الأرانب الحجرية.. الخرافة حين تهدي إلينا أدبًا عجيبًا

الأرانب الحجرية.. الخرافة حين تهدي إلينا أدبًا عجيبًا

د. خالد عزب

خالد عزب

حين شرعت في قراءة كتاب عمار علي حسن الجديد “الأرانب الحجرية.. 70 حكاية خرافية”، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، تذكرت على الفور بعض الحكايات العجيبة الغريبة عن العوالم الخفية، التي كنا نرددها في القرى، ثم وقفت على كيفية تحويل مادة شفاهية متداولة على الألسن إلى عمل أدبي ينتمي إلى العجائبية أو الغرائبية.

مع سبعين حكاية نعيش حالة من سحر ما وراء الطبيعة، ونجد فيه فرصة سانحة لالتقاط مادة جيدة لكتابة أدبية قصصية أو روائية أو حكايات تنتمي إلى “الواقعية السحرية” أو إلى “الفانتازيا” وبعضها قد ينتمي إلى “الواقعية الروحانية”، ويطلق على بعضه أيضًا مصطلح “الحكايات الخرافية”، ومنه ما يكتمل وجوده في المخيلات، ويتماسك شيئا فشيئا، فيرسخ مع الزمن من الأساطير، التي لا تخلو أمة منها، مهما ارتقت في درجات العلم إلى العلا.

لا بأس في هذا أبدا، فالحكاية الخرافية هي لون من الأدب السردي القصير المنتمي إلى عالم الوهم، حيث الشخصيات الخيالية والأفعال الخارقة، والذي يتم تداوله شفاهة، ويرسو في القيعان الاجتماعية البعيدة، وقد يصير مع الزمن نمطًا من الأعمال الكلاسيكية، التي تتفاعل وتتشاكل وتنتقل بين الثقافات الإنسانية، لتصبح مصدرًا ثريًا للمعرفة والحكمة والتجربة، ومخزنًا لإنتاج القيم الاجتماعية، وأحد روافد الأدب الذي تبدعه النخبة من قصص وروايات حين تستلهم الخرافات، وتعيد إنتاجها وفق صيغ جديدة، أو تقوم بتبيئتها كي تنصهر في الثقافة المحلية، وربما يتطلب هذا تخليص الحكاية الخرافية مما تنطوي عليه من عنف، أو ما تدعو إليه من علاقات غير مستساغة لأعراف أو تقاليد ما، بحثًا عن تحويلها إلى شيء مفيد.

وحين نراجع تراثنا العربي نجد الحكايات الخرافية موجودة فيه بالطبع، مثل ما ورد في “ألف ليلة وليلة” من قصص مدهشة، وعند إخوان الصفا في شكوى الحيوانات إلى ملك الجان من الظلم الاجتماعي، ولدى ابن المقفع في كتابه “كليلة ودمنة”، وموجودة كذلك في الآداب الأوروبية عند ماري دي فرانس، وجان دي لافونتين، وإيفان أندريتش كريلوف، وجوتلهد إفرايم لسنج، وكريستيان جليرت، وهانز كريستيان أندرسون، وعند الألماني هيرمان هسة في كتابه “حكايات خرافية”. وموجودة أيضًا في الآداب الأسيوية التي تنهل من منابع غنوصية، وروافد ما ورائية، ومناهل يعجز العقل عن إثباتها، لكنها تؤثر على عيش الناس، حين تنعكس على معتقداتهم وتصوراتهم، وتلعب أحيانًا دور الطبابة في مواجهة الشقاء والحيرة وانفساح الغيب بلا حد.

ولا يمكن في هذا المضمار إنكار أن كثيرًا من الأعمال السردية العربية، روايات كانت أو قصصًا قصيرة، قد تأثرت بالحكايات الأسطورية والخرافية المتداولة في آداب أخرى، لاسيما في أمريكا اللاتينية، إثر ترجمة الكثير منها إلى لغتنا، دون أن يلتفت مثل هؤلاء الكُتَّاب العرب إلى ثراء التراث المحلي، أو المأثور والموروث الشعبي، في كل مجتمع عربي، بحكايات ملهمة، حتى أننا وجدنا كتبًا تصدر شاملة حكاية مستنبتة من حكايات أوردها كتاب أمريكا اللاتينية، أو تقلدها، مع أن هؤلاء، وفي مقدمتهم بورخيس الأرجنتيني وماركيز الكولومبي وخوان رولفو المكسيكي، اعترفوا بفضل حكايات الشرق الساحرة،  خصوصا “ألف ليلة وليلة”، أو “الليالي العربية” حسب العنوان الذي اتخذته الترجمات الغربية لها.

وإذا كان علماء الأنثروبولوجيا، وبعض علماء الاجتماع، قد التفت أحيانًا إلى مثل هذه الحكايات الخرافية المتداولة، فإنهم نظروا إليها كما هي، وبشكل مجتزئ، وسحبوها إلى مجالهم، فأعملوا فيها أدواتهم العلمية، أو ما تفرضه تخصصاتهم المعرفية، والأنساق والنظريات التي تشكل لديهم إطارًا للتحليل والتفسير، غير معنيين بما تنطوي عليه من فن، حيث الصور والخيالات والمجازات والسرديات القادرة على الإدهاش.

ويمكن لباحث في الأنثربولوجي أو الاجتماع أن يجمع المتداول شفهيًا من هذه الحكايات، ويقوم بتحليلها وفق النقاط التي يحويها افتراض يضعه عن خيالات البشر، وعلاقتهم بالحياة والكون، ليصل إلى نتائج تبين مختلف الوظائف الاجتماعية للحكاية الخرافية، سواء ما تمنحه من معرفة، أو تنتجه من قيم، أو تحدده من اتجاهات، تسكن رؤوس الذين يعتقدون فيها، ويرددونها، ويضيفون إليها من مخيلاتهم الكثير، كلما انتقلت من جيل إلى جيل.

ويمكن لهذا الباحث أن يعتمد على منهج “الدراسات الثقافية” الذي ينهل من علوم شتى ويصهرها في سبيكة واحدة، لكنها ستنحاز أكثر إلى الشق الذي تمنحه الأنثربولوجيا لهذا المنهج، لاسيما من زاوية اتكائه على نظرة تكاملية في تحليل الموروث الشفاهي، وملاحظة تأثيره على السلوك البشري في حمولاته الاجتماعية والثقافية، وفي تجلياته الأدبية والفنية.

إن كل هذه الحكايات الخرافية أو بمعنى الأدق “الحكايات المرتبطة بالعوالم الخفية”، بوصفها أحد تجليات إبداع الطبقات الدنيا والمهمشة، تمارس دورًا مهمًا لدى الجماعة البشرية في التنفيس عن مكبوتها، وتعويض حرمانها، وتحايلها على العيش الصعب، ونقدها لبعض السائد والمتاح من أحوالها، ومنحها بعض الأمل في إمكانية وجود مجتمع مثالي، وتمكينها من فتح مسرب ملموس على المشترك الثقافي الإنساني، ومسرب هائم عن كشف الحجب، ومحاولة معرفة الغيب، ومحاولة التنبؤ بما سيأتي.

ولا يخفى على متابع إن مثل هذه الحكايات عن العوالم الخفية تجذب إليها أذهان ومخيلات مئات الملايين من بين العرب المعاصرين، في الريف والمدينة، وبين الفقراء والأثرياء، وبين من حازوا قسطًا من التعليم الحديث وأولئك الذين يعانون من أمية أبجدية وثقافية.

ويكفي، في هذا المضمار، أن نستعرض عشرات الآلاف من الفيديوهات التي يزخر بها “اليوتيوب” عن أنماط هذه العوالم وأشكالها، لندرك حجم المتفاعلين معها، والمصدقين لها، والراغبين في استمرارها، والمكتسبين منها، ومن يستسلمون لها لتشكل جزءًا لا يستهان به من رؤيتهم للمجتمع والحياة والكون، أو مسربًا للهروب من واقعهم التعيس، رغم اتساع رقعة التعليم الحديث، وبقاء صوت المنادين بالتفكير العلمي، بوصفه الوسيلة الأنجع للخروج من التخلف إلى التقدم، ومن العسر إلى اليسر.

إن كل ما ينتج عن هذه العوالم، سواء كان يحكى أو يقدم أو يدون في سطور كتب، يمثل طرفًا ثريًا من واقعيتنا السحرية، حسب المسار الأدبي الذي شق له طريقًا عفيًا بحياة البشر في كل الأزمنة والأمكنة. ولا يمر وقت طويل حتى يكون كل منا معرضًا للإنصات إلى الحكايات السائلة التي يرددها البعض، وأغلبهم يؤكدون دومًا أنها حقائق، لأن بعض من يقصونها على مسامعهم لا يزالون يعيشون بينهم، ولأنها تكررت كثيرًا، وتشابهت في مختلف القرى والمدن.

في الأرانب الحجرية نحن أمام سبعين حكاية خرافية، يتداولها الناس في قرى مصر ومدنها، عمن يستحضرون الجان، أو ما يأتيه السحرة والمشعوذون والعرافون من قارئي الكف والتاروت والفنجان والمندل وضاربي الودع والمهتمين بحسابات النجوم والفلك، والساعون خلف الكنوز المطمورة، والمبالغون في تصوير كرامات الأولياء والقديسين، والمعتقدون في التمائم والحروز والطلاسم، ومن يشغلهم الخوف من الحسد والعفاريت، وتجذبهم حكايات عما بعد الموت، ويصدقون النبوءات القديمة، وأولئك الذين يؤمنون بالفيوضات الروحية التي تجلب الطاقة الإيجابية، ومن يتمسكون بأرقام وأشياء جالبة للحظ.

ولا يدعنا الكاتب نحتار في كيفية تأليفه للكتابه هذا إذ يقول “سمعت من أهل قريتي هذه الحكايات العجيبة صغيرًا، وتعاملت معها كمادة خام لعمل أدبي، قاصدًا ألا أتركها في سيلانها وجريانها على الألسنة هائمة عائمة، إنما راسية بين سطور مكتوبة، هي في خاتمة المطاف روايتي لهذه الحكايات العجيبة المدهشة المملوءة بالشغف والرعب والإيهام والإلهام والأمل.” وهذا معناه أنه حول مادة جارية سارية على الألسن، محكية، تأخذ خصائص النص الشفاهي، إلى عمل أدبي، نكتشف معه ثراء مخيلة أهلنا الذين سردوا هذه الحكايات عبر آلاف السنين، ويكتشف في رحابها قدرة جيلنا على الاستفادة منها، وتقديمها سِفرًا من أسفار عجائبيتنا وغرائبيتنا الساحرة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.