ثرثرة العواجيز – المصعد

ثرثرة العواجيز – المصعد

اللوحة: الفنان الألماني ويلهلم رونز

صادق: هل تعلم أنني أدعو على الأسانسير في بنايتنا كل يوم؟

صالح: تدعو عليه؟! وأنت ساكن في الدور السابع؟

صادق: نعم… أدعو عليه وأركبه كل يوم.

صالح: هذه أول مرة أرى إنسانًا يلعن وسيلة نجاته!

صادق: وما الغرابة في الأمر؟ هناك من يلعن زوجته ليل نهار ولا يستطيع الاستغناء عنها، ومن يلعن مهنته رغم أن فقدها قد يخرّب معيشته. فاللعن شيء… والاعتماد شيء آخر.

صالح: حسنًا يا صديقي، منطقك مقبول. لكن ما جريمة هذا المصعد حتى تنقم عليه؟

صادق: دعني أسألك أولًا… هل تذكر ما قاله أمين معلوف عن مصر في زمن الاستعمار الإنجليزي؟

صالح: ذكّرني.

صادق: قال إن أحد أسباب عظمة مصر آنذاك هو الهجرات التي استقرت فيها من كل بلاد الدنيا. وطلب أن ننظر إلى أسماء العاملين في الأفلام المصرية القديمة، فسنجدها من كل بلاد وأديان العالم.

ثم قال فكرة غريبة: كلما خلصت البلد لشعب واحد فقط، تحولت شيئًا فشيئًا إلى ما يشبه المستنقع، فتتراجع المواهب والإبداعات. وشبّه الأمر بزواج الأقارب الذي يورث الأمراض.

صالح: نعم… أذكر أننا تحدثنا عن هذه الفكرة.

صادق: وأنا أعتقد أن المصعد فعل في بناياتنا شيئًا يشبه زواج الأقارب.

صالح: كيف ذلك؟

صادق: لأنه جعل كل أسرة تنغلق على نفسها. دعني أسألك سؤالًا: هل تتذكر أصوات الأقدام في السلم أيام طفولتنا؟

صالح: تقصد حين كان الجيران يصعدون ويهبطون طوال اليوم؟

صادق: نعم. هل تتذكر كيف كانت الأحاديث تتسرب إلى بيوتنا؟ كيف كنا نعرف أخبار العمارة كلها دون أن نغادر الشقة؟ أما اليوم فالصمت هو سيد الممرات. تخيل أنني حين تنقطع الكهرباء عن البناية أبقى قرب باب الشقة فقط لأستمتع بوقع الأقدام وهي تصعد السلم.

صالح: كل هذا بسبب المصعد؟

صادق: نعم يا صديقي… هذا الأنبوب المعدني اختصر الطريق بين الشقة والشارع، لكنه اختصر أيضًا اللقاءات بين الناس. في الماضي كان الإنسان يصعد السلم فيلتقي جارًا ويسأل عن حاله، ويقف دقيقة مع آخر، ويتعرف على ثالث. أما اليوم فيدخل المصعد وحده… ويخرج منه وحده.

صالح: لكن لا تنسَ أن التكنولوجيا عوضت هذه الأشياء. من يحتاج نصيحة أو خبرة يجدها في الإنترنت.

صادق: دعني أسألك بصراحة؛ كم نصيحة أخذتها من الإنترنت وغيرت حياتك؟ وكم كلمة سمعتها من جار وظلت في ذاكرتك سنوات؟

صالح: ربما لأن نصيحة الجار كانت مغموسة بالمشاعر.

صادق: بالضبط. المعلومة حين كانت تأتي من الجار كانت تأتي مغموسة بالتجربة والاهتمام، أما الآن فهي معلومة باردة… بلا روح.

صالح: فهمت ما تقصده. لكن هل عندك حل لهذه المشكلة؟

صادق: فكرة بسيطة.

صالح: قلها بسرعة.

صادق: لماذا لا تستضيف الأسر أولاد الجيران يومًا كاملًا؟ أو ليلة واحدة؟ تخيل مثلًا ثلاث أو أربع أسر في بناية واحدة. يجتمع البنات في بيت واحد يومًا كاملًا، ويجتمع الأولاد في بيت آخر. يأكلون معًا، يتحاورون، يسمرون، ويمضون يومًا كاملًا بلا موبايل ولا شاشات.

صالح: وماذا تتوقع من هذه التجربة؟

صادق: التعارف يا صديقي. أليس الله يقول “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”. لقد أوقفت الآلة الحديثة تيار التعارف الذي كان يسري بين الناس بلا تكلف. لو تكررت هذه اللقاءات ستنشأ بينهم روابط، وسيتعلم كل واحد شيئًا من الآخر.

صالح: لكن هذا الاقتراح قد يسبب مشاكل… اتهامات وحساسيات بين الأسر.

صادق: أعرف ذلك. سيقولون فلان أفسد ابني، وفلان حسد بنتي، وفلان يتحرش بابنتي، وفلانة تذكر فلانة بسوء.

صالح: إذن ما الحل؟

صادق: الإصرار على العلاقات. العلاقات مثل العضلات… إن لم نستعملها تضمر وتموت. لا بد أن نتعلم كيف نعيش مع بعضنا بواقعية، فنكثر خير العلاقات… ونقلل شرها.

صالح: ولكن الناس أصبحوا يميلون إلى العزلة.

صادق: وهنا المشكلة. العلاقات مثل الماء الجاري، إن تركناه يسري نظف الأرض وأحياها، وإن حبسناه تعفن وصار مستنقعًا. والمشكلة يا صديقي ليست في الناس… بل في أن الأبواب أُغلقت أكثر مما ينبغي.

اترك رد