قُبيل أن ينسى إصبعي رفيقَه الأوفى – للإثيوبية كيبيديتش تيكلياب

قُبيل أن ينسى إصبعي رفيقَه الأوفى – للإثيوبية كيبيديتش تيكلياب

اللوحة: من أعمال الكاتبة

ترجمة مهدي النفري

قبل أن يفقدَ إصبعي رفيقَ دربه الأوفى، وقبل أن يغفلَ عن قلمِه بلامبالاةٍ ليشرعَ في نقرٍ رتيبٍ على صمتِ التراب، قبل أن تتوارى تلك الورقةُ البيضاء التي يسكبُ عليها شكواه ويحاورُ من خلالِها الوجود، قبل أن يتخلى عن وسيلةِ تدوينِ رسالته ويحرمَ العالمَ من رؤيةِ أفكارهِ عبر قلمٍ أصرَّ أن يكتبَ باتزان، وحين يشتدُّ وقارُه يخطُّ كلماتِه بحبرٍ أحمرَ قانٍ. حبرٍ لا يُمحى، قلمٍ يتوهجُ غضباً إن حاولوا طمسَه ويتحولُ جفافُ الورقِ فيه إلى بللٍ إن أرادوا إحراقَه.

قبل أن ينسى إصبعي قلمَه ببساطة.

بلا قرعِ طبولٍ يَعبرُ هذا القلمُ الحدود، وبلا سهمٍ ينفذُ إلى سوادِ العين، يهدمُ بنياناً ويشيّدُ آخر، لن يُقيَّدَ أبداً، لأن العقلَ لا يُسلسَلُ كالأقدام، والأحلامُ لا تهبطُ إلى دركِ الهوان. وقبل أن يتبخرَ طموحه عند الفجرِ، حين يذوي الليلُ ليحمي الجسدَ من التحللِ والاستحالةِ غباراً، حين يغرقُ العقلُ في هواجسِ الأعداء، قبل أن يفقدَ القلمُ رؤيةَ رفيقه الأوفى، وقبل أن يبدأَ بمخاطبةِ الأرضِ نقراً عليها، حين يضطربُ الدماغُ وينزفُ قليلاً، حين يطغى الخيالُ بتوهجِه الأحمر، قبل أن يُنسى أيُّ شيءٍ سهواً، وقبل أن يبيعَ العقلُ نفسَه من أجلِ البقاء، حين يكون طيّعاً لضميرِه الداخليّ، يدوّنُ رسالته حبراً على ورق هنا ينطقُ القلم، يفردُ جناحيه ويطيرُ لمسافاتٍ لا تنتهي، يهدمُ القديمَ ويبني الجديد.

وإذا ما وقعَ القلمُ في الحبِّ بوقار، كنحلةٍ ترشفُ الندى من قلبِ الزهرة، إذا استقى الحبَّ من محبرته، فسيكتبُ حينها في مديحِ الجمال، وكيف أن العالمَ مُباركٌ بالعجائب، ستُجمّلُ الكلماتُ البديعةُ صنيعَه، وتسحرُ القراءَ بصوتٍ فنيّ، وتسكبُ الحبَّ في البيتِ الذي يبنيه، يزيحُ المشهدَ القديمَ ويضعُ رؤيتَه، ليُبصرَ القراءُ الحبَّ بعينِ القلمِ ومنظورِه الدقيق.

كما آملُ أن يحدثَ الآن، قبل أن ينسى إصبعي رفيقَه ببساطة، أو تتوارى الورقةُ البيضاءُ التي يسكبُ فوقَها هذه الشكوى، قبل أن يجدَ قلمي نفسَه وحيداً يخاطبُ الأرض.

***

مَنْ غيرُ الإنسانِ بوسعِه أن يداويَ الإنسان؟ مَنْ غيرُه يملكُ بلسماً لعللِ الجسدِ ومرارةِ الانكسار؟ فعينُ المرءِ تجدُ في الأفقِ البعيدِ ومصافحة السماءِ دواءً، وقَدماه تقتاتانِ على خطى الرحلاتِ التي لا تنتهي، ولظمئه تفيضُ بطونُ الأرضِ بالماءِ العذب، ولجوعِه سنابلُ القمح، ولبهجتهِ نَسَماتُ الهواءِ النقيّ. ولكن، ماذا لو حُجبت الرؤيةُ، وقُيّدت الأقدام، وأُوصِدَت الأمعاء، وجفَّ الريقُ من قلةِ الشرب، واضطربَ العقلُ تنهشُه أخاديدُ الحزن؟ تبقى القسوةُ الأشدُّ إيلاماً من هذا كله هي العزلة. فوا أسفاه

أيُّ طبٍّ هذا الذي يمكنه أن يعوضَ وجودَ إنسانٍ آخَرَ معك في الغرفة؟


كيبيديتش تيكلياب شاعرة ورسامة ونحاتة إثيوبية، مواليد 1958، أُجبرت على الفرار من بلادها عام 1979. قطعت صحراء أوغادين سيراً على الأقدام وهناك وقعت في أسر الجنود الصوماليين، ليتم احتجازها في معسكر اعتقال لمدة عشر سنوات كاملة. في تلك الظروف القاسية ولدت هذه القصيدة التي تتأمل فعل الكتابة كفعل مقاومة. استقرت كيبيديتش لاحقاً في الولايات المتحدة، حيث تعمل الآن فنانة وتُدرس في كلية (كوينز بورو) بنيويورك. وتعد مجموعة (أغانٍ نتعلمها من الأشجار) أول أنطولوجيا للشعر الأمهري تُترجم إلى الإنجليزية، وهي تفتح النافذة أمام القراء للتعرف على أدب ثري وتجارب إنسانية فريدة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.