اللوحة: الفنان الأميركي جان باسكيات
عندما تنفجر ماسورة ضخمة بالمدينة فيتدفق الماء منها ويغمر الشوارع، ما الحل؟، بمرور الساعات سوف تُغرق المياه شوارع المدينة وأبنيتها، لو أنشغل المئات في تصريف المياه وتجفيف الشوارع لكان جهدا هائلا بلا نهاية ولا نتيجة، ولكن لو أسرع فرد واحد إلى «المحبس الأم» وأغلقه لتوقف تدفق المياه من المصدر ولأصبح لعملية التجفيف جَدوى.
في هذا المثال وقع حادث تسبب في خسارة وارتباك للجميع، وربما يتطور إلى مخاطر كبيرة، وبسبب شخص واحد لديه معلومة صحيحة، وهي أهمية ومكان «المحبس الأم»، استخدم المعلومة في السيطرة على الحادث وأتاح للجميع البدء في معالجة آثاره.
***
عندما ينشب حريق في مبنى يسارع الجيران بإبلاغ المطافئ، وتصل العربات ويتوقع الناس أن يبدأوا فورا في تصويب أدوات الإطفاء إلى الحريق مباشرة، ولكنهم يبدأوا بالسؤال عن مصادر الغاز والكهرباء، ثم يغلقوها بأي وسيلة، وبعدها تبدأ عملية الإطفاء.
ولو سارعوا بالإطفاء قبل إغلاق مصادر الغاز والكهرباء، لطالهما الحريق ولتفاقمت أضراره ولتضاعت الخسائر وربما الضحايا.
***
لأوروبا تاريخ دموي فريد وليس له مثيل، فالتسامح يعتبر عار وضعف، وهذه هي عقيدتهم العنيدة، فأوروبا الكاثوليكية رفضت أنْ يسكنها دين مختلف، وحين يحدث تمرد أو ثورة يقوم الملك باجتياح البلد وقتل الجميع دون تمييز، وتنتشر في الكتب الوثائقية صورهم التي يتدلى فيها الرجال والنساء والأطفال والشيوخ من رقابهم على جذوع الشجر، فالتمرد ليس له جزاء إلا قتل المتمرد وأهله جميعا، وتسببت هذه القسوة في موجات من الحروب، أفنت ثلثي شعوب أوربا، وخاصة الحروب التي اندلعت بين الكاثوليك والبروتستانت، ونالت هذه القسوة شعوب أسيا وإفريقيا وقتل الاستعمار الأوربي ملايين البشر.
عقب الحرب العالمية الثانية أدرك الساسة الأوربيون أنَّ التنازع على الأرض والطائفية، هما سبب مئات الملايين من القتلى في الحروب التي حدثت بينهم، فكان القرار السياسي بأن يتم تكثيف كل أدوات «التعليم والثقافة والفنون والآدب والفكر والإعلام ..إلخ» في نشر قيم المساواة والتسامح الديني والمواطنة، وفي سنوات قليلة أصبحت تلك القيم شعبية في كل أوروبا وأمريكا، ومنذ ذلك الوقت اختفت الحروب والصراعات بينهم وتكوَّن الاتحاد الأوربي وبقية المؤسسات التي تجمعهم، حتى أنك تدهش حين تجد قيم أوربية مشتركة يعتنقها أغلب الأوربيين، وأصبحت من البديهيات.
في هذا المثال تم غلق «المحبس الأم» لفكرة شريرة، وفي نفس الوقت تم فتح «المحبس الأم» لفكرة صالحة، وأصحبت تسري في وعي «ولا وعي» كل أوروبي.
بينما قاموا بتصدير قيم الطائفية والتعصب والسلطوية للعرب ففرحوا بها، ثم اكتووا بنيرانها منذ تلك اللحظة وحتى اليوم.
***
هل نستطيع أن نتخيل وجود “المحبس الأم” للأفكار؟
هل نستطيع أن نتخيل وجود “المحبس الأم” للعواطف؟
هل نستطيع أن نتخيل وجود “المحبس الأم” للنفسيات؟
هل نستطيع أن نتخيل وجود “المحبس الأم” للعلاقات؟
أفكار شعبية تتبدل وعواطف شعبية تتحول، ونفسيات شعبية تُسالم، وعلاقات شعبية بلا أشواك؟
يُساق الناس في الحياة بقوة وبوصلة أفكارهم وعواطفهم ونفوسهم، لماذا لا نشتغل على المحبس الأم لهؤلاء، فيتغير المزاج والفعل والمناخ الشعبي بالجملة.
***
المجتمع المصري “وربما العربي” اليوم يشبه هذه اللوحة؛ «في كل مكان نشاهد المواسير المكسورة، الأسلاك الكهربائية العارية، أشياء انخلعت من مكانها وأصبحت عُرضة للسقوط في أي وقت على رؤوس المارة، فتحات صرف صحي دون غطاء موزعة هنا وهناك، مركبات كثيرة تسير بسرعة عالية دون التزام بإشارات مرور، أشرار يحملون في طيات ثيابهم أسلحة خطرة… إلخ».
«الأخطار في كل وقت وكل مكان، والخسائر لا تتوقف، والكدر وتعكر المزاج هو الأصل»، ولكن، فوق ذلك؛
«النفوس ثقيلة بمشاعر سيئة نتيجة نشوء انشقاق طبقي متسارع بين الناس، أصبحت كل طبقة وظيفية أو مالية أو دينية في خندقها، وكل ما تتمناه أن تكون الخسائر في الطبقات الأخرى التي تعتبرها طفيلية وضارة، وبهذا فالتعاون باطل بين الجميع ولا أمل فيه حتى الآن، طالما ظل الناس بنفس الأفكار والنفسيات والجهالات».
هل يمكن مع هذه الفوضى المركبة أن نعرف المحابس الأم، نسرع إليها فننزع فتيلها أو نغلقها!، لا شك أن بذل الجهد في معالجة كل مرض أو حدث فردي حماقة، الحل في المحابس الأم لكل الأخطار المنفلتة.
***
فكرة “المحبس الأم” للأفكار والعادات والسلوكيات صحيحة ولكن ليست كافية، قد تكون الفكرة صالحة لو كان الحُكم وحده للمنطق، ولكن هناك عوامل أخرى أقوى سلطة من المنطق وتقاوم بقوة وعناد، وأقواهما عاملين:
الأول: «التوهم برباط بين تلك الفكرة والدين، فالاقتراب من الفكرة يكون مقدمة للنيل من أصل الدين».
الثاني: الخوف من كلام الناس وإنكار المجتمع، وهذا هو الصنم الأكبر لكل الناس وخاصة العرب.
***
هذه بعض أمثلة «الأفكار الأم» التي تنكد على المصريين وتفرمل قاطرة التحديث والتطور؟
- الإيمان المتضخم بالحسد والسحر والأعمال السفلية والتلبس بالجن. «يؤدي إلى تباعد الناس والنفور في العلاقات والعيش في دائرة مفردة ومغلقة، فتحيا الأسر وكأنها في مدار خاص بها منعزل ويحيا الناس في شقاق وسوء ظن بينهم»
- الإيمان المبالغ فيه بالأعمال التي تكفر الذنوب بوسائل مادية والتي أشبه بصكوك الغفران. «من المعروف أن من سرق عليه أن يتوب بالكف عن السرقة ورد السرقات، وليس أن يؤدي مشاعر الحج فيتطهر، أو الصلاة في المسجد النبوي حيث الأجر مضاعف، أو يختم القرآن عدة مرات فينال حسنات كثيرة تُزاحم السيئات، أو ينفق من المال ليكفر عن ذنوبه».
لا ننكر ثواب هذه العبادات ولكن ليست هذه أداة تصحيح الذنب، لأن بهذا المنطق أصبحت هناك قناعة أن الجريمة لا تكفر بجنسها، ولكن بأنشطة أخرى سهلة ولكن لا تصحح الخطأ الأول، فحدثت السيولة التي لا نستطيع بها أن نفرق بين الإنسان الصالح والطالح.
- مفهوم الأقلية والأكثرية داخل الحدود المغلقة. «منذ تكونت الدول القومية الحديثة ووضعت الحدود وجوازات المرور، أصبح الناس داخل الدولة سواء، وأصبح الكل يشمله صفة المواطن، ولا بد أن تشعر الطوائف بالأمان وعدم التهديد، ولهذا يجب أن يختفي مفهوم الأكثرية والأقلية لأنه يهين الناس ويشعل فتيل الأحقاد ويوقف عجلة النمو والسلام بين الشعوب»
- التفريق في النظر بين البكر والثيب. «من أقوى المعتقدات التي نكدت على المرأة، التصنيف القبلي الذي يفضل البكر على الثيب، ويفرق بينهما في المكانة، بينما لا ينسحب هذا التفريق إلى الرجل الذي سبق له الزواج، فلا يلام ولا تنقص درجته، وهذا الظلم غير منطقي، ويتسبب في مآسي للمرأة والمجتمع».
- ربط المؤهل الجامعي بالمكانة، وجعله مؤهل للزواج سواء للرجل أو المرأة. «المؤهل الجامعي أصبح مؤهل شعبي في بلادنا، وهذا وضع غير طبيعي، الكل يتسابق إليه، وفي نفس الوقت ينظر إليه كشرط للزواج على الرغم من أن وسائل التواصل الحديثة نشرت الوعي الضروري الذي يردم المسافة بين المراحل التعليمية».
- ربط الشرف بالمرأة. «وتسبب قصر الشرف في المرأة، أن ضعف مفهوم الشرف حين تنتهك النزاهة والكرم والعدل وقول الحق والعفاف وبقية الفضائل، فأصبح الفاسد يمشي بين الناس مكرما ومهابا، وارتبك ميزان القيم».
- تبرير الجبن وخاصة الجماعي. «حديث (أيكون المؤمن جبانا!)، شاع في الناس، وفهم كثيرون أنه شعور طبيعي للإنسان، فتمدد الجبن حتى أصبح الفساد والقهر والظلم يرتع بيننا ولا نستجيب».
***
هذه بعض المحابس الأم والتي تحتاج تفصيل طويل ودراسة بحيث نعمل على نزع جذورها من فكرنا ونفسيتنا، وهذه رحلة طويلة ولكن لا بد من الشروع فيها، وسوف يكون هذا المقال مقدمة للفكرة التي سنبسطها في المقالات التالية.
