أخطبوط.. فلسفة الأطراف الثمانية

أخطبوط.. فلسفة الأطراف الثمانية

اللوحة: الفنانة البريطانية نات مورلي

ماهر باكير دلاش

ما الذي يجعلنا نفكر في “الأخطبوط” بهذا القدر من الاهتمام؟ هل هو مخلوق بحري عابر أم أن في تكوينه حكمة خفية تستحق التأمل؟ تخيلوا هذا الكائن الذي يعيش في أعماق المحيط، يتحرك بثمانية أذرع، وكأنما يحمل فلسفة الحياة في أطرافه! إنه ليس مجرد حيوان بحري، بل كتاب مفتوح عن التكيف، الذكاء، والتمويه.

تأملتُ في “الأخطبوط” ذات ليلةٍ هادئة، وسألت نفسي: لماذا ثمانية أذرع؟ لماذا ليس سبعة أو تسعة؟ هل لهذا الرقم معنى كوني؟ ربما يحمل “الأخطبوط” درسًا عميقًا في التوازن: أربعة أذرع للتمسك بالماضي، وأربعة أخرى للقبض على المستقبل، بينما جسده في منتصف الزمن، حيث يعيش اللحظة بكل ما أوتي من شفط ومخاط.

ثم هناك هذا الرأس الكبير الممتلئ بالذكاء. “الأخطبوط” لا يقرأ الكتب، لكنه يُدير معاركه بدهاء القادة العسكريين. يطلق الحبر، فينسحب من الصراع بهدوء، وكأنه يقول لنا: “الهروب أحيانًا أذكى من المواجهة.” إنه فيلسوف الظلال، ينسحب من الضوء ليبقى سيدًا في الظلام.

أما عن التمويه، فلا بد أن نعترف: “الأخطبوط” هو أستاذ الكذب الأبيض. يغير لونه وشكله، كأنه يقول لنا: “لا تثبت على هيئة واحدة، فالحياة تُقدّر المتغيرين.” إنه يعلمنا ألا نحمل تعريفًا واحدًا لأنفسنا، بل أن نكون كالأخطبوط: مرنين، متلونين، جاهزين لكل ظرف.

ولكن لحظة، إذا كان “الأخطبوط” بهذه العبقرية، فماذا عن اسمه؟ لماذا لا يملك جمعًا موحدًا؟ هل هو كائن يتحدى قواعد اللغة كما يتحدى الطبيعة؟ البعض يقول “أخطابيط”، والبعض يصر على “أخطبوطات”، وآخرون يتجنبون الجمع تمامًا، كأنما يخشون تقليد هذا الكائن في قدرته على التعدد.

وفي النهاية، ربما “الأخطبوط” ليس مجرد كائن بحري، بل فكرة. إنه تمثيل للحياة: متشعبة، معقدة، تحتاج إلى ذكاءٍ للتعامل مع أطرافها المختلفة. فإذا وجدت نفسك غارقًا في بحر من القرارات، تذكر “الأخطبوط”، وكن مثله: صاحب رؤية متعددة الأذرع، تمويه حكيم، وهروب مُخطط. لكن احذر من الحبر… لأننا لا نملك قدرة محوه بسهولة كما يفعل هو.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.