اللوحة: الفنان الإنجليزي ألبرت شوفالييه تايلر
نايف خوري

إن الميلاد عيد الفقر والفقراء.. المدقعين والمعوزين.. التواضع والقناعة.. الاعتدال والبساطة.. ولد المسيح في مغارة وضيعة، تعيش فيها البهائم.. وليس في بيت مشيّد.. لا في مشفى عامر.. ولا في نزل شامخ أو فندق لامع.. بل في مغارة الحقارة والتهميش والانسحاق.. بعدما عجزت أمه عن العثور على ملجأ آمن أو مأوى من البرد والقرّ.. كانت الدنيا كئيبة قبل الميلاد.. جافة رغم دموع المطر والغيوم.. بائسة رغم تفتح الزهر.. معتمة رغم شروق الشمس. أتى الميلاد حاملا الأمل والخلاص والعالم الجديد.. أتى بالفرح والمحبة.. عاش يسوع في محبته المطلقة للعالم..
المحبة
المحبة هي الفضيلة الأبدية التي لا تفقد قيمتها أبدًا، هي أعظم الفضائل، إنها قاعدة حياتية.. تربط الإنسان بأخيه الإنسان، والإنسان مع الله.. يجب أن تحيا في قلب كل عمل وفكر.. ما أعظم جودتك يا رب.. إذ قلت إنك المحبة.. ما أعظم دعوتك يا يسوع كل البشرية إلى المحبة الكاملة، المحبة حتى تجاه الأعداء، بقولك أحبوا أعداءكم ولاعنيكم.. وأمرت: “الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ، الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَال”. كيف ستحتوي قلوبنا هذه المحبة التي تجمع الفضائل الأخرى وتُكمّلها، وكيف سنحتمل ان نجعلها فوق كل شيء..
الفرح
إن فرح الميلاد يظهر في فرح السماء وهتاف الملائكة: “المجد لله في العلاء.. وعلى الأرض السلام.. وفي الناس المسرة”. أنا الإنسان البسيط الوضيع تدعوني يا ربّ إلى الفرح، فرح الرعاة حين تلقوا بشارة الميلاد.. اجعلني أهبّ معهم جميعا لنسجد لك يا يسوع.. أما المجوس الذين تحملوا مشاق السفر.. وقطعوا المسافات، واجتازوا البيد والجبال والوديان.. أقبلوا من المشرق يحملون إليك الذهب واللبان والمر.. الطبيعة كلها تمتلئ فرحا بهذا الميلاد العجيب..
الحب
والميلاد هو الحب الحقيقي الدائم غير الزائل.. هو الصفاء والنقاء والطهر والبساطة والفقر والقداسة.. إنه الحقيقة والجوهر والأصالة والبراءة.. إنه معاكس للبهرجة والزخارف والزيف والتزلف.. مناقض للقتل والموت والفناء.. مناهض للشر والخبث والرياء.. فتدعوني إلى الحب والحياة ونبذ الموت..
شرور الأرض
لكن الشر الكامن في النفس قد يظهر حتى في ظل الخير، والحقد المترصّد في القلب قد يظهر في التسلط الأرضي والتسلح والحرب.. امتعض هيرودس واغتاظ، غضب وحقد وكره.. أضمر الشر والقتل والموت.. قتل الأطفال انتقامًا وبغضًا.. فقدَ المحبة والخير.. راح ضحية شروره أطفال بيت لحم من سنتين فما دون.. ظن أنه سيقضي على الخير والفرح والأمل، ويبقى هو الخالد المبجّل.. لكن الله كان له شأن آخر.. هرب يسوع مع أمه مريم ومار يوسف إلى مصر.. إلى أرض الكنانة، والنيل العظيم.. لتتدفق منه ينابيع الخير والسلام والاطمئنان..
في قلبي
الميلاد فرح الحياة الجديدة في قلبي.. وامتداد لروحي ونفسي.. إنه الوجود والبقاء والنماء والخلود.. انتعاش لروحي وابتهاج لحياتي.. طوبى لمن تولد المحبة في قلبه وتدوم في حياته..