المهدي ناقوس
هلوسة ليست رواية تقليديًّة، بل رؤية متعددة الأبعاد والدلالات والرسالات والإشارات عن وقائع زمنية قاتمة، ترتحل بالقارئ عبر أمكنة معروفة، وأزمنة معلومة، وأحداث جسيمة الى قلب العاصفة والصدمة، والمأساة، والجرح بدءا من أقباء الاستنطاق والتعذيب الجسدي والنفسي، إلى ميادين القتل العشوائي، حيث تتحول الذات البشرية الى شيء غير ذي قيمة تُطحن فيه الروح الأدمية وتُستباح كرامتها وتُهان، ويتحول التّعذيب الى مشهد اِنتشاء وتسليّة يُمارسها الجلاد بسادية تتكرر وتُعاد بصيغ مختلفة عبر تاريخ السجون والمعتقلات في العالم، وتستحيل الكتابة عنها الى شهادة يَجتَرحها شخص عن أحداث إلى أشخاص لم يعيشوها ولم يسمعوا عن قتامتها وهولها، هكذا تتحول الحكاية إلى تأريخ لمرحلة عصيبة من تاريخ البلاد، يختلط فيها الواقع بالخيال، بالتاريخ بالأسطورة بالموت الزؤام، تنبش في سحيق تفاصيل الزمن المغربي، عن ذلك السبت الأسود الذي توقفت خلاله تَقاوِيم الوقت لتخط أشنع وأبشع جريمة بشرية تَسَيّدت فيها الفوضى والشّغب والنهب والاِضطراب والصدامات والتَّخريب فقابلتها لغة البارود الآثمة، وإزهاق الأرواح ببرودة دم، وتُسافر بنا على مدى رُبع قرن زمني عبر خارطة الوطن، لتمارس كتابة واعية عن حضور المثقف في الرّواية العربية، ذلك المثقف الإيجابي المُلتزم الفاعل والواعي بدقائق الأمور وهو يناضل من أجل كتابة تفكيكية مرشوشة بالدم عن واقع موشوم بالعنف والقهر والاِضطهاد المُمارس على النُّخب الاِجتماعية، حيث يراد له ان يرى ويسمع ويصمت ويهادن، ويبارك ويتواطأ، في حين أن هذا المثقف الموقف غير المكتفي بالمواقع الخلفية، المثقف المتأمّل لواقع يشهد تراجعا على مستوى القيّم، وتتراجع فيه الإنسانية أميالا مُخْلِية المجال للغة الاِستغلال، وتفاصيل القهر والظلم في جيل آمن بأن لا تَغْيير من غير تضحيات جسام، تضع النقط على الحروف وتفرض اِحترام حقوق الانسان وحرية التعبير في زمن صار فيها العالم قرية صغيرة تحكمها التكنولوجيا الحديثة التي أصبحت تسمح بوصول الخبر بسرعة البرق، وتبادل المعلومات والخبرات دون حواجز ورقابة مسبقة.
وتستند رواية هلوسة الصادرة سنة 2026م عن دار أثر المصرية للتوزيع والنشر في مرجعتيها إلى سنوات الرصاص حيث كان يسود صوت القمع بسبب الظرفية السياسية المحتقنة، وغياب الرغبة لدى السلطة في التجاوب مع تطلعات أجيال جديدة تطمح للتحرر والخروج من شرنقة الفساد والقضاء على الجهل، ومتن الرواية يحفر بقوة في المُحرم الذي يصبح أحيانا الاقتراب منه خطا أحمرا يصعب تجاوزه لأنه يعري واقعا أليما انتهى بسقوط ضحايا سنة 1981م في إضراب الدار البيضاء الشهير ويحاول ربط تلك الأحداث بالمصالحة التي تمت الدعوة إليها خلال العهد الجديد من أجل طي صفحة الماضي والاعتراف لشهداء تلك المرحلة بحقهم في التكريم يقول الكاتب على لسان بطل روايته عمار بن غراب: “عندما أطل المجهول، كان عبارة عن خبر، انتشر كالهشيم في النار، تَمّ اكتشاف مقبرة جماعية داخل ثكنة للوقاية المدنية بالحي المحمدي تحتضن جُثثاً تعود لشهداء كوميرا كما نعتهم الوزير القويُّ السابق.
بعد أيام تحول الخبر إلى واقع وعرف الناس حقيقة ظلت مغيبة، وظهرت للوجود لجنة للإنصاف والمصالحة وهدفها جبر الضرر وتعويض ضحايا التعذيب والاختفاء القسري”
المهدي ناقوس ناقد مغربي