اللوحة: الفنان البولندي ستيفان كريجير
ماهر باكير دلاش

أبحث عني… لكنني أجد نفسي غريبة عنّي. كأنني شخص آخر يراقبني من بعيد، يقترب حينًا، ويبتعد حينًا آخر، لا أعرف إن كان هو أنا أم مجرد انعكاس لشبحٍ أتى من المستقبل أو الماضي. هذا البحث، الذي يبدو سهلًا على الورق، يتحول إلى متاهة متشابكة، أقف عند مفارق طرقاتها، وكل طريق يفضي إلى مرآة جديدة.
أحيانًا أظن أنني أعرف نفسي. أذكر تفاصيل حياتي، أحصي أفعالي، أسترجع اختياراتي، وأحاول فهم دوافعها. لكن السؤال الكبير يظل قائمًا: هل هذا أنا حقًا، أم مجرد شخص تشكل من تراكم الأحداث والظروف والآخرين؟ أليس الإنسان محصورة هويته في ما يراه الآخرون منه أيضًا؟ إذا سألت الناس من أنا، سأحصل على مئات الإجابات، بعضها متناقض مع الآخر. فهل أنا موجود في داخلي فقط، أم أن وجودي الحقيقي هو ما يراه الناس مني؟
الفلاسفة قديمًا وحديثًا حاولوا الإجابة عن هذا السؤال. سقراط قال: “اعرف نفسك”، لكنه لم يحدد ما هي هذه النفس، وهل هي ثابتة أم متغيرة. كان دافع البحث عن الذات، عنده، هو معرفة حدود العقل البشري وفضاء الوجود الذي يسكنه. بينما نيتشه تحدّث عن الإنسان كعملية مستمرة، عن “الذات العليا” التي يجب على الإنسان أن يصنعها بنفسه، وكأنني مطالب بأن أكون صانعًا لنفسي، لا مجرد مكتشفٍ لها.
لكنني أجد نفسي أضيع أكثر عندما أفكر في الذاكرة. ذاكرتي مليئة بالصور واللحظات، بعضها حقيقي وبعضها مشوه، أحيانًا لا يمكنني التمييز بين ما حدث بالفعل وما أضفته أنا من خيال أو شعور أو تفسير لاحق. فإذا كانت ذاكرتي أساس معرفتي بنفسي، فهل أنا مجرد مجموعة من الذكريات، أم أكثر من ذلك؟ أم أنني مجرد نقطة مضيئة في بحر متغير من الانطباعات التي تتشكل مع مرور الوقت؟
أبحث عني… وأحيانًا أجد نفسي في الآخرين. أرى جزءًا مني في ضحكة صديق، أو في نظرة حنان من والدي، أو حتى في صمت شخص غريب في القطار. لكن هل تلك أنا فعلاً؟ أم أنني أبحث عن انعكاس لي في العالم الخارجي لأنني عاجز عن رؤيتي داخليًا؟ العالم يبدو أكبر منّي، ويعكس صورًا لا تنتهي. وإذا كانت الذات تتشكل من خلال التفاعل مع الآخر، فهل سأجد نفسي إذا غابت كل هذه الصور، وإذا لم يبقَ سوى الصمت؟
ثم تأتي الأسئلة الكبرى عن المعنى: هل هناك ذات حقيقية مستقلة عن كل شيء آخر، أم أنني مجرد حادثة عابرة في هذا الكون؟ كل تجربة، كل شعور، كل نجاح أو فشل، يُسجّل في وعيي، ثم يندثر. ربما يكون البحث عن الذات محاولة لإيقاف الزمن، أو لخلق شعور بالأمان في مواجهة عبثية الوجود.
لكن هناك لحظات، لحظات صافية، أجد فيها نفسي دون عناء، دون محاكاة، دون انعكاس للآخرين. لحظات أختفي فيها من كل مكان، وأصبح مجرد وجود خالص، بلا اسم، بلا تاريخ، بلا ذاكرة، بلا توقعات. هنا أجد طعم الحرية الحقيقي، طعم الوجود الخالص، بعيدًا عن أي تعريف أو وصف. هذه اللحظات قليلة، لكنها تكفي لتذكر أنني لست مجرد مجموعة من الصدف أو الظروف أو صور الآخرين عني.
أبحث عني… وربما السؤال ليس “من أنا؟” بل “كيف أكون أنا؟”. ربما الهدف ليس الوصول إلى معرفة نهائية بالذات، بل ممارسة البحث ذاته. لأن الإنسان، في لحظة صراعه مع ذاته، وفي محاولته لفهمها، يكتشف أبعادًا جديدة من الوجود، ويختبر طاقات خفية، ويجد في نفسه القدرة على الإبداع، على التسامح، على الحب، وعلى التغيير. البحث عن الذات ليس رحلة للوصول إلى نهاية، بل رحلة لفهم كيف يمكن أن أعيش.
في النهاية، أبحث عني… وأدرك أنني ربما لن أجد نهاية، ولن أصل إلى تعريف مكتمل، لكن الرحلة ذاتها تجعلني أعيش بوعي، تجعل كل لحظة من حياتي مهمة، تجعلني أرى أن وجودي ليس حدثًا واحدًا، بل سلسلة من اللحظات، سلسلة من التساؤلات، سلسلة من المحاولات المستمرة لفهم نفسي في مواجهة العالم وفي مواجهة نفسي.
ربما يكون هذا هو جوهر البحث عن الذات: قبول أننا لسنا ثابتين، أننا نتغير، وأننا موجودون في كل لحظة بطرق مختلفة، وأن هذا الاختلاف هو ما يجعلنا نفكر، نتأمل، ونبحث، بلا توقف، عن أنفسنا…