اللوحة: الفنان الفلسطيني سليمان منصور
في مقدمة كتاب «كابوس مكيف الهواء»، بعد أن أدرك الكاتب الأمريكي «هنري ميلر»، أنَّ صوته الداعي للسلام ضعيف، بينما الأصوات الحماسية التي سبقت الحرب العالمية الثانية تملأ الدنيا صخبا، قال:
«لكي يعرف الإنسان السلام يجب أن يُجرب الصراع، وعليه أن يمر بالمرحلة البطولية قبل أن يتمكن من التصرف كحكيم، يجب أن يصبح ضحية انفعالاته قبل أن يتمكن من التعالي عليها»
في هذه المقدمة تقرير لواقع متكرر، أنَّ الإنسان يستطيع أن يوفر على نفسه الصراع والدماء والمشاعر السيئة والسنوات الضائعة، لو خضع للحوار، ولكنه دائما لا يفعل إلا بعد أن يندم ويدفع أثمانا فادحة، لا يمكن تعويضها.
***
من يدرس التاريخ يدرك أنَّ ضحايا الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت عشرات الملايين من البشر، حتى كاد الإنسان الأوربي أن ينقرض، فهناك شعوب فقدت ثلثي السكان وأخرى فقدت نصفهم، وفي النهاية توصلوا إلى أنَّ الحوار هو الحل، فتحاوروا متأخرا وتوصلوا لأدوات ووسائل ينتشر بها التسامح والمواطنة.
***
من القصص الطريفة والمفيدة التي قرأتها: قام أحد الأدباء الظرفاء الأوربيون بنشر نقد لأحد اللوردات من ذوي النفوذ، فما كان من اللورد إلا أنْ ذهب إليه غاضبا.
قال اللورد: «لقد أهنتني ولا بد من مبارزتك، فاختر السلاح».
في هدوء قال الأديب: «لا بأس، أبارزك بنفس السلاح الذي تظن أنني أهنتك به، الكلمة».
ابتسم اللورد لهذه الإجابة وتم الصلح.
النقد يقابله نقد، الكلمة تقابلها كلمة، لكن الكلمة التي يقابلها مسدس، لا تسمى حوارا بل قهرا وجهلا وتخلفا ويخسر الجميع.
***
كان «برنارد شو» يساريا، وله صديق أستاذ جامعي يَمينيِ، وكان «برنارد شو» يحبه كثيرا؛ ويحب الحوار الذي يدور بينهما نظرا لتعارضهما الفكري، كان الحوار مصدر الاستمتاع المفضل عند «برنارد شو»، في يوم اضطر الأستاذ اليميني للاقتراض من «برنارد شو»، الذي كان نباتيا وزاهدا في حياته ولباسه، لهذا كان لديه مال، بعد اقتراض المبلغ، تغير حال الصديق، كلما تجادل في موضوع مع «برنارد شو»، وافقه في كل آرائه، يقول: «أصبت… أتفق معك… الرأي كما قلت»، أدرك «برنارد شو» أنَّ السبب في التغير هو خشيته أن يغضبه، فيطالبه برد المال، فصرخ «برنارد شو» في وجهه قائلا: «حاورني وإلا أعطني مالي».
الإنسان في كلامه بين ثلاثة أنشطة، «طلب، أمر، حوار»؛ الطلب، من الأدنى للأعلى، مثل طلب الطفل من أبيه. الأمر، من الأعلى للأدنى، مثل الرئيس للمرؤوس.
كل من «الطلب والأمر» لا يشغل سوى كلمات يسيرة وقليلة، أما الحوار فهو غالب كلام الناس، يجب أن يكون بين متساويين كأسنان المشط، فلو بدأ الحوار طبقيا أو سلطويا لفشل، وأصبح نفاقا وإذعانا، فعندما يحاور رئيس الشركة العمال، لا بد أن يتساوى معهم، وإلا فشل الحوار وانعكس أثره، كذلك الحوار بين السلطة والفرد، بين الأب والابن، بين الإنسان والإنسان.
***
لا يروقني برنامج «الاتجاه المعاكس» وأشباهه من البرامج، لأنها برامج عصبية تمارس السِجال وليس الحوار، ففي السجال كل منهم يعرض بضاعته، أيدولوجيته، طائفته، عصبيته، في السجال يتحدث الأول حديثا يبثه في الهواء، وعندما ينتهي يتحدث الآخر، فلا علاقة بين ما يقوله الأول وما يقوله الثاني، يكون الحال أشبه بالبائع الذي ينادي في السوق: «قرب تعالى عندي واشتري حبوب لفك السحر وجلب الحبيب وإنجاب الذكور وطرد الشياطين».
ليست المشكلة فيما يتناثر من مشاحنات وربما لكمات واتهامات مع التخوين أثناء السجال، المشكلة أن السجال يقوم بغسل دماغ وأعصاب الجمهور، فيتبرمج كل منَّا على هذه الطريقة العصبية الصمَّاء في الحوار، حوار الطرشان، فيتحاور العوام والساسة والرياضيون والفنانون ومن يظنون أنفسهم نخبة بنفس الطريقة.
***
في كتاب «محمد سلماوي» وعنوانه «يوما أو بعض يوم»، راقتني تلك الفقرة:
«أما الشيء الذي كان يستهويني حقا في المدرسة فكان المناظرة، فقد كان من عادة المدرسين أن يقيموا مناظرة عامة للطلبة في المدرج الكبير، يحددون موضوعها ويختارون من بين الطلبة من سيدافع عن الموضوع المطروح ومن سيعارضه، وكنت أتابع تلك المناظرات بشغف شديد، على الرغم من أنني لم اشارك فيها قط، لكنها علمتني ثقافة الحوار، وكيف يدافع المرء عن وجهة نظره بالحجة وبالمنطق من دون أن يجرِّح من يعارضه، وعلمتني كيف أستمع لوجهة النظر الأخرى باحترام وبلا غضب ولا تعصب».
يتحدث عن «فيكتوريا كوليدج بالمعادي».. تلك المدارس العريقة التي كان لها فرع بالإسكندرية ودرس فيها «الملك حسين وفيصل العراق وعدنان خاشقجي وعمر الشريف ويوسف شاهين وعثمان أحمد عثمان».
ينصبون بالمدرسة مائدتين للحوار مثلما تفعل «قناة الجزيرة» ولكن، يُجرون حوارا لا سِجالا. ويجلس كل تلاميذ المدرسة يستمعون للطلبة المتدربين على الحوار وليس السجال، يتعلمون الإنصات وأدب الاختلاف والتنوع والتفكير والتحليل والإذعان للمنطق.
عرفت من هذه الفقرة لماذا نخرج من نقاشاتنا بدماء وأحقاد ومشاعر إهانة، وحنق وغضب ثم فِرقة، لأننا نتساجل ولا نتحاور، نحن نتساجل بنفسية الأهلي والزمالك، نحن عصبيون وحاقدون وغاضبون وشاعرون بالغُبن والظلم لأننا نتساجل، فدعوة للحوار.
***
يشتكي الأب للطبيب النفسي، يقول: «لا أستطيع أن أفهم ابني، فهو لا يريد الاستماع إلي أبدا»، يرد الطبيب: «دعني أرتب ما قلته للتو، أنت لا تفهم ابنك، لأنه لا يريد الاستماع إليك، أعتقد أنك كي تفهم شخصا آخر، فأنت بحاجة لأن تستمع له ويستمع لك، تتحاورا معا».
ومن الكلمات الشهيرة لعلماء النفس بشأن الطفل: «لتكن القاعدة هي.. الحوار بلا نهاية».
***
حضر أحد المفكرين المسلمين مناظرة «أحمد ديدات»، وكان معه باحث أمريكي، فسأله عن رأيه، فقال: «نعم هو هزم الآخر في المناقشة، قام بتسفيه ما عنده، لكن هزيمة الخصم لا تجلبه إليك، فكيف تكسبه وأنت تستعلي عليه، لا يكفي أن ما معك حق، الذي يهم الآخر؛ (هل جعلك هذا الحق متواضعا وودودا أم ستستخدمه لإهانته وكشفه على الملأ).
كان يكفيه أن يعرض للناس ما عنده من الجيد ومدى محبته وسلميته ونيته للخير، ثم يدعه يقارنه بما عنده، أما أن تقول له عقيدتك متخلفة أو قبيحة، فلا تتوقع نتائج إيجابية».
هذه الفكرة جعلتني أنتبه للفرق بين الحوار والمناظرة، فالحوار لا ينتهي ولا يجرح، وشراسة وفشل الحوارات، لأننا نظن أنَّ العقول تتحدث، ولكنها النفوس المحشوة بكل المشاعر السَيِّئَة!
***
لماذا يضل حوارنا؟.. يجب أن يكون الحوار حول فكرة واحدة، فكرة توضع تحت المجهر أو تحت المشرط، والحذر كل الحذر أن يتفرع أو ينزلق الحوار إلى فكرة أخرى، «فرعية أو مغايرة»، لأنه في هذه الحالة سوف يتحول الحوار إلى «لعبة القفز»، نقفز من فكرة إلى فكرة، ويكون الحوار مثل بيت جحا، مسالك ومنحنيات ومزالق بلا خريطة، والنتيجة أن نشعر بـ:
١- ضيق الصدر وغليانه.
٢- تيه وغربة لغة التفاهم.
٣- هروب وضلال المشتركات.
٤- تناثر الاتهامات والظنون التخوينية أو التضليلية.
ويصبح حوار الطرشان العاجز أو الضرائر الحاقد. والسبب هو عدم النجاح في التمسك بنقطة الحوار الأولى حتى تنتهي.
لنفترض أن النقطة الأم لا تُبحث سوى بنقطة فرعية نتطرق إليها، هنا لا بد من استحضار الوعي بأنه هناك انتقال ضروري قد حدث، فنشرع في النقطة الفرعية ونحن ندرك أنه مجرد انحناء. سيتلوه عودة لنقطة الأصل.
***
اختبار الفكرة مثل المادة، فعندما تُختبر مادة من حيث «تماسكها أو صفائها أو تحملها للحرارة الخ»، توضع على مائدة الاختبار، لو كان المختبرون عدة أشخاص، الأول يمسك بسكين والثاني بلهب والثالث يمسك بمادة كيميائية تفاعلية، كل طرف لا بد أن يوجِّه الأداة التي معه للمادة وضوع الاختبار، لا يوجه أحدهم السكين أو اللهب أو المادة الكيميائية الكاوية لزميله، هذا التصرف خطير، اللحظة التي يفقد أحدهم التمييز بين المادة المختبرة وبين شريكه في الاختبار؛ خطيرة جدا.
للأسف هذا ما يحدث في حواراتنا، فالفكرة هي التي يجب أن تخضع للاختبار بكل الأدوات، يجب أن لا نعاملها بقدسية، فطالما دخلت الفكرة الحوار فلا قدسية، المشركون جادلوا النبي ﷺ في «وجود الله والرسالة والرسول» وسجل القرآن كل الأقوال، بل ونتعبد بتلاوة حججهم في صلاتنا، وفي صلح الحديبية وافق النبي ﷺ على محو كلمة “رسول الله” من المعاهدة.
بينما نحن ننحرف من الفكرة إلى المتحاور لنطعنه، أو نغلق الباب على اصبعه دون مقدمات. أو نقتله معنويا، بتكفيره أو اتهامه بالتعصب أو الغباء أو الخيانة أو أي صفة اختزال، هذا بالضبط ضرب تحت الحزام وإرهاب وغلق لأي فرصة للحوار والتواصل.
***
خضع الشباب سنوات طويلة للدعاة الدينيين على القنوات الفضائية، وانفعلوا بهم وأطاعوهم، ولكن حين جاءت لحظة حاسمة في تاريخ الشعوب، حيث لا بد من الحوار، وكما كانوا يتصدرون وحدهم الميكروفونات والشاشات، كان عليهم أن يشاركوا كل التيارات في الحوار بشأن المرحلة الحالية، ولكن لم نسمع لأحدهم صوتا، واختفى الجميع، وحين تساءل الناس عن ذلك، أدركنا أن هؤلاء الدعاة ماهرون في نشاط يسري في اتجاه واحد، وهو الوعظ، أي يتكلمون ويثيرون المشاعر والعواطف وينفعل الشباب، لم يمارسوا الحوار، والحوار يحتاج علما وثقافة عميقة وممارسة، وهذا يندر فيهم، ولهذا اختفوا تماما عن ساحات الحوار وصمتوا.
***
الشركات الصناعية الكبرى لا تتوقف عن عملية التحسين، فهناك دائما مطاردة للجودة، وبهذه الطريقة تطورت المخترعات من الصورة الأولى الساذجة إلى ما هي عليه اليوم وما ستكون عليه غدا، ولو توقفت شركة عن هذه العملية لسبقتها الشركات الأخرى، وبالبحث البسيط في جوجل نستطيع رؤية السيارة «كمثال» في أول اختراعها ثم ما خضعت له من سلسلة التطورات والتحسينات حتى وصلت للسيارة التي نركبها اليوم.
الإنسان هو الأولى بالاهتمام في هذه الدنيا، فهو بناء الله، وهو خليفته في الأرض، وقد كان في بداية حياته على الأرض يبتدع تحسينات تفرضها ضروريات الوجود، ولكن حين تمكن الإنسان من بناء البيت وتدبير الآلات التي تحفظ حياته، أصبح التطور في حياته بطيئا جدا، ولو كان التحسين يلقى نفس الأهمية التي تنالها المخترعات والآلات لكان إنسان اليوم أسعد. ولا توجد وسيلة للتحسين أفضل من الحوار البناء، باستعراض الواقع ونقده ثم الخروج بما يقلل من العيوب ويزيد في المميزات، ولكن ما يعرقل ويفسد ويمنع الحوار هو ما وراء النفوس التي تتحاور، فالانحياز والمصلحة والمشاعر السيئة تفسد كل حوار وتطرد أي منطق، وهذا هو سر ما فينا من شقاق وتخلف.
