شفرة الحياة

شفرة الحياة

اللوحة: الفنان الإنجليزي لنكولن سيليجمان

في مشهدٍ واقعي، جلس سجينان ينتظران الإعدام. قال أحدهما: أريد أن أعتذر إليك وأدلي باعتراف. أجابه الآخر بهدوء: لا أريد سماع اعترافات ولا اعتذارات… أنا أسامحك.

لم ينصت، واستمر في الكلام: لقد اعترفتُ عليك، وهذا ما جلبك لتجلس بجانبي هنا، ننتظر الإعدام.

– أعرف، ولا أريد مزيدًا… دعنا ننهي ما بقي من ساعات العمر في هدوء.

– اعترفتُ عليك ليس بسبب قسوة التعذيب… لم يعذبوني، لكنني كنت مرعوبًا من أن أموت وحدي.

– لا عليك… لقد سامحتك.

***

في فيلم «قصة مدينتين»، وفي مشهد الطابور إلى المقصلة، اقترب دور إعدام بطل الفيلم، وكانت خلفه فتاة صغيرة ترتعش. سألها مشفقًا، فقالت: صوت هبوط المقصلة فوق الرؤوس يعذبني… أهون منه أن أُعدم مبكرًا.

فنادى على الحارس بهدوء وأدب: أستأذنك أن تتكرم بإعدام هذه السيدة قبلي، وأتأخر مكانها.

رضي الحارس، ونظرت الفتاة إلى الشاب النبيل نظرة عرفان.

أُعدمت قبله، بينما ظل ينتظر دوره.

***

لا يدري الإنسان إلى أين ستقوده الحياة رغمًا عنه، في لحظة تأتي كالبرق دون تمهيد. لحظة يوقن فيها أنه سيهلك خلال وقت قصير. وقبلها بلحظات، كان مندمجًا في لعبة الحياة: يصارع، يخاصم، يقسو، يوعد ويتوعد، كأنه سيحيا للأبد.

***

شاهدتُ فيديو حقيقيًا التقطته كاميرا: سيدة تقف بجوار القطار، تنتظر… فجأة اهتزت، وانزلقت، لتُدهس بين الرصيف والقطار في مشهد فظيع.

***

أتذكر حديثًا دار بيني وبين صديق طيب، لكنه كان مندمجًا في مشاعر اللحظة — وكلنا كذلك.

قال لي: أتمنى لو يُنزل الله على هؤلاء الناس صاعقة تحرقهم جميعًا، وتصبح البلد نظيفة.

وكانت البلاد مضطربة فكريًا ونفسيًا، سمته ربيعا فصار خريفا، والناس في حيرة وانقسام، مشحونة بالتهديد والخوف من القادم.

قلت له: ألا ترى في الدعاء قسوة؟

قال: هؤلاء سبب نكبتنا.

مرت أيام، قُتل من قُتل، وأُحرق من أُحرق، وكأن الدعاء قد وجد طريقه إلى الواقع. وبعدها بأيام قليلة، تعرّض صديقي لحادث طريق بسيارته، ولحق بهم.

لقد تمنى رحيلهم ليعم السلام، فرحلوا ورحل معهم، ولم يحل السلام. فالحياة تتسع للجميع، لكننا نريدها خالصة لنا. وكما قال لي صديقي يومًا، وهو يمزج السخرية بالمرارة: «هؤلاء يظنون أن الجنة أوضة وصالة… ولهذا يتشاجرون عليها».

***

ليس الخلاص الحقيقي أن تخرج سالمًا من المعركة، بل أن تخرج المعركة أكثر عدلًا. تقودني هذه الفكرة إلى فيلم «الأرض»، وإلى شخصية الشيخ حسونة، وتعرية معنى الخلاص الفردي.

قرر الإقطاعي مصادرة أراضي الفلاحين لإنشاء طريق ييسر وصوله إلى السراي. ذهب الشيخ حسونة إلى البيه، متحدثًا باسم الحكمة والتهدئة، لا باسم الفلاحين الثائرين. لم يكذب، ولم يرفع صوته، ولم يساوم علنًا، لكنه عاد وقد ضمن لنفسه النجاة. وبعد أن عاد، سافر إلى القاهرة، تاركًا الأرض تُلتهم من حوله.

هنا لا تقع الخيانة في الفعل الصريح، بل في الاكتفاء بالسلامة الشخصية، وفي تحويل الدين من ميزانٍ عام إلى مظلةٍ خاصة. ينجو الشيخ، وتضيع الأرض، ويستمر الظلم بعد انصراف الوعظ، مؤجلًا العدالة إلى أجلٍ لا يأتي.

***

أتعجب من طفولة الإنسان حين يرفض الحكمة ويميل إلى غرائز النفس الشرسة.. الاندماج في المشاعر السيئة يشبه ممثلًا يذوب في دوره، فيجرح زميله أو يقتله دون أن يقصد.

الحياة رحلة، والناس رفاق في الرحلة. والتقاتل على مقعد بجوار الشباك، أو على وجهة نظر، ليس إلا اندماجًا طائشًا. فكلنا سنفترق فجأة، حين تأتي محطة الرحيل. والحكيم من يستشعر دائمًا أنها رحلات ومحطات وانتقالات، فلا يندمج، ولا يتقمص وهم الاستقرار، فلا يعتدي.

***ُ

من أكثر المشاهد حضورًا في ذهني كلما تعاملت مع البشر، مشهد شخص يجلس على الأرض وأمامه لابتوب حديث، ينثر عليه الملوخية، ويقوم بتخريطها، فلا يرى في هذه الآلة العبقرية سوى مائدة مسطحة، تسرح أسنان المخرطة على سطحها.

***

وأيضًا صورة قطط المنزل وهي تسرح في البيت. فثرثرة الناس عن الحياة، وفهمهم لها، وهمومهم فيها، تجعلني أشعر أنهم يستنسخون لأنفسهم حياة القطط، ويعتقدون أنهم خُلقوا ليكونوا قططًا. لا يفهمون من قول: «الإنسان خليفة الله في الأرض»، سوى أنه يُنجب أولادًا ويربيهم… وهكذا تفعل القطط. فما يدور من نشاط إنساني بين الناس — وخاصة العرب — ليس إلا نشاط قطط تربي قططًا بلا نهاية.

***

نعمة العقل والروح، اللذان يُنتجان الحكمة، هما خلاصة أدوات الإنسان التي تميّزه عن باقي المخلوقات. لكننا نختزل العقل في الحِيَل، ونقزمه باسم الذكاء، ونراه آلة حاسبة، ونعتقد أن وظيفته هي الفهلوة، وأن «نفهمها وهي طايرة». وهذا الفهم للذكاء تحته بطانة كثيفة من الغباء. «ما يقع إلا الشاطر»، كما يقول المثل.

***

كثيرًا ما ندعو لبعضنا ونحن بصحبة أبنائنا: «ربنا يفرحك به». ولماذا أفرح به؟ أفرح له، نعم، فهو من سيتزوج، ويهنأ، ويخط لحياته الخاصة. لكن لماذا نمزج في دعواتنا حياتنا بحياة أبنائنا وأحفادنا، وكأنها شيء واحد ممتد؟

للإنسان مهام أخرى تفرضها الخلافة في الأرض، غير تربية العيال، والفرح بهم، والانغماس في حياتهم. هناك مهمة الإصلاح. هناك بشر آخرون يحتاجون دعمًا. وهناك مجتمع خارجي يحتاج المساهمة فيه، حتى لا يتعفن… ويصل عفنه إلى بيوتنا، كما هو واقع اليوم.

***

نحن نفهم: «آمنوا وعملوا الصالحات» على أننا ننطق الشهادة ونعول أولادنا. وليتنا ننجح حتى في تربيتهم. فنحن نرتجل بلا خبرة، ونعتمد على الفطرة وحدها، فتكون القطط أنجح منا في هذه المهمة.

نختزل الشهادة في كلمة منطوقة، ونختزل الإصلاح في ألا نشرب الخمر، ولا نشتم، ولا نعتدي. بمعنى أن نكون «ناسًا طيبين وفي حالنا». نظن أن العمل الصالح لا يتجاوز أولادنا… وفقط. وما يصرخ به المجتمع من حولنا، نراه شأنًا لا يعنينا.

***

الإيمان وقود العمل الصالح، والعمل الصالح دليل الخلافة في الأرض، والخلافة تعني مجتمعًا حيًا، لا أسرة منغلقة أنانية. 

نحتاج إلى إعادة فهم الإيمان، وإعادة تفسير العمل الصالح. ونحتاج أن يقف كل إنسان، صباحًا ومساءً، أمام المرآة ويقول: أنا لستُ قطًا… بل مؤمنٌ صالحٌ مصلح.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.