العجوز وفقده أطواق النجاة

العجوز وفقده أطواق النجاة

اللوحة: الفنان الأمريكي نورمان روكويل

محمد محمود غدية

لم يمتثل لنصائح الاصدقاء، بضرورة الزواج بعد وفاة زوجته، وقتها كان في الخدمة، تتوالى السنوات، وتلكمه الشيخوخة، ليصبح رقما في جداول المعاشات، ثقلت منه الخطى، وشح النظر، ولم يتوقف عن القراءة وكتابة الشعر، من خلال عدساته الزجاجية.

 يقول: انه ليس بشاعر، وانما هو رسول يكتب ما يملى عليه، في عينيه فيض حب متدفق لا ينضب، عالمه رحب، قالت له امرأة، كان قد طلبها يوما للزواج ورفضته: إنها مرحبة بالزواج منه اليوم، بعد ان طلقت، ورفض قائلا: لست كرة من الجليد، تنصهر وتتجمد وقتما تشائين؟

 أسالت الدمع على وجنتيها، في محاولة للامساك به، سخر من دموعها التي دفعت بالأشواك في روحه، مضيفا انه لا شيء يدوم، فكل في سبيله الى التغيير، او التفسخ او التفكك، او الموت.

 لذا لم يعد يتشبث بشيء، كما انه لا يستطيع الزواج، بعد فقده لأطواق النجاة التي اعانته على الخوض في امواج الحياة المتلاطمة، والعيش في سلام.

الاصدقاء والاحباب يربتون على كتفه، مادين اليه، رغيف البهجة، يقتاته على مهل كل يوم، نجح في اخفاء الحزن، مؤكدا لمن حوله، ان الفرح مقيم، والحزن طارئ عابر ويمضي.

لم نر لكلماته يوما انيابا يعض بها، لطيف المعشر، لا يحدث ضجيجا، يكفي الابناء ان لديهم اب حنون رحيم، يحبهم حب يمتد للأحفاد، وهو بمثابة الدنيا لهم.

 الجدالات الفارغة لم تعد تطرأ على عقله، لا يسأم حاضره، ولا يندم على ما مضى، ولا يخاف الغد الذى لم يأتي، بين الفينة والفينة ينادى الابنة، يسألها عن والدتها التي تأخرت في احضار الافطار؟ بعدها ينادى ابنه ويسأله عن والدته، التي تأخرت في اعداد الشاي، الابن مخاطبا شقيقته من بين ابتسامة واسعة: لابد من الامتثال لطلباته ومجاراته، نحن امام اب ينسى دائما ان زوجته ماتت منذ زمن بعيد.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.