صالح مهدي محمد
اللوحة: الفنان السوري ديلاور عمر
(1)
في غسق الأثير، حيث تتثاءب الأنقاض كوحوش خرافية لُفظت من جوف العدم.
ينسلُّ الصمتُ كخيطٍ من الزئبقِ البارد، يملأُ الفراغاتِ التي تركها العويلُ قبلَ أن يتخثر. لم يكن الوقتُ نهاراً يمنحُ اليقين، ولا ليلاً يسترُ الفضيحة؛ بل كان برزخاً من الركامِ الذي أضاعَ هويته، حيثُ الشوارعُ لم تعد مساراتٍ للعبور، بل صارت جروحاً غائرةً في جسدِ الأرضِ، ترفضُ الاندمال. هناك، في تقاطعِ الذكرياتِ المشوهة، يقفُ الأثرُ شاهداً على فجيعةِ التكوين، حيثُ “الرجلُ الذي نجا” ليس إلا جثةً مؤجلةً، تمشي على قدمينِ من ذهول، يرتدي صمته كدرعٍ صلبٍ ضدَّ ريحِ الحقيقةِ التي تذرو رمادَ البيوتِ في وجوهِ العابرين.
كانتِ الأحلامُ قبلاً خيوطاً من حريرٍ ملوّن، تُنسجُ في عتمةِ الأجفانِ لتصيرَ غداً مشرقاً، كانت وعوداً مبرمةً مع الفجرِ بأنَّ القهوةَ ستظلُّ ساخنةً، وأنَّ الضحكاتِ لن تنكسرَ على عتباتِ الأبواب. أما الآن، فالأحلامُ هي محضُ ذبذباتٍ راديويةٍ في جهازٍ أصابهُ العطب، تشويشٌ مستمرٌ يحاولُ استعادةَ لحنٍ ضاعَ وسطَ انفجارِ النغمةِ الأولى. المدينةُ التي كانت تضجُّ بالهتافِ، باتت الآنَ هيكلاً عظمياً لعملاقٍ منسّي، تتنفسُ من خلالِ ثقوبِ الرصاصِ في جدرانها، وتنظرُ بعيونِ النوافذِ المفقوءةِ نحو أفقٍ لا يعدُ بشيءٍ سوى بمزيدٍ من الغبار.
على حافةِ هذا التيه، يبرزُ “العائدُ من غياباتِ الجُبّ”؛ أسيرٌ لم يحررهُ الوقتُ، بل نفاهُ إلى حريةٍ أشدَّ قسوةً من الزنزانة. سنتانِ من السكونِ القسريّ خلفَ أسوارِ النسيان، جعلت منهُ كائناً من “صلصالِ الانتظار”، عادَ ليجدَ أنَّ الحربَ التي انكفأَ ماردُها في الساحات، ما زالت تحتدمُ في الصدور.
في تلك اللحظة، التقت عينا الأسير بعيني الرجل الناجي وسط ركام الساحة الكبرى، فدار بينهما حوارٌ يشبه احتكاك الصوان:
• الأسير: “هل غادرنا القيد حقاً، أم أن الأرض ضاقت حتى صار الهواء جدراناً؟”
• الناجي: “القيدُ لم يغادر، بل استحالَ تراباً نسيرُ عليه.. نحنُ نطأُ الآن أصفادنا القديمة بوجوهٍ جديدة.”
• الأسير: “أفتشُ عن بابِ بيتي، فلا أجدُ إلا فجوةً في الفراغ.”
• الناجي: “البيوتُ لم تعد مساكن، صارت شواهد قبورٍ واقفة؛ لا تدخلها، بل استمع لعزيفِ الريحِ في ثقوبها.”
يجرُّ الأسير خلفه ظلاً طويلاً ليس له، بل هو ظلُّ الرفاقِ الذين صاروا تراباً. وبجانبه، يتكئُ “الرجلُ المبتور” على فراغٍ يسكنُ موضعَ قدمه، يشعرُ بوخزِ الأصابعِ التي لم تعد موجودة، وكأنَّ جسدهُ يرفضُ الاعترافَ بالهزيمة، يحاولُ أن يخطو في الفراغِ بحثاً عن توازنٍ مفقودٍ في عالمٍ مائلٍ أصلاً نحو الهاوية.
وفي ركنٍ قصيٍّ من هذا المشهدِ المتآكل، تقبعُ “العائلةُ المنبترة”؛ أمٌّ وأطفالٌ صاروا أيتاماً للفقد، يحملون غيابَ الأبِ كأيقونةٍ ثقيلةٍ تُدمي أعناقهم. غيابهُ ليس موتاً فحسب، بل هو “ثقبٌ أسود” يبتلعُ كلَّ محاولاتهم لصياغةِ أملٍ جديد. هل يمكنُ للأحلامِ أن تتجددَ فوقَ أرضٍ محروقة؟ هل يستطيعُ النبضُ أن يستعيدَ إيقاعه في قلبٍ اعتادَ على تسارعِ الخوف؟ إنَّ أثارَ المدنِ ليست حجارةً محطمة، بل هي “لغةٌ مسمارية” لا يقرؤها إلا من احترقت أصابعه وهو يحاولُ إنقاذَ شمعةٍ وسطَ العاصفة. السردُ هنا ليس حكاية، بل هو محاولةٌ بائسةٌ لترميمِ مرآةٍ انكسرت إلى ألفِ شظية، كلُّ شظيةٍ منها تعكسُ وجهاً مختلفاً للموتِ ذاته.
(2)
تغلغلَ العائدُ من غياباتِ القيدِ في أحشاءِ الزقاقِ الذي كان يوماً شرياناً نابضاً بالحكايا، لكنه الآن لا يعدو كونَهُ مريئاً مهشماً لمدينةٍ تتقيأُ ذكرياتها. كانت خطاهُ ثقيلة، ليس بعبءِ الجسد، بل بوقرِ “الزمنِ المتكلس” الذي حمله في زنزانته سنتين؛ زمنٌ لم يكن يجري، بل كان يتراكمُ فوق صدره كطبقاتِ الملح. وحين وقفَ أمامَ ما يُفترضُ أنه “منزله”، لم يجد باباً يطرقه، بل وجدَ فراغاً مؤطراً بالرماد. الجدارُ الذي استندَ إليه يوماً ليودعَ زوجته، صار الآن منخلاً من الثقوب، يمرُّ منه الضوءُ شاحباً وكأنه يخشى أن يرى ما آلَ إليه المكان. لم تكن الصدمةُ في الركام، بل في “الألفةِ المفقودة”؛ فالحجرُ الذي تعرفُه يداه صار غريباً، والمكانُ الذي كان يفوحُ بعطرِ الهيلِ صار يزفرُ رائحةَ الكبريتِ والرطوبةِ المزمنة.
تحسسَ الأسيرُ جداراً قائماً بأعجوبة، فوجدَ بقايا رسمٍ صغيرٍ لطفلٍ كان يحلمُ بطائرة، لكنَّ الطائرةَ الحقيقيةَ جاءت لتمسحَ الحلمَ وصاحبَه. في هذه اللحظة، لم يبكِ؛ فالدموعُ جفت في المحاجرِ منذُ زمنِ الاستجواباتِ الطويلة، بل انحنى ليلتقطَ حفنةً من التراب، فبدت في كفه كبقايا نيزكٍ سقطَ من كوكبٍ بائد. كان المشهدُ تجسيداً لـ “أنطولوجيا العدم”، حيثُ لا فرقَ بين الداخلِ والخارج، وحيثُ الخصوصيةُ التي بُنيت عبر عقودٍ فُضحت في لحظةِ انفجارٍ واحدة، لتصيرَ أسرارُ العائلةِ مشاعاً للريحِ والمارة.
على مقربةٍ من ذلك الركام، وفي “قبوٍ” استحالَ ملاذاً أخيراً، كانت “العائلةُ المنبترة” تحاولُ رتقَ ثوبِ الوجودِ بخيوطِ الصبرِ الواهية. الأمُّ التي صارت “أباً بالضرورة”، كانت ترقبُ أطفالها وهم يحدقون في بقعةِ ضوءٍ تتسللُ من سقفِ القبو. هناك، دار حوارٌ مكتوم، حوارٌ لا يبحثُ عن إجابات، بل هو مجردُ محاولةٍ للتأكدِ من أنَّ الألسنةَ ما زالت قادرةً على النطق:
• الابن الأكبر (بصوتٍ يكسرهُ البلوغُ المبكر): “يا أمي، هل كان والدي يعلمُ أنَّ السقفَ سيهوي؟ لقد قال لي يوماً إنَّ هذا البيتَ بُنيَ ليبقى ألفَ عام.”
• الأم (وهي تمسحُ غباراً لا يزولُ عن ثوبها): “أبوك لم يخطئ يا ولدي.. البيتُ لم يسقط لأنه ضعيف، بل لأنَّ الأرضَ لم تعد تحتملُ ثقلَ الخطايا التي مشت فوقها. البيوتُ تموتُ كالبشرِ حين ينكسرُ قلبُها.”
• الابنة الصغيرة (تمسكُ بدميةٍ فقدت عينها): “هل سيعودُ ليصلحَ نافذتي؟ الريحُ في الليلِ تصفرُ كأنها وحشٌ يريدُ الدخول.”
• الأم (تغصُّ بريقها المرّ): “والدكِ صار هو النافذة، وهو السقف، وهو الريحُ التي تحرسنا.. لا تنتظري عودةَ الجسد، بل تعلمي كيف تعيشين في ظله الذي لا يغيب.”
• الابن الأكبر: “لكنني رأيتُ الرجلَ المبتورَ عند رأسِ الشارع.. يضحكُ بلا سبب. هل نسيَ قدمه أم نسيَ الحرب؟”
• الأم: “هو لا يضحكُ يا بني.. إنه يخرجُ الهواءَ الزائدَ من صدره لكي لا ينفجر. نحنُ جميعاً مبتورون، فمنّا من فقدَ قدماً، ومنّا من فقدَ روحاً، ومنّا من فقدَ بيتاً.. الحربُ تأخذُ قطعةً من كلِّ شيء، وتتركُ لنا الباقي لنعانيَ نقصانه.”
تراجعَ الأسيرُ عن ركامِ منزله حين سمعَ أصواتهم القادمة من القبوِ المجاور. أدركُ أنَّ “العودة” ليست وصولاً إلى مكان، بل هي اصطدامٌ بواقعٍ جديدٍ تشكلَ في غيابه. التفتَ ليرى “الرجلَ المبتور” وهو يحاولُ غرسَ عكازه في الأرضِ الرخوة، وكأنه يريدُ أن يزرعَ شيئاً في هذه الموات. هل يمكنُ للأحلامِ أن تتجدد؟ تساءلَ الأسيرُ وهو ينظرُ إلى كفه المليئةِ بالتراب. الأحلامُ هنا لا تنمو كالأشجار، بل تبرزُ كالفطرياتِ وسطَ العفن؛ أحلامٌ مشوهة، متواضعة، لا تتجاوزُ الرغبةَ في ليلةٍ واحدةٍ بلا كوابيس، أو في رغيفِ خبزٍ لا يختلطُ طعمهُ بطعمِ البارود. إنَّ أثارَ المدنِ ليست إلا “مخطوطةً جريحَة”، والذين بقوا أحياءً هم الحبرُ الذي يسيلُ فوقَ هوامشها، يحاولون كتابةَ سطرٍ أخيرٍ قبلَ أن يطويَ العدمُ الصفحةَ تماماً.
(3)
في تلك اللحظة التي يتماهى فيها الشفقُ المحتضر مع غسقِ الأرواح، حيثُ لا يرتدُّ الصدى إلا كطعنةٍ في خاصرةِ المدى، بدأت “السينفونيةُ الرثّة” تعزفُ لحنها الأخير على أوتارِ الدمارِ المتصلب. لم يكن المشهدُ مجردَ تجمعٍ لبقايا بشر، بل كان “انصهاراً كيميائياً” لعناصرِ الفقدِ في بوتقةِ الوجودِ العبثي. الزمانُ الذي كان ينسالُ كالماءِ، صار الآن هباءً ذرياً يملأُ المسافاتِ بين الوجوه، وكأنَّ المدينةَ بخرائبها قد قررت أن تستجوبَ الصامتين قبل أن تلفظَ أنفاسها الكونية. هنا، خلفَ ستارٍ من “الضبابِ الأيديولوجي” الذي خلفتهُ النيران، تقاطعت الأقدارُ عند نقطةِ التلاشي؛ حيثُ يصيرُ البحثُ عن المعنى كمن يحاولُ رسمَ ملامحِ الماءِ بريشةٍ من نار.
الأسيرُ الذي استعادَ “فيزيائيةَ الحضور” وفقدَ “متافيزيقيا الانتماء”، وجدَ نفسه ينجذبُ نحو ثقبِ الجاذبيةِ الذي تمثلهُ تلك العائلةُ المنبترة. لم يكن الانجذابُ عاطفياً، بل كان “تآكلاً متبادلاً” في فضاءِ العزلة. وحين اقتربَ من حافةِ قبوهم، كان الرجلُ المبتورُ قد اتخذَ من زاويةِ الركامِ “عرشاً من ملح”، يراقبُ بعينينِ غائرتينِ محاولةَ الأمِّ لترميمِ “قداسةِ الوجع”. كانت الأحلامُ في هذه اللحظةِ تمرُّ بعمليةِ “استنساخٍ مشوه”؛ لم تعد تحليقاً في السماوات، بل صارت حفرياتٍ في الأعماق، محاولةً بائسةً لاستردادِ “نواةِ الأمل” من تحتِ ركامِ اليقينياتِ المحطمة. فهل المعنى إلا “خديعةٌ لغوية” نبتكرها لنسدَّ بها ثقوبَ العدمِ الذي ينخرُ في عظامِ الذاكرة؟
وعندما تلاقت النظراتُ في ذلك الحيزِ الضيقِ الذي يختنقُ برائحةِ “التاريخِ المتفسخ”، انفجرَ الصمتُ عن تساؤلاتٍ لا تملكُ ألسنةً لتنطقها. الأسيرُ، بوقفتهِ التي تشبهُ “المنارةَ المهدمة”، والرجلُ المبتورُ الذي صار “أيقونةً للنقصان”، والأمُّ التي تلبست دورَ “الكاهنةِ في معبدِ الفراغ”، شكلوا معاً “ثالوثاً جنائزياً” يحاولُ صياغةَ أبجديةٍ جديدةٍ للحياة. لم يعد المهمُ هو من انتصرَ أو من هُزم، فالحربُ قد التهمت “ثنائيةَ الضد”، وتركت الجميعَ في “وحدةِ الرماد”. كانت أثارُ المدنِ تئنُّ تحت وطأةِ “الذاكرةِ الجيولوجية”، والحياةُ التي كانت تضجُّ يوماً بالألوان، صارت الآن لوحةً “أحاديةَ الكآبة”، حيثُ يختلطُ فيها سوادُ الكحلِ بسوادِ الاحتراق، ليرسما خارطةً لبلادٍ لم تعد موجودةً إلا في “أرشيفِ الوجع”.
في المنتهى، وقفَ هؤلاءِ “المنبوذون من جنةِ النسيان” وجهاً لوجه مع الحقيقةِ العارية: أنَّ استردادَ المعنى ليس عودةً لما كان، بل هو “اختراعٌ قسريّ” لما سيكون فوقَ أنقاضِ ما ضاع. الأحلامُ لا تتجددُ كالفصول، بل تُبنى كالقلاعِ وسطَ العاصفة، بحجارةٍ من الكبرياءِ المكسور. ومع تلاشي آخرِ خيوطِ الضوءِ، انصهرت الوجوهُ في وجهٍ واحدٍ هو “وجهُ الحربِ” المستمر؛ ذلك الوجهُ الذي ينظرُ إلينا من مرايا الحاضر، ليخبرنا أنَّ السلامَ ليس إلا “هدنةً طويلة” بين دمارين، وأنَّ الكائنَ البشريَّ ليس سوى “سرديةٍ متقطعة” تحاولُ أن تجدَ صلةَ وصلٍ في ليلِ الوجودِ الطويل، قبلَ أن يطويها “الصمتُ المطبق” إلى الأبد.