمائه بينما تركه الغريب، وكلبه الضخم يركض أمامه مُلَوِحا بذيلِه السمين، مهدّدًا بأنه في المرة القادمة سيُكلفه جمع الزعتر واقتحام أرض الموشاب، آلاف الشواقل!

انخرط الشيخ في بكاء أخّرس مُحاولاً مُواساة كِبرِيائه المجروحة، عندما شعر بوخزٍ شَديد في صدّرهِ، أجبره أن يستلقيّ على التُراب الغالي، بلا حولٍ ولا قوة ساعات طويلة.

– رحمتك يا رباه! لماذا تخوننا قوانا وتخذلنا عندما نكون في أشد الحاجة إليها!

ليت هذا الشاب أحبَّ هذه البقعة من الأرض مثّله وخشِيَ عَلَيها! ليته أدرك أن قطف طُلّقين من الزعتر لن يُقفِرا هذه الأرض الطيّبة، ولن يؤذيها! بل سيُحفِزَها بأن تبرعم وتثمر مع كُل موسم جَديد.

هو حتمًا لم يدرك سر هذه الأرض الطيّبة! لم تلمس روحه روحَها! أو ينهل من اجّرانها وسواقيها! ولم يتحلَّ بعنّبها وصبّارها.. ولم يتطبب بجُعّساسها وفيّجنها! أو يتَعطّر بقندولها وريحانها! ويقتات بمن خيّراتها أو يتدَفئ بحطبها! هذه الأرض خيرها دافق عَليه.. وهذا الشاب الجلف..؟ كسائر أولاد اليوم الذين لم يستسيغ إلاّ حرارة المدافئ وغُرف التبريد مما جَعَلَ قلوبهُم جافّة بارِدة، تَماما كطَعامهم المُصَنّع البارد.

مَرَّ وقتٌ طويل والشيخ أبو سلمان مُستلقٍ على الأرض الطيّبة.. وكل مُحاولاته في النهوض، ذهبت أدراج الرِياح بعد أن اشتد الوخز في صدره الواهن، ونزف الدم من أطرافه، التي أنهكها الكلب المفترس.. 

ضِّبَ الرَّمْسُ وغمر الضباب الجبال والأودية الخاشعة، التي كانت تصلي مع لحظات الغروب الدامي، حين اقتربت مِنهُ، كانت هادئة كالنسيم في فم المساء، ويهتز طيفها مع طيفه الهابط من المرجة.. عادت فطيم.. نعم.. مرَّ وقتٌ طَويل ولكنها أخيرًا سمعت نداء قلبه، واستجابت لظمأ روحه.. و.. عادت لتأخذه إليها.

انبثق نور الفجر وانعقد ضباب خفيف فوق الربوة والوادي السَحيق والمراعي المُسيّجة، رَطّب الزّهر ونَدّى الشجر، والشيخ ما زالَ مُستَلقِيا على التُراب الذي كان عالِقا بمَداسِهِ العتيق، وكفيّه المُجعدتين، وتحت أظافره.

في ذلك اليوم، التحم جَسَد أبي سَلمان بأرضه الطيّبة، أرضَهُ التي كان قلبه، ينبض بِها.. لا من أجلها..


المخضّر: ناطور الأرض

برمطيبي: كلمة عبرية، معناها بالعربية بدائي.

العلتْ: نبتة الهندباء، يجهد في جمعها أهل القرى حتى يومنا هذا..

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.