متعة الترحال.. قراءة في مجموعة «من مذكرات أستاذة» القصصية لسعاد الراعي 

متعة الترحال.. قراءة في مجموعة «من مذكرات أستاذة» القصصية لسعاد الراعي 

د. عادل الحنظل

العمل الأدبي الإبداعي، مهما اختلف جنسه، لا يمكن وضعه خارج العلاقة الوطيدة بين روح الكاتب وعقلية المتلقي، كلاهما يبحث عن شيء ما، وبغيره، لن يكون للإبداع من مكان. يتملك القارئ للرواية أو الشعر، الإحساس بالقرب من صاحب الكلمات، لأنه بلا تعقيد، يشعر أنه اقترب من روحه التي وضعها مخفية بين الكلمات، وربما هذا بالذات، ما يريد الكاتب أن يوصله لنا، نحن القراء. لعل هذا ما شعرت به وأنا أتصفح القصص القصيرة، الغزيرة، التي احتواها غلافا كتاب (من مذكرات أستاذة)، للأستاذة سعاد الراعي. 

يضم الكتاب قصصًا تسعة، تبرع الكاتبة في الانتقال بها في عوالم من الشخصيات التي، بلا شك، قد خبرتها وفهمت جوانبها النفسية بعمق. الأستاذة ذاتها تتسم بشخصية متزنة، حكيمة، ذات عمق فكري وأخلاقي، وتستطيع أن تتحول من حالة الدهشة والمرارة الى حالة الهدوء والتفكير العميق. تنتظم تلك القصص القصيرة جميعها بخيط يمثل الصراع الجدلي بين الحداثة والتقليد، الهوية والانتماء، وإشكالات الغربة بما تلقيه من ظلال قاتمة على المعترك النفسي. 

لو جاز لي، كقارئ ومتذوق، أن أوجز الرأي في القصص التسعة، فأنني سأضع القصة الأولى المعنونة “ان شاء الله يا أستاذة” في ساحة الصراع الأيديولوجي بين أستاذة علمانية وطالب متشدد، اختارت الحجاب لكي يكون مادة للحوار حول اشكالية الدين والتأويل الشخصي. وفي قصة “ذاكرة في ظلال الغياب” تصوير مؤثر لما تعانيه الشيخوخة من وحدة مصحوبة بخيبة أمل، لتطرح مشكلة إهمال كبار السن من ذويهم. القصة الثالثة التي توشحت بعنوان “عندما يكون الفكر ثالثهم”، وهذه استعارة ذكية، نرى احتدام الجدل بين أستاذة وطالب حول حرية الاختلاط ودور الشيطان فيها، إنها ببساطة تحويل الجدال الديني الى دفاع جاد عن العقلانية. أما معضلة تحويل العلاقة الإنسانية الى مادة فكان جوهر القصة الرابعة التي شخصت معاناة زوج يتحطم تحت وطأة خيبة الأمل في الإنجاب لتتحول تلك الخيبة الى صراع بين الضعف والكبرياء. وفي قصة “في حضرة الأستاذة” فقد صورت العلاقة المخلخلة بين أستاذة وطالب يبعث لها رسائل غامضة بأسلوب مشوق يلخص الإعجاب المرَضي إن صح التعبير. تتسم القصة السادسة “عقدة كاتب” بتحليل نفسي دقيق لعقد النقص والتكبر، والسخرية اللاذعة، الممثلة بنرجسية كاتب يتبختر في حفل لزميل له، إنها تصوير جميل ومتقن لما يمكن تسميته الأنانية المثقفة. وقد حرصت الكاتبة في قصتها الأخيرة “الدرس الأخير” أن تترك لنا نهاية سائبة للتفكير وهي تخوض في موضوع شائك يتناول تعلق طالبة بأستاذتها في بيئة محافظة تحرم حتى الحديث في موضوع كهذا. 

حرصت الكاتبة أن تسرد الأحداث، وهي أحداث واقعية، بأسلوب، يمكننا أن نسميه النثر المتأنق، تتخلله لمسات شعرية، تعبّر عن انفعالات وجدانية. اهتمت الكاتبة أن تكون أغلب شخوص قصصها من النساء، ربما لأنها تفهم اختلاجات الأنثى بصورة أوضح وأدق. ومن الواضح أن الغربة والترحال، الذي استمر لأمد غير قصير، قد خلّف في نفسية الكاتبة الكثير من المرارة والألم، وهذا ما عبرت عنه بجلاء في قصة اللاجئة السورية التي روَت فاجعة هروبها وموت والدتها. 

ان القوة في القصص تكمن في العمق الفكري والنفسي، والجرأة في طرح المشاكل التي قد يتردد الكثيرون في الخوض فيها، اضافة الى اللغة الأدبية الرصينة التي أولتها الكاتبة الكثير من العناية. ان امتلاك الكاتبة الوعي والوضوح في القضايا الاجتماعية أهلّها أن تبدع في وصف الاختلاجات النفسية لشخوصها. يذكرنا هذا بأسلوب غادة السمان وألفة الأدلبي في تعاملهن مع الصراع النسوي في المجتمع، مع مراعاة اختلاف الأسلوب والطرح لكل كاتبة.

ليس لي بعد تمتعي بقراءة تلك القصص التسعة إلا أن أتمنى على الأديبة المبدعة سعاد الراعي أن تتحفنا بالمزيد من إبداعها المميز في سرد القصص الملتصقة بالواقع الذي عاشه كل مغترب، باختلاف الطرق والبقاع.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.