فن تعليم اللغة وتعلمها.. للكاتبة الأوزباكستانية ديلدورا زوجيوزوفا

فن تعليم اللغة وتعلمها.. للكاتبة الأوزباكستانية ديلدورا زوجيوزوفا

اللوحة: الفنان السوري بشير بشير 

اللغة أكثر من مجرد قواعد نحوية وقوائم مفردات. إنها أنفاس وذاكرة، ثقافة وهوية، صمت وتعبير متداخلان، وتعليم اللغة بمثابة فتح باب، وتعلمها بمثابة دخول عالم آخر دون مغادرة عالمك. في مجتمعنا المعاصر المترابط سريع التطور، لم يعد تعلم اللغات ترفًا أو هواية، بل أصبح ضرورة، وجسرًا يربط الأحلام بالفرص. فعندما نتحدث عن تعلم اللغة، غالبًا ما نتخيل الكتب الدراسية، والفصول الدراسية، والامتحانات، لكن الرحلة الحقيقية تبدأ من أعماق القلب، من ذلك القرار الهادئ في أعماق النفس: أريد أن أفهم أكثر.. أريد أن أُفهم. هذا القرار يحوّل اللغة من مجرد مادة إلى تجربة حية.

اللغة كتجربة حية

اللغة كائن حي تتغير وتتكيف، وتنمو مع من يتحدثونها، الكلمات تحمل التاريخ، والتعبيرات تحمل المشاعر. حتى الصمت يحمل معنى، وعندما يبدأ المتعلم بدراسة لغة جديدة، فإنه لا يكتفي بحفظ القواعد فحسب، بل يدخل في منظور جديد للعالم، فعلى سبيل المثال، تصف بعض اللغات المشاعر بطرق فريدة، وتمتلك بعض الثقافات عشرات الكلمات للتعبير عن أدقّ درجات المشاعر، إن تعلم اللغة يعني فهم طريقة تفكير الناس، وكيفية تحيتهم لبعضهم، وكيفية نقاشهم، وكيفية أحلامهم؛ لهذا السبب، لا يمكن أن يقتصر تعليم اللغة الفعال على تمارين القواعد فقط. يجب على المعلم أن يُدخل القصص والأغاني والأفلام والمحادثات ومواقف الحياة الواقعية، ولا ينبغي أن تبدو اللغة كنظام آلي، بل كنبض القلب.

دور الدافع

وراء كل متعلم لغة ناجح قوة دافعة عظيمة تسمى الدافع. يتعلم البعض لأهداف أكاديمية، والبعض الآخر للسفر، والبعض للتقدم الوظيفي، والبعض بدافع الحب، ومهما كان السبب، فإن الدافع هو الوقود. مع ذلك، فإن الدافع ليس ثابتًا، بل يرتفع وينخفض حسب الحالة. في البداية، يكون الحماس في أوجه، وكل شيء يبدو جديدًا ومثيرًا، لكن بعد فترة، تظهر الصعوبات. تصبح القواعد معقدة، ويصبح النطق غير طبيعي، ويبدو التقدم بطيئًا. هذه هي اللحظة الحاسمة، هنا، يجب أن يدعم الانضباط الدافع، فتعلم اللغة ليس سحرًا، بل هو عادة. الجهود الصغيرة والمتواصلة يوميًا تُحدث تغييرًا. قراءة مقال قصير، أو الاستماع إلى بودكاست، أو كتابة فقرة، أو التحدث مع شريك – هذه الممارسات اليومية تبني الثقة تدريجيًا، ودور المعلم هو إبقاء جذوة التعلم متقدة من خلال التشجيع، والتغذية الراجعة البناءة، والأهداف الواقعية التي تساعد المتعلمين على الاستمرار حتى عندما يبدو التقدم غير ملحوظ.

التعليم خارج الفصل الدراسي

لم يعد تعليم اللغات الحديث محصورًا بين جدران أربعة، لقد وسّعت التكنولوجيا الآفاق بطرق مذهلة حيث يمكن للطالب في بلد ما الآن التحدث مع متحدث أصلي على بُعد آلاف الكيلومترات، ويمكنهم مشاهدة الأخبار الدولية، والانضمام إلى المنتديات الإلكترونية، والمشاركة في المناقشات الافتراضية، والوصول إلى المكتبات الرقمية. لكن التكنولوجيا وحدها لا تضمن النجاح. الأدوات لا تكون فعّالة إلا بقدر النية الكامنة وراء استخدامها، فمشاهدة الفيديوهات دون تفاعل فعّال لن تُحسّن الطلاقة إذ يتطلب التقدم الحقيقي التفاعل – التحدث والكتابة والتساؤل وارتكاب الأخطاء والمحاولة مجددًا.

في الواقع، الأخطاء ضرورية ويُعدّ الخوف من ارتكاب الأخطاء أحد أكبر عوائق تعلم اللغة إذ يلتزم العديد من الطلاب الصمت خوفًا من الظهور بمظهر غير مرض، مع ذلك، تُكتسب اللغة من خلال التعلّم من الأخطاء. كل خطأ هو خطوة للأمام، وكل تصحيح هو تحسين في الأداء، ويجب أن يُتيح المعلمون الذين يُهيئون بيئات آمنة وداعمة للمتعلمين فرصة التجربة بحرية فعندما لا يخشى الطلاب الإحراج، يتحدثون أكثر، وعندما يتحدثون أكثر، يتحسنون بشكل أسرع.

الجانب العاطفي لتعلم اللغات

قد يكون تعلم لغة جديدة تجربةً عاطفيةً مكثفة، ففي بعض الأحيان، يشعر المتعلمون بالقوة، إذ يستطيعون فهم مشهدٍ سينمائي دون ترجمة أو التعبير عن رأيهم بوضوح. وفي أحيانٍ أخرى، يشعرون بالعجز، غير قادرين على شرح فكرةٍ بسيطة أو متابعة محادثةٍ سريعة. هذه الرحلة العاطفية طبيعية. فتعلم اللغة، من نواحٍ عديدة، يعني العودة إلى الطفولة. يجب على المرء تقبّل محدودية المفردات، وبساطة الجمل، وسوء الفهم. ويتطلب ذلك التواضع، لكنه في الوقت نفسه يبني المرونة، فكل كلمةٍ جديدةٍ يتعلمها المرء هي انتصارٌ صغير. وكل محادثةٍ ينجزها المرء هي إنجاز. ومع مرور الوقت، تنمو الثقة ليس فقط في مهارات اللغة، بل أيضاً في الهوية الشخصية. غالباً ما يشعر الشخص ثنائي اللغة أو متعدد اللغات بانفتاحٍ أكبر، وقدرةٍ أكبر على التكيف، ووعيٍ أكبر بالاختلافات الثقافية، ويُنمّي تعلم اللغات الصبر. فهو يُعلّم أن النمو تدريجي وأن التقدم يُبنى على المثابرة.

النهج التواصلي: التحدث محوراً

في السنوات الأخيرة، أصبحت أساليب التدريس التواصلية شائعةً بشكلٍ متزايد.  بدلاً من التركيز بشكل أساسي على تمارين القواعد، يُركز هذا النهج على التواصل الحقيقي. يتدرب الطلاب على الحوارات، وتمثيل الأدوار، والمناظرات، والعروض التقديمية.. لماذا يُعد هذا النهج فعالاً؟ لأن اللغة وُجدت للتواصل، فمعرفة القواعد دون القدرة على التحدث بها أشبه بامتلاك آلة موسيقية دون العزف عليها. تنمو الطلاقة بالممارسة. وفي الفصل الدراسي التواصلي، يكون دور المعلم أقرب إلى التوجيه منه إلى التلقين. يتفاعل الطلاب مع بعضهم البعض، ويحلون المشكلات معًا، ويحاكون مواقف من الحياة الواقعية. يتعلمون التفاوض على المعنى، وتوضيح سوء الفهم، والاستجابة بشكل عفوي. تُنمّي هذه الطريقة أيضًا المهارات الشخصية – الثقة بالنفس، والعمل الجماعي، والتفكير النقدي، ويصبح تعلم اللغة ليس مجرد تدريب أكاديمي، بل تنمية شخصية.

الوعي الثقافي والمواطنة العالمية

في عالم مُعولم، غالبًا ما تُحدد الكفاءة اللغوية الوصول إلى المعلومات والفرص. تتطلب المنح الدراسية الدولية، والمؤتمرات، والتعاون البحثي، والشبكات المهنية في كثير من الأحيان إتقان لغات واسعة الانتشار، لكن وراء المزايا العملية يكمن ما هو أعمق: التعاطف الثقافي.  عندما نتعلم لغة أخرى، نقلل المسافة بيننا وبين الآخرين. نفهم وجهات نظر كانت تبدو غريبة علينا. نصبح أقل إصدارًا للأحكام وأكثر فضولًا، ويتمتع الشخص الذي يتحدث لغات متعددة بمرونة أكبر في التعامل مع البيئات الثقافية. فهو قادر على تكييف أساليب التواصل، وفهم المعاني الدقيقة، واحترام الاختلافات. وبهذا المعنى، يُسهم تعلم اللغات في التعايش السلمي والتعاون العالمي.

تحديات تدريس اللغات

على الرغم من التقدم والابتكار، يواجه تدريس اللغات تحديات. فكبر حجم الفصول الدراسية، ومحدودية الموارد، والأنظمة التي تركز على الامتحانات، قد تحد من الإبداع. في بعض السياقات، يركز الطلاب على اجتياز الاختبارات أكثر من تركيزهم على التواصل الحقيقي. غالبًا ما تُركز الامتحانات الموحدة على القراءة والقواعد أكثر من التحدث والاستماع. ونتيجة لذلك، قد يحصل المتعلمون على درجات عالية لكنهم يواجهون صعوبة في المحادثات الحقيقية، لذا يجب على المؤسسات التعليمية الموازنة بين متطلبات التقييم والكفاءة التواصلية. ينبغي أن تقيس أنظمة التقييم المهارات العملية إلى جانب المعرفة النظرية، ويُعد تدريب المعلمين بنفس القدر من الأهمية فيجب على المعلمين تحديث أساليبهم باستمرار، ودمج التكنولوجيا بحكمة، ومراعاة الفروق الفردية بين الطلاب.

التعلم الذاتي وتحمل المسؤولية

مع أن للمعلمين دورًا محوريًا، إلا أن المسؤولية النهائية تقع على عاتق المتعلم. فالتعلم الذاتي يحوّل الطلاب السلبيين إلى مشاركين فاعلين. قراءة الكتب للمتعة، وكتابة اليوميات، والتفكير باللغة المستهدفة، ومتابعة الأخبار العالمية، والمشاركة في النقاشات الإلكترونية، كلها أنشطة تُعزز الكفاءة اللغوية. ولا يتطلب الانغماس اللغوي بالضرورة السفر إلى الخارج، بل يتطلب التعرض المقصود للغة. الاستمرارية أقوى من الكثافة الدراسية. فالدراسة لخمس ساعات مرة واحدة أسبوعيًا أقل فاعلية من الدراسة لثلاثين دقيقة يوميًا حيث تُبنى اللغة بالتكرار والترسيخ. كما أن وضع أهداف واقعية أمرٌ بالغ الأهمية. فبدلًا من السعي نحو الكمال، ينبغي للمتعلمين أن يسعوا نحو التقدم. فالتواصل، لا الكمال المطلق، هو الهدف الحقيقي.

اللغة كتمكين شخصي

لعلّ أجمل ما في تعلّم اللغة هو التمكين. فجأةً، تُفتح الأبواب، وتُصبح المعلومات في متناول اليد، وتتوسع المحادثات، ويتسع العالم. فالطالب الذي كان يعتمد على الترجمات أصبح الآن قادرًا على قراءة المقالات الأصلية، والباحث يستطيع الوصول إلى المجلات الدولية، والمسافر يستطيع التجول في المدن الأجنبية بثقة، والمحترف يستطيع التعاون على مستوى العالم. اللغة تمنح الاستقلالية، وتُمكّن الشخص من التعبير عن نفسه دون وسطاء، وتُقوّي صوته.

إن تعليم اللغة وتعلّمها فنٌّ ورحلة في آنٍ واحد. يتطلبان الصبر والإبداع والانضباط والشجاعة. يتطلبان جهدًا، لكنهما يُثمران تحولًا جذريًا. في نهاية المطاف، اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي سبيل لفهم الإنسانية. فكل لغة جديدة تُكتسب تُضيف بُعدًا جديدًا لهوية المرء، ونافذة أخرى يُطلّ منها على العالم. قد تكون هذه العملية مليئة بالتحديات، ومُحبطة أحيانًا، ومُرهقة في بعض الأحيان. لكنها دائمًا ما تُثرينا. فكل كلمة تُتقن، وكل جملة تُصاغ، وكل محادثة تُجرى، تُقرّب المتعلم من الثقة والتواصل، وتعليم اللغة هو تشكيل للعقول والمستقبل، وتعلم اللغة هو توسيع للآفاق والإمكانيات. وفي عالمٍ تتزايد فيه الحدود، تبقى اللغة من أقوى الجسور التي يُمكننا بناؤها لمحو تلك الحدود وتجاوزها لبناء عالم إنساني بحق.


ديلدورا زوجيوزوفا طالبة في السنة الثالثة في كلية الجغرافيا بجامعة أورغينش في أوزبكستان. وهي باحثة شابة نشطة ولديها اهتمام كبير بالدراسات الاجتماعية والتعليم والتنمية المستدامة. نشرت ديلدورا العديد من المقالات على المنصات الدولية، وتشارك بنشاط في المؤتمرات الأكاديمية والمسابقات الفكرية والمبادرات الجامعية. كما أنها مؤسسة المشروع الاجتماعي “خريطة الصدق” الذي يهدف إلى تعزيز النزاهة والشفافية في المجتمع. تعكس إنجازاتها الأكاديمية، وصفاتها القيادية، وتفانيها في التعلم تطلعها إلى المساهمة المؤثرة في التنمية الوطنية والعالمية.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.