سحر علي النعيم
اللوحة: الفنان الياباني تاكوشي سيهو
ظلّ الشعر فنًّا معروفًا بقيمته الرفيعة؛ لامتلاكه القدرة على تجسيد ما يعصف داخل الأعماق البشرية من خلال كلماته المطرزة بصورٍ بلاغية وإيقاعاتٍ موزونة، وقد وصفه الشاعر والفيلسوف إمرسون بأنه: “صوت الروح”.
ولأن لكل جنس أدبيّ ألوانه المتعددة والمتجددة، فمنذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أصبح عند العرب جنسًا شعريًّا جديدًا بحلةٍ تبدو بسيطة ورشيقة، نُقل من الحضارة اليابانية باسم “قصيدة الهايكو”.
والهايكو تعني باليابانية “طفل الرماد”، ويُكتب من بيت واحد فقط مكون من سبعة عشر مقطعًا صوتيًّا في ثلاثة أسطر بتوزيع خمسة مقاطع في السطر الأول، وسبعة في السطر الثاني، وخمسة مقاطع في السطر الثالث والأخير، ووفقًا لتعريف الشاعر الياباني “سونو أوتشيدا” فقصيدة الهايكو هي: قصيدة قصيرة عن الطبيعية، تتألف من 17 مقطعًا صوتيًّا، تتضمن كلمة دالة على فصل من فصول الطبيعة، ترمي بشكل خاص إلى التذكير بوحدة أو تناغم الإنسان مع الطبيعة”.
ولقد كان “ماتسو باشو” الهايجين الأكبر هو المعلم الأول لقصائد الهايكو المرتبطة بالتصوف البوذي المتمثل في طائفة “الزن”، وقد نشأت هذه القصائد عن شكل شعريّ قديم كان سائدًا في اليابان منذ قرون يسمى “الرينغا” وهي قصيدة تلتزم بالتطرق إلى الفصول الأربعة وإلى ذكر قرائن لفظية ضمنية أو صريحة تسمى في اليابانية “كيغو”، وتكتب “الرينغا” بشكل جماعي من خلال عدد من المؤلفين، تشبه في ذلك شعر المحاورة عند العرب.
يطلق على كاتب قصيدة الهايكو مصطلح “الهايجين” إذا كان متمرسًا في الهايكو ولديه مجموعة نُشرت في كتاب، أما” سيّد الهايكاي” يطلق من قبل جمعيات الهايكو المرموقة للكاتب الذي حقق أعلى مستوى من الإتقان في قصيدة الهايكو، و”سيّد الهايكو” إذا حصل على تقديرٍ واعتُرف به في مجتمع الهايكو، وعن كلمة “الهايكيست” التي يستخدمها العرب فهي ترجمة إنجليزية حديثة نسبيًّا ولا تستخدم على نطاق واسع في اليابان.
طريق قديم
لا يسافر أحد بهذه الطريقة
سوى صوت الخريف.
«ماتسو باشو»
وصلت قصائد الهايكو إلى البيئة العربية عن طريق الترجمات سواءً كانت من خلال اللغات الوسيطة كالإنجليزية أو مباشرة من اللغة اليابانية، وقد اعتبره العرب في بدايته شكلًا من أشكال شعر النثر المعاصر، وهناك من يزال متمسكًا بهذا الرأي؛ وذلك لخلوه من القافية والوزن، ويتضح من تجارب الشعراء الأولى الحثيثة المتواضعة لهذا اللون قصور فهمهم له؛ حيث كانت تُكتب قصائدهم دون الالتزام التام بشكل “الهايكو” وقواعده، وعلى الرغم أن من أسباب نجاح “قصيدة الهايكو” واقتراب شعراء العرب من عوالمها هو “قصرها وكثافتها”، إلا أن ذلك كان أيضًا سببًا في اشتداد النقد وإثارة الجدل حولها، كما أن هناك تشتت بينها وبين الأجناس الأدبية الأخرى القصيرة جدًا!.
أيها الظل
كم أحسدك
لا تؤلمك أشواك ولا أحجار مسننة.
«رشيد قدوري أبو نزار»
في عام 1982م، أقيمت في المغرب أول مسابقة لقصيدة الهايكو في العالم العربي، وقد شارك السفير الياباني آنذاك شخصيًّا في حفل توزيع الجوائز، منذ ذلك الحين وأصبح لقصيدة الهايكو حضورًا لافتًا في نافذة الشعر العربي، أدى إلى انطلاقةٍ في مواقع التواصل الاجتماعي أسفرت عن صفحاتٍ ونوادٍ وجمعياتٍ شتى مختصةٍ بـ قصيدة “الهايكو”، وازديادٍ في عدد “الهايكيست”.
على حافة البئر
الدلو
يملؤه المطر.
«سامح درويش»
ذكر الشاعر السعودي حيدر العبد الله في أطروحته للهايكو العربي “مهاكاة ذي الرُّمة” تعريفًا للهايكو يراه بمنظوره العربي مناسبًا، فوصفه بأنه: نص شعري متصوف، يربط الإنسان بالطبيعة ويقال في نفس واحد”، وقد اقترح للهايكو صيغة عربية بـ استعارة فكرة قصيدة الهايكو اليابانية وتطبيقها بأدوات عربية مثل الطبيعة والإيقاع:” نستعير من اليابانيين قنينة الهايكو فارغة؛ لنملأها من عطر صحرائنا العربية، وعصارة أريافنا”.
ورغمًا عن الشغب الذي يدور حول قصيدة الهايكو إلا أنها من أي نافذة تطل منها ستجد فيها متعة تجبر كاتبها على استخدام جميع حواسه لملاحظة التفاصيل الدقيقة والجميلة من حوله والتي في العادة لا يلتفت لها، مختزلًا إياها في ثلاثة أسطر عذبة تنبض بالحياة.
في ظل شجرة
يقفز طائر على غصن
صوت الطبيعة
«أحمد الشهاوي»
حوار مع شعراء قصيدة الهايكو
لأن هناك الكثير من الأراء والأقوال والمعتقدات حول “قصيدة الهايكو”، استضفنا ستة من كتاب قصيدة الهايكو هم: المصرية حنان عبد القادر، المغربي سامح درويش، الكردية تيروز آميدي، السعودي د. أحمد يحيى القيسي، المغربية مريم الحلو، والسعودي عبد الله أحمد الأسمري، وطرحنا عليهم أسئلتنا؛ وكانت عن الأسباب التي جعلت “قصيدة الهايكو” دائمًا تحت ضوء النقد القاسي، ما جعلها لا تحظى بما تستحقه من اهتمام في العالم العربي، وكيفية التفريق بين هذه القصيدة وباقي الألوان الأدبية القصيرة جدًا كالشذرة والومضة والحكمة والقصة القصيرة جدًا، وكيفية توطين هذه القصيدة في الثقافة العربية دون المساس بقواعدها وضوابطها، خصوصاً وأنها تقوم على ركائز مناسبة للحضارة اليابانية. وهل يمكن أن يكون لثلاثة الأبيات القصيرة هذه، الحاملة لعمق فلسفيٍّ كبير، مدرسة شعرية مستقلة في المشهد الشعري العربي؟
***
الشاعرة المصرية حنان عبد القادر

عن رؤية الشاعرة المصرية «حنان عبد القادر» لردات الفعل العربية حول قصيدة الهايكو تقول: «لقد أحدثت قصيدة الهايكو حالة جدلية في الأوساط العربية، فهناك من رآها دخيلة على ثقافتنا، وهناك من ألبسها ثوب الشرعية، وإن عدنا بالذاكرة قليلًا، وجدنا أن قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر بدأتا هكذا، وتبعهما العديد من الأشكال، فقد ظهر عمود الشعر القديم لكنه استطاع أن يثبت وجوده بفضل الشعراء الذين عملوا على التأصيل له غير بعيدين عن الذائقة العربية التي ما زالت لليوم تتمسك بعمود الشعر وكلاسيكياته، فحافظوا على الوزن دون القافية، وتبعته قصيدة النثر كذلك، والتي ما تزال تحارب بشراسة حتى الآن.
ودعوني أقول إن الإنسان في موروثاته الجينية، عدو ما يجهل، ولا يحب الإقدام على اعتناق فكرة جديدة تخالف معتقداته، فالتغيير يربكه؛ لذا تجدونه ما زال يتمسك بالقصيدة القديمة ويدافع عنها بشراسة، لكني وبشكل شخصي أنحاز للتجديد، كما قال رامبو: “ينبغي أن نكون حداثيين بشكل مطلق” فلا غضاضة من التجريب، إذ كيف لنا أن نتغير إن لم نتأثر بثقافة الآخر، وأتفق معكم تمامًا فيم ذهبتم إليه، فلم تحظ قصيدة الهايكو بالفعل، بما تستحقه من قراءة وفهم ونقد، بل لم يجرب الكتابة فيها من المجيدين غير القليل».
واستطردت عن الفروق بينها وبين الأجناس الأخرى موضحةً: «في الحقيقة، لا توجد حدود مرسومة واضحة بين تلك الأجناس الأدبية التي ظهرت حديثًا، وإنما هي معالم تتسع أحيانًا وتضيق، وكلما كانت النصوص أكثر إيجازًا ضاقت الحدود، ومع ذلك فهذا لا يلغي الخصائص التي قد تصنع الفروق الجوهرية بين تلك الأجناس مهما تماهت مع بعضها، فربما تتقاطع لكن من دون أن تتطابق تمامًا.
إن قصيدة الهايكو في نظري تشبه فن التصوير والرسم، فهي رسم بالكلمات، وهي تشبه فن السينما الذي يعرض لك لقطة في ثوان معدودة، لكنها تعبر عن تجربة عميقة بما تحمله من معان، وكأن الشاعر هو المخرج والمصوّر الفوتوغرافي والرسام، يجتمعون سويًا لالتقاط صورة للطبيعة، وربطها ببعد تأملي يحمل الكثير من المواقف الفلسفية.
وتتصف قصيدة الهايكو بالبساطة الخادعة حيث تتميز بقوة مضامينها وتتطلب عمقًا روحيًّا رغم احتفائها بمفردات الطبيعة البسيطة، ففيها تركيز على التفصيلات، واللقطات المقرّبة المستلهمة من الطبيعة، وإبداع الصورة فيها يأتي من تجاور واقعين متباعدين نسبيًا، وبقدر ما تكون الروابط بين الواقعين المتجاورين بعيدة ودقيقة بقدر ما تكون الصورة متماسكة ذات زخم انفعالي وتتمتع بالواقعية الشعرية، حيث تحدث ما نسميه الدهشة.
ودعوني في هذا المكان أستعرض معكم ومع القارئ نموذجًا قديمًا لنص من نصوص الهايكو للشاعرة اليابانية “شوكيو ناي” التي عاشت في منتصف القرن التاسع عشر، لعلها تسوق مثالًا عمليًّا يوضح ما قلته، حيث تقول الشاعرة:
البنفسج هنا وهناك
بين أطلال
بيتي المحترق
الشاعرة هنا تعرض مأساة تعرضت لها، حين عادت فوجدت بيتها قد احترق، ولم يتبقَ منه إلا الأطلال، لكنها وقفت تتأمله مليًّا، فلمحت تلك الأزهار التي ما تزال رغم النيران والحرائق تنبت هنا وهناك، ووجدت نفسها أمام أمرين: الحزن والبكاء على اللبن المسكوب، أو النظر إلى الغد بشيء من أمل لمواجهة الشدائد والمضي قدمًا في الحياة.
وهي في هذا النص حولت الصورة الشعرية إلى لقطة سينمائية أو فوتوغرافية، جمعت فيها المفارقات والمتناقضات والنهاية المدهشة في عدة كلمات: زهور البنفسج النابتة هنا وهناك، وهي رمز للأمل واستمرار الحياة، لكنها تنبت بين الأطلال وليست أي أطلال بل أطلال بيت محترق، يعني الموت والفناء، وفي نفس الوقت لا يخلو النص من الحزن العميق، والرؤية الفلسفية»
أما عن سؤال كيفية كتابة قصيدة هايكو عربية دون المساس بضوابطها اليابانية فتُفسر الشاعرة حنان عبد القادر: «سر كتابة قصيدة هايكو رائعة هو أن يكون الشاعر متيقظًا لكل نواحي الجمال في الطبيعة، وتركز قصيدة الهايكو على التفاصيل التي تتعلق بحالة الإنسان الذي يتأمل وينقل شعوره المدهش بما يرى، فعندما يستوقفه منظر طبيعي لدرجة أنه يدفعه ليقول للآخرين: يا الله! انظروا لهذا! هنا نكون بالفعل أمام موضوع يصلح لكتابة الهايكو، وهو تماهٍ عميق مع الطبيعة والنفس الإنسانية؛ فالسر في كتابة نص هايكو ناجح أن تكون متيقظًا لنواحي الجمال التي لا ينتبه لها غيرك، لتلفت النظر إليها وتحملها فلسفتك الخاصة، فإذا استطاعت قصيدة الهايكو العربية أن تحافظ على ذلك وتتمثله، فهي بالتأكيد نجحت بجدارة في الوجود على الساحة بسماتها المتميزة مع الحفاظ على ركائز قصيدة الهايكو الأصيلة وفلسفتها».
وختامًا عن استقلالية قصيدة الهايكو بمدرسة شعرية تعبّر الشاعرة «حنان عبد القادر» قائلة: «على الرغم من إحجام النقاد العرب، والكثير من متذوقي الشعر عن الاعتراف بوجود مدرسة شعرية مستقلة لشعر الهايكو، وإلحاقه بقصيدة النثر تارة، وبالومضة تارة، إلا أنه من الممكن حدوث ذلك، فمن كان يتوقع مثلًا، عندما اجتاح شعر التفعيلة الفضاء العربي أن تصبح له مدرسته؟ وقد أصبح الجنوح نحو كتابة هذا الفن سمة ظاهرة في المشهد الأدبي العربي، وامتلأت الساحة الأدبية الآن بالشعراء الذين يرون أن هذا اللون يعبر عنهم، إن الأمر يحتاج للصبر ومزيد من الوقت، والعمل في جدية لتأصيل ذلك».
***
الشاعر المغربي سامح درويش

وردًا على التساؤلات التي وجهتها مجلة “القلم” لضيوفها الأعزاء يجيب الشاعر المغربي «سامح درويش»: “بالرغم من المقاومة المسعورة ضد قصيدة الهايكو في الشعرية العربية الحديثة، وبالرغم مما تنفثه العقلية الجمالية المحافظة في أوساطنا الثقافية من تحريض ضد هذا اللون الشعري العالمي الذي يقدم نفسه في مشهدنا الثقافي باعتباره مقترحًا شعريًّا وجماليًّا يمكن أن يفيد الشعرية العربية في تشذيب أغصانها الشائخة وتجديد أدواتها الفنية، أقول أن قصيدة الهايكو ماضية نحو فرض نفسها في مشهدنا الشعري العربي؛ لأنها تعد زخم أجيال شعرية عربية معاصرة ترغب في فتح أفق لتلاقح الشعرية العربية مع نظيراتها عبر العالم، كما أن قصيدة الهايكو قد بدأت تستقطب المئات من الشباب الراغبين في ولوج عوالم الشعر والأدب، وتشهد حضورًا متزايدًا في نشر الدواوين وتنظيم الفعاليات الثقافية وتأسيس الأندية المهتمة بالهايكو، بدأت تحظى كذلك باهتمام كثير من الدارسين الأكاديميين والنقاد، فبتنا نتعرف على أطروحات جامعية أكاديمية، ونقرأ أنطولوجيات وكتبًا في نوع الهايكو على المستوى العربي.. وليس في وسع أحد أن يقف الآن في وجه هذا الزخم”.
ويسترسل: “بودي أن أغتنم فرصة طرح هذه الأسئلة كي أشير إلى أن مهمة شعراء الهايكو في توطين هذا النوع الشعري على أرض الشعرية العربية ليس بالأمر السهل، بل ربما يكون الأمر أكثر صعوبة قياسًا إلى شعريات أخرى عبر العالم؛ ذلك لأن العرب يعتبرون الشعر ديوانهم الأزلي، وعلى من يريد أن يكتب الهايكو أن يأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار ويكون قادرًا على تقديم نص شعري مقنع للذوق العام بما يقترحه من جماليات، ويكون قادرًا على إيجاد بدائل جمالية للمجاز الذي يشكل عصب الشعر العربي بأشكاله التقليدية والحديثة، كما ينبغي أن يكون قادرًا على تقديم قصيدة هايكو لا تختلط بأشكال الأدب الوجيز المجاورة، وأن يكون قادرًا على استدخال أدوات فنية وبلاغية غير تلك التي ألفها الذوق العربي العام، وذلك طبعًا عبر كتابة هايكو بخصائصه المتعارف عليها عالميًّا وليس يابانيًّا فحسب، وتتمثل هذه الخصائص في جعل تأمل الوجود والكون والحياة مدخلًا للكتابة وليس اللغة وأحابيلها، وفي التجرد ما أمكن من سطوة المجاز إلا بالجرعة التي يقتضيها البناء الداخلي للنص، وفي ما يسمى بالتنحي أي جعل الطبيعة والحياة تتحدثان عن نفسيهما بدون هيمنة لأنا الشاعر وجعل نفسه محورًا لعملية الكتابة، بمعنى أن الخلفية الوجودية للهايكو هي أن الإنسان هو ذرة في هذا الكون، هو نقطة متناهية الصغر في الطبيعة وليس سيدًا عليها، من هنا فالأحرى بالإنسان أن يكون متواضعًا أمام هذه الطبيعة. هذا علاوة على الأدوات الفنية لكتابة الهايكو من بساطة في اللغة وتفاد للقعقعات والزخارف البلاغية والبيانية والبديعية، ومن مشهدية وآنية في التقاط هذه المشهدية باعتبار الهايكو شعر اللحظة والقبض عليها ومنح وجودها الزائل إمكانية للبقاء، ومن تكثيف وتقشف في الكلمات وغير ذلك من المكونات التي من شأنها أن تجعل الفرق واضحًا بين قصيدة الهايكو وباقي الأشكال القصيرة المجاورة”.
كما يشير الشاعر «سامح درويش» إلى أن: “قصيدة الهايكو ليست شكلًا تامًا ونهائيًّا ومحنطًا، بل هي مفتوحة على التجديد باستمرار في اليابان نفسها، وبالرغم من أن هناك بعض الخصائص في قصيدة الهايكو تهم الحضارة اليابانية وحدها مثل التوزيع المقطعي الصوتي، فإن هذه القصيدة قد هاجرت إلى كل شعريات العالم، لتتم كتابتها بكل لغات الأرض تقريبًا، وتضع كل شعرية لمستها الخاصة عليها، بمعنى أن الهايكو في الشعرية العربية ينبغي أن يتخذ في النهاية صبغيات الثقافة والحضارة العربية، وأن يفتح أفقًا مغايرًا ومثريًا للشعر العربي الذي يشهد بدوره تحولات مستمرة. أما عن الإيقاع فهو محمول في اللغة، ويكون هذا الإيقاع أصدق وأوقع وأكثر إقناعًا حينما تكون هذه اللغة تلقائية، عفوية، وغير متكلفة كما هو مطلوب في الهايكو”.
ويرى أنه: “يمكننا – كعرب – أن ننصت بعمق للشاعر الأمريكي “روبرت هارس” حين يقدم مقاربة جديدة لرسالة الشعر وأدواره وأيضًا لمفهومه، وحين يتحدث عن الهايكو ليس بوصفه “دخيلًا” على الثقافة الأمريكية كما ينعته الكثيرون عندنا، بل بوصفه فرصة ثمينة لإعادة النظر في رؤيتنا للوجود وإعادة إحساسنا بالموجودات، بل إعادة النظر في معنى الحياة، وإذ اعتبر “هارس” الهايكو تدوينًا صادقًا للحظة ثرية فإن ذلك قد تجلى في تجربته الشعرية برمتها حين ترك الشعر يتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية والشخصية بدون مساحيق بلاغية، وذلك هو ديدن الهايكو بالذات، حين يحاول الإمساك باللحظة من زاوية غير معهودة ويعيد اكتشاف الأشياء المعروفة من زاوية نظر غير مألوفة، أما عندما يتحدث عن تدوين الصمت فإنه يكون قد وصل إلى أعماق هذا اللون الشعري الذي يجمع بين الكتابة بالرسم والكتابة بالمحو، المحو هنا بمعناه الوجودي الذي يعني الخلق المتجدد، وإذا كان حيز الفراغ أو الصمت تملؤه الطبيعة باستمرار، فإنه في الهايكو يملؤه الإنسان بأبعاده الشعورية والروحية. من هنا فإنني أعتبر أن اللغة والثقافة العربيتين يمكن أن يشكلا حضنًا دافئًا وثريًّا لتربية الهايكو، وبالتالي يمكن أن تصبح قصيدة الهايكو ذلك اللقاح الذي يجعل شعريتنا أجود إنتاجًا”.
***
الهايكست الكردية تيروز آميدي

من جانبها توضح الكاتبة والهايكست الكردية «تيروز آميدي» الفرق بين الهايكو وباقي الألوان الأدبية القصيرة جدًا حيث تصف أنه:” عند ظهور الهايكو كان مؤلفًا من سطر واحد وسبعة عشر مقطعًا وفيما بعد قُسم إلى ثلاثة أسطر والفرق بين هذا الجنس والأجناس الأخرى أنه السهل الممتنع؛ فالسطر الأول يلتقط صورة من الطبيعة أو ما يشير إليها والسطر الثاني يُظهر الحدث أو ما يؤول إليه مع ما يحمل من عمق فلسفي أو وجداني، أما السطر الثالث فيجمع السطرين ببلاغ مباغت أو ينهيها بشكل غير متوقع يجعل الإنسان يفكر ويحلل فيما يأتي، أما الشذرة والومضة والحكمة فلهم قواعد أخرى كونها نصوص أدبية تنبه وتوعز للقارئ قصد المؤلف بشكل مباشر وتفتح ذهنه لما يؤول إليه، والقصة القصيرة جنس آخر مختلف كليًّا عن سوابقها”.
وتكمل فيما يخص المشهد العربي للهايكو: ” لكل أمّة طبيعتها وخصوصيتها الجغرافية وطقوس دينية واجتماعية مختلفة، وهذا الاختلاف يمكن أن يضيف جمال وغنى للأدب عمومًا وفي هذا الوسط بالذات كما في سائر المجتمعات والأوطان الأخرى؛ كون الهايكو بدأ في الوسط الديني البوذي وتطور وانتشر فيم بعد، كما من الضروري أن يكون له مدرسة شعرية مستقلة عن الأصناف الأدبية الأخرى كما سائر الأجناس.”
***
الكاتب السعودي د. أحمد يحيى القيسي

ينظر الكاتب السعودي الدكتور «أحمد يحيى القيسي» إلى التردد العربي حول الهايكو بأنه: “من الطبيعي أن يتوجس الناس من كل جديد، المشكلة ليست حكرًا على الهايكو وحده، فالأنواع الشعرية التي سبقته في المجيئ ووجهت بمثل ما ووجه به الهايكو، فما ظنكم بنص شعريته مغايرة تمامًا للشعرية العربية!. ربما يكون التلقي في هذه المرحلة أفضل بكثير مما سبقتها، لا سيما أن هذا النص أصبح له حضور في المشهد الأدبي، كما أنه يثير الفضول والتساؤلات. يؤكد هذا الحرص على حضور الدعوة التي تلقاها (نادي الهايكو السعودي) للمشاركة بجناح خاص في (ملتقى الشعر الخليجي) الذي أقيم في الطائف مؤخرًا، ناهيكم عن الدعوات الكثيرة الموجهة إلينا لإحياء أمسيات تعريفية لهذا الفن.
يومًا بعد يوم يثبت لي (التلقي) أن الهايكو خطا خطوات ناجحة في العامين الأخيرين، وأصبح محل اهتمام صناع المشهد الأدبي، وأنا متفائل له.
ولا أخفيكم أن النقد القاسي في البدايات كان لابد منه؛ خاصة أن هناك من قدم هذا الفن بصورة مشوهة، وشجع على دخول من لا علاقة لهم بالأدب والإبداع إلى هذا المضمار، ولكن بجهود المخلصين بدأت الرؤية تتضح للآخرين”.
وأضاف في مسألة التفريق بين الهايكو وبين باقي الأجناس الأدبية:” لعل هذا يكون امتيازًا للهايكو، فهو لا يقبل تجاوز محدداته كبقية الأجناس الأدبية الأخرى التي تقبل التحاور والتفاعل فيما بينها؛ فالهايكو لابد أن يكون هايكو دون اشتباه.
يمكن أن نطلق على الومضة شذرة، على الرغم من الطبيعة الشعرية للومضة، والخلفية الفلسفية للشذرة، سوى أنهما تداخلا، وقد يدخل العنصر القصصي/السردي ضمن مكونات القصيدة، لكن ذلك لا ينطبق على الهايكو، فهو لا يلتقي مع فنون الأدب الوجيزة إلا في التكثيف والاختزال. الهايكو نص الواقع المعاش، أو النص الذي نلتقطه من الحياة اليومية المعاشة للشاعر، فهو يشترط المشهدية/ الصورة التي تبتعد عن الخيال أو المجاز أو الأنسنة، والتي يقدمها الهايكست وفق رؤيته الخاصة. ولعل هذا هو الفارق الجوهري الأكبر، أما الحديث عن خصائصه وتفاصيله فالمجال لا يتسع هنا للحديث عنها”.
أما عن ركائز الهايكو للحضارة اليابانية فيردف القيسي:” لم يعد نص الهايكو يابانيًّا، لابد أن ننظر إليه من منظور آخر، وهو العالمية، عندما نقل الشاعر الأمريكي “أزرا باوند” هذا النص إلى الإنجليزية وضع له صيغة تناسب خصائص لغته، وهي في الحقيقة تناسب كل اللغات؛ لأنه تجاوز بها العراقيل التي تواجه انتقال هذا النص إلى اللغات الأخرى. لذا أكسبت صياغته الجديدة الهايكو صفة العالمية، ثمة مقومات لابد وأن تتوافر في الهايكو بأي لغة يُكتب بها، كالمشهدية والآنية والتكثيف والتنحي؛ فهي اشتراطات كبرى تميز هذا النص.. ومحاكاته للإيقاع العربي واردة شريطة التزامه بما سبق”.
وينهي حواره بتأكيده أن: “للهايكو مدرسة مستقلة لا في مشهدنا الشعري فحسب، بل في كل أدب من الآداب، وشخصيته تتشكل بوضوح في المشهد الشعري العربي، فعندما نذكر الهايكو في أي بلد عربي فإننا نشير إلى أسماء بعينها، وإلى نصوص بعينها لا تلتبس مع أي جنس آخر، ولعلنا في العامين القادمين نشهد نقلة نوعية تؤكد حضور هذا النص بصفته المستقلة في الشارع الثقافي العربي”.
***
الهايكست المغربية مريم الحلو

القاصة والهايكست المغربية «مريم الحلو» تتفق مع “القيسي” وترى بأن الرفض الذي تجده قصيدة الهايكو من البعض طبيعيٌّ حيث تقول:” كل جديد (رغم أن الهايكو ليس جديدًا) ينال حظه من الممانعة والرفض في البداية، الواقع أن العقلية العربية التي ألفت إيقاع المعلقات أو السبع الطوال لا غرابة أن تنظر لثلاثة أسطر بعين الريبة. ورغم ذلك يستمر الشعراء في التمرد على القوالب الجاهزة في كل عصر، والشاعر الحقيقي متم نوره ولو كره الكارهون”.
وتصف التساؤل عن الفروق بينه وبين باقي الأجناس الشبيهة به بالمستفز: “المفترض أن المتلقي لديه من الثقافة ما يمكنه من معرفة الفرق. منذ بدأت كتابة هذا اللون الشعري وأنا أُسأل: ما الهايكو؟ سؤال مستفز يشي بالإدانة سواء من العامة أم من المتوقع أنهم مثقفون، في بداياتي كنت أشرح وأفسر ومع مراجعة للذات فهمت أن ما كنت أقوم به هو الدفاع وكأنني من العصاة الجناة. أقول الآن للذين يسألون: اقرأ يا أخي اقرأ، الهايكو والإبداع على العموم لا يحتاج لمحامين إنه يدافع عن نفسه بنفسه، والزمان كفيل بنحت الزوايا الحادة”.
وختمت بـقولها: “الهايكو محاورة بين كاتب ذكي (هايجين بالفعل) وقارئ أذكى (هايجين بالقوة)، الهايكو هدوء وتأمل وإصغاء للذات وللطبيعة وللكائنات، لحظة مضيئة تتحول بقدرة قادر من حالة العدم إلى حالة الوجود، وقد تكون كشفًا لمستور غامض سري، وهو أيضًا رؤيا خاصة للكون، ثم صياغة لغوية مكثفة، خالية من نوافل الكلام.
الهايكو هذا الشكل الذي يبدو خفيفًا رشيقًا مختزلًا هو فعلًا دعوة إلى التأمل العميق. نحن نحتاج في هذا الوقت بالذات إلى هذه الوقفات داخل الذات وخارجها. وشخصيًّا أرى أن الإنسان المتدين عمومًا يميل إلى هذه الوقفة في خضم الحياة الهادر. ونحن -المسلمين- يدخل التأمل والتدبر في بديع صنعه تعالى في صلب عقيدتنا، فنحن مأمورون به بل مأجورون عليه”.
***
الكاتب السعودي عبد الله أحمد الأسمري

في مستهل حديث الكاتب السعودي «عبد الله أحمد الأسمري» أكد أن قصيدة الهايكو بالفعل كانت تقبع تحت نقد قاسٍ: “وذلك مثل ما فعلوا في القصيدة النثرية وشعر التفعيلة، هم كانوا يدافعون عن القصيدة العمودية لكن الحداثة اجتاحت الساحة، قصيدة الهايكو ولدت غريبة لكنها سجلت حضورها القوي على المشهد كما نشاهد الإصدارات والروابط العربية لشعر الهايكو والأمسيات والندوات لها حضورها الضافي”.
ووصف قصيدة الهايكو بأنها إضافة جميلة للأدب العربي: “لاسيما أنه من الأجناس التي تهتم بالتكثيف والمفارقة المدهشة والتي يستسيغها القارئ ولا تأخذ منه الوقت الكثير فيصاب بالملل ويظل هذا الجنس الأدبي مشترك بين التجربتين العربية واليابانية وكلهما ينشدان الإمتاع للقارئ”.
وأتم الأسمري حواره بـقوله: “يستطيع الشاعر العربي أن يمتاح من الطبيعة والشعر العربي الزاخر ويتناص مع القصيدة العربية والفضاءات العربية التي استطاعت استيعاب هذه التجربة وتطويعها بما يتناسب مع الهموم العربية وأجواء العولمة والاتصالية السريعة وحالة الزمن المتسارع؛ لتتناسب هذه القصيدة مع الإيقاع المتسارع للعالم المعاصر وكذلك لا ننسَ إبداعات القصيدة الصوفية العربية، يستطيع الشاعر التناص معها ليبدع في نصوص الهايكو”.
قصائد هايكو
- سامح درويش
مُنتهزا وقْفتَه
يحكّ المُزارع أعْلى ظهره
بِمِنْقار الفأس.
***
مع كلّ هَبّة،
زَخّةٌ من أزْهار الزّيتون
تسْقطُ في الطّاجين.
***
أول الخريف،
يميل إلى البياض
خرير الوادي.
- حنان عبد القادر
بحر هائج
في لوحة زيتية
تسكن الأمواج.
***
شفق
محفور في الأفق
توقيع الشمس.
***
ورقة شجر
على غصن عارٍ
تنام حرباء.
***
سطح البحيرة
قوارب ورقية تسبح
أسراب البجع.
***
شتاء
على الأغصان تغفو
ندف الثلج.
***
فوق التلال
أرسلت أريجها
زهور اللافندر.
***
توت بري
على نفسها تلتف
يرقة القز.
***
طيور الغلموت المهاجرة
سرب أسود
طائرات الحرب.
***
متعرج
يلم صور الراحلين
صدع الجدار.
- عبد الله أحمد الأسمري
مناجل الفلاحين
شُدت بأنساج العناكب
سنين عجاف.
***
حرب البسوس
وقودها الدهماء-
تاريخ مثقوب
- أحمد يحيى القيسي
سور متهالك
حجراً حجراً تهوي
خربشاتي.
***
في المنفى
هل تشعر مثلي بالغربة
أسماك الزينة؟
***
البيت المهجور
أبوابه مفتوحة
للريح
***
لو أنها وردة
ستلفت الأنظار
تلك العشبة البرية
***
أمام المرآة
تلهيني عن تنسيق لباسي
ندبة
***
الساعة المعطلة
تشير الآن
إلى التوقيت الصحيح
- تيروز آميدي
على مائدة الإفطار
تمطر بهدوء
زخات الذكريات!
***
رغوة قهوة
أمام الموقد
تغلي العواطف
- مريم الحلو
يدفئني هذا الكتاب
الذي كان يوماً ما
شجرة!
***
إلى أين تمضين
أيتها الريح
بسرب الغمام؟
***
عكازة جدتي
في الحديقة
تزهر أيضًا