اللوحة: الفنان الفرنسي جان بول بيكر
لا يبدأ فيلم Crash، للمخرج بول هاغيس، بقضية كبرى أو خطابٍ أخلاقي مباشر، بل بحادثة مرور عابرة، شجارٍ صغير بين أمريكيين من أصول آسيوية ولاتينية. لحظة تبدو عادية، لكنها كافية لأن تنفلت منها جملة خطيرة: كلٌّ منهما يتّهم الآخر بأنّه غريب أفسد أمريكا التي يراها وطنه.
المفارقة أنّ كليهما غريب. كلاهما مهاجر، أو ابن مهاجر، وكلاهما ارتدى قناع المواطنة دون أن يخلع عبء الغربة. لم يعودوا ينتمون تمامًا إلى أوطانهم الأولى، ولم يصبحوا أمريكيين خالصين. إنهم يعيشون في منطقة اهتزاز: قدم في الماضي وقدم في الحاضر، ووعي معلّق بينهما. وفي هذه المنطقة، لا يستقر الشعور، ولا يهدأ الخوف.
بهذا المشهد المكثّف، يلخّص الفيلم فكرته المركزية: التصادم ليس سبب العنف، بل كاشفه. فحين يقع الاحتكاك، تنكشف طبقة أعمق من المشاعر المتراكمة؛ احتقار دفين، شعور زائف بالأحقية، وخوف قديم يبحث عن متّهم.
***
يضع الفيلم منذ لحظاته الأولى مفتاحًا فلسفيًا لفهم ما سيأتي. يقول أحد الشخصيات عقب حادث: «في أي مدينة حقيقية… تمشي فتحتكّ بالناس، تتعثر بهم ويتعثرون بك. أمّا في لوس أنجلوس… فلا يلمسك أحد. نحن دائمًا خلف الحديد والزجاج. أظنّنا نفتقد هذا الإحساس كثيرًا… فنصطدم فقط لنشعر بشيء».
هنا لا يتحدّث الفيلم عن الزحام أو السيارات، بل عن الإنسان المعاصر المحاط بحواجز شفافة: زجاج، قوانين، أدوار اجتماعية، واحتياطات نفسية. الجميع حاضر جسديًا، غائب إنسانيًا. تواصل بلا لمس، وتجاور بلا دفء. وحين يُكسر الحاجز قسرًا عبر الصدام، لا يولد تواصلٌ سليم، بل ينفجر سوء الفهم والتحامل.
العزلة تفشل في خلق علاقة، والتصادم يفشل في خلق فهم. وبين الفشلين، يقف إنسانٌ خائف، متحفّز، يرى الآخر تهديدًا لا شريكًا.
***
أمريكا، كما يصوّرها الفيلم، ليست فقط بلد المهاجرين، بل بلد الغرباء الدائمين. مجتمع يُعاد شحنه باستمرار باختلافات جديدة دون أن تُهضَم نفسيًا. لم تعد العنصرية فيه ثنائية بين أبيض وأسود، بل صارت عنصريات بعدد الألوان، والأصول، والأديان، واللهجات. كلّ اختلاف يحمل ذاكرته الخاصة، وخوفه الخاص، وحساسيته الخاصة.
وهذا الكيان الهائل — المؤلف من خمسين ولاية — يقوم على وحدة دقيقة. لذلك فإن التساهل مع العنصرية، أو اعتبارها مجرّد مشكلة أخلاقية عابرة، ليس شأنًا هامشيًا؛ بل مساس بأساس البناء نفسه.
ببراعة سردية، ينسج الفيلم شبكة من الشخصيات المتباعدة عرقيًا والمتقاربة إنسانيًا في الألم. شرطي أبيض ينهكه مرض أبيه وعجز النظام الصحي عن إنصافه، فيتسرّب خوفه إلى سلوكه ويتحوّل إلى قسوة على امرأة سوداء أثناء عمله. وضابط شاب يؤمن بأنه أكثر عدلاً من غيره، لكنه يكتشف هشاشة يقينه حين يواجه لحظة خوف حقيقية تُسقط عنه صورة “المنقذ”.
هكذا تتشكّل السلسلة النفسية التي يحفرها الفيلم بعمق: ألم غير مُعالَج ⟶ خوف ⟶ تحامل ⟶ قسوة.
ليس الشرّ هنا صفة ثابتة، بل ردّ فعل دفاعي. الإنسان لا يهاجم لأنه قوي، بل لأنه خائف من انكشاف ضعفه.
***
هذا المنطق ليس حكرًا على المجتمع الأمريكي. في لغتنا اليومية، نسمع أحيانًا عبارة تنفلت بتعالٍ: «هؤلاء هم سبب تخلّف البلد». كلمة «هؤلاء» لا تصف جماعة بقدر ما ترسم مسافة نفسية. القائل يضع نفسه خارج الدائرة، أعلى منها، أنقى، وكأنّ الحلّ الخفي هو الإقصاء لا الفهم.
وربما — لو امتلك كلٌّ منّا شجاعة الاعتراف — سنجد في داخلنا نسخة صغيرة من هذا الخوف؛ خوفًا من المقارنة، أو من فقدان الامتياز، أو من أن يُرى ضعفنا كما هو.
ثمّ يأتي التحوّل الأهم في الفيلم: لا عبر خطبة أخلاقية، بل عبر موقف إنساني. يلتقي الأشخاص أنفسهم في ظروف تُسقط الأقنعة. يرى كلّ واحدٍ الآخر مجرّدًا من ادعائه، ضعيفًا، مرتبكًا، ومسكينًا. تتبدّل النظرة من الاتهام إلى الشفقة، ومن القسوة إلى الإنقاذ.
تحت طبقات العرق والسلطة والغضب، يقيم إنسان هشّ، خائف، يطلب النجاة.
ومع ذلك، لا يمنحنا الفيلم نهاية مريحة. لا مصالحة كبرى، ولا وعدًا بالخلاص. ينتهي كما بدأ: بواقعٍ مفتوح. لكنه لا يهدف إلى الحلّ، بل إلى الوعي.
فهمُ المشكلة هو البداية الوحيدة الممكنة. أن ندرك أن الإنسان لا يُفهم مجرّدًا من دون تاريخه، ومعاناته، ومخاوفه الدفينة. وأن التصادم، مهما كان عنيفًا، ليس علاجًا، بل إنذار. أمّا الشفاء الحقيقي، فيبدأ حين نجرؤ على نزع الحواجز قبل أن نُجبر على الاصطدام.
***
في مصر، لم يعد الزجاج تفصيلة معمارية، بل صار سلوكًا اجتماعيًا. نعيش متجاورين بدرجة تسمح بالمراقبة، وبمسافة تمنع المعرفة؛ فنرى بعضنا كثيرًا… ونلمس بعضنا نادرًا.
في المصعد — ذلك الأنبوب الاجتماعي المعقّم — نصعد متلاصقين، نتفادى النظرات، نراجع هواتفنا، وننتظر الطابق كأنه نجاة. عشرون ثانية تكفي لسلامٍ صغير، لكننا نختار الصمت الآمن. ليس لأننا لا نملك الكلمات، بل لأننا نخشى القرب.
نقف خلف زجاجنا الخاص: زجاج الدين حين يتحول الاختلاف إلى شك، وزجاج الطبقة حين يصبح المال معيارًا خفيًا للفرز، وزجاج المنصب حين يُقاس الإنسان بموقعه لا بضعفه. كل زجاج يمنح طمأنينة مؤقتة، ويؤجل مواجهة أنفسنا.
ومع الهجرة، وتسارع الفوارق المادية، نشأ خوف صامت: الخوف من العين، من الغيرة، من المقارنة. فآثر الناس السلامة، لا زهدًا، بل احتياطًا.
نصطدم أحيانًا، ثم ننسحب سريعًا. كلٌ إلى خلف زجاجه… زجاج يغطي القلب قبل الجسد، يحميه من الآخر، ويبعده عن نفسه.
وكل زجاجٍ نصنعه اليوم، سيعود إلينا غدًا مرآةً لأوجاعنا. وحينها سنكتشف أننا لم نكن نخاف من الآخرين بقدر ما كنّا نخاف من أن نُرى كما نحن: هشّين، محتاجين، وبشريين أكثر مما نظن.
