الخلافة الإنجليزية

الخلافة الإنجليزية

اللوحة: الفنان الأميركي جون ترمبل

كان عمر بن الخطاب والصحابة يدركون معنى «الخلافة»، «تعاقد بين الحاكم والمحكومين وميثاق غليظ على الطرفين»، مثل عقد الزواج الذي سمَّاه القرآن «مِيثاق غليظ»، يفرض التزامات متبادلة على الطرفين، وهذا الفهم هو الذي جعل «المصري القبطي» يَضرب «ابن عمرو بن العاص»، خلافة مع عدل؛ وليس خلافة تستنزف البلاد والعباد باسمها.

***

في فقه الزواج، يُشترط أن تتزوج المرأة من رجل مسلم، وأنْ يكون بعقد شرعي وشهود وأنْ يُحسن معاملتها، فإن نَقَض العقد بأنْ قَصَّرَ في حقوقها أو أضرَّ بها، لها الحق أن تفسخ عقد الزواج، أو الخُلع، الذي هو نَقْض العقد لمجرد الزهد في الزوج، أو أن تمتلك العِصمة فتتحرر بكلمة منها.هذا بعض شُغل الفقهاء في عقد الزواج، شغل متقن ومعقول، نظرا لعدم تدخل السياسة فيه.

سؤال؛ هل يجوز أن يكون شرط صحة الزواج، فقط؛ أن يكون الزوج مسلما؟، وأن يُلغى كل ما سبق من شروط الالتزام؟، هل يصح أن ينحط الأمر إلى درجة القول: «إن المرأة المسلمة لا يستحل جسدها إلا مسلم؟، بدلا من لا يتزوجها إلا مسلم؟» أو «لا يحق لأحد اغتصاب المرأة المسلمة سوى مسلم؟»..  هل هذا معقول؟

رغم أنَّ هذا غير معقول، ففي الفقه الإسلامي وتاريخ المسلمين وحاضرهم ما هو أفدح، فنحن نُزَوِّج الشعوب زواجا أبديا لحاكم مسلم وفقط، فإنْ كان غير مسلم أصبح محتلا، وذاق منا كل مقاومة وجهاد وتضحيات حتى يرحل، ولكن حين يغتصب الشعب حاكم مسلم «بالبطاقة أو الوراثة»، رجل مسلم وليس امرأة، لأن لدينا ذكورية مُستغربة، فالذي يَغْتصب هو الرجل، وعيبا أن تَغتصب أمرأه.

نظرنا للذكورة والديانة في البطاقة، ولم ننظر للعدل والمعروف وحفظ الأمانة والحرية، ولم نقرأ القرآن: «وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ»، اشتغل أغلب الفقهاء عبر 1300عام ليُسوِّغوا اغتصاب الشعوب، حتى المصطلح مهين.. «حكم المتغلب»، وكما يقول المثل «من يمسك الحصان من رقبته حلال عليه»، هذا الذي قبله الفقه الإسلامي لظروف طارئة، مازال مكشوفا وبلا غطاء أو مراجعة حتى اليوم.

***

في عهد المماليك كانت تحصينات الإسكندرية قوية ولا يمكن اختراقها، فرض على الأجانب قيود تجعل التجسس مستحيلا، وظلت هذه الصرامة طوال حكم المماليك وقبل أنْ تصبح مصر عثمانية.

حينما جاءت الحملة الفرنسية، كان أمام نابليون كم هائل من المعلومات عن مصر والإسكندرية، بسبب سهولة التجسس عليها، أصبحت مصر كما يقال «سداح مداح»، فما بسطه الجبرتي من أخبار الحملة الفرنسية وتدميرها للإسكندرية، أظهر أن تحصيناتها متخلفة وهشة، فكيف ينحدر الاهتمام بتحصينات الإسكندرية وحراستها لهذه الدرجة؟

هذا دليل من مئات الأدلة على أنَّ مصر تراجعت كثيرا منذ أصبح المماليك موظفين عند العثمانيين، فقط عليهم جباية الضرائب بالكرباج من المصريين وإرسال الجِزية إلى الباب العالي في إسطنبول.

حكم العثمانيون مصر عام 1517، بينما حملة نابليون عام 1898، بينهما ما يقرب من 400 عام، كيف صبر وصمت المصريون لقرون على هذا التدهور؟، كيف لم يخطر ببال عمر مكرم أنْ يتولى بنفسه ولاية مصر، بدلا من هذا الضابط الألباني الذي كان في الحامية العثمانية؟

***

كيف تتسبب كلمة «الخلافة» التي هي «فكرة مجردة» في تخدير ملايين المصريين لقرون، مع العلم أنَّ ما أنجزه الاستعمار الإنجليزي في مصر، سواء مشروعات سكة حديد وقنوات ري وحياة سياسية، كان مفيدا للطرفين، مقارنة بإهمال العثمانيين لمصر، ومع ذلك لم تتوقف مقاومة المصريين للإنجليز، لأنهم استعمار غير مسلم، بينما لم يخطر بالبال الاستقلال عن العثمانيين، والسر في كلمة «الخلافة»، والخلافة مسؤولية، وبدونها تكون أفدح من الاحتلال، ولا تصبح مُقَدَّسة.

***

قبل استقلال أمريكا عن إنجلترا، التي كانت بالنسبة للسكان مثل «الخلافة بالنسبة للمسلمين»، فأغلبهم بروتستانت انجيليين، وينتمون عِرقا ودينا وعاطفة لإنجلترا.

في القرن السابع والثامن عشر؛ اندلعت حروب في كل أوربا، وتبعا لذلك كانت تندلع حروب في الساحل الأمريكي الشرقي، حيث تتجاور المستعمرات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وبعد انتهاء كل حرب في أوربا، تعقد معاهدات صلح بين المتحاربين، فتجري بينهم مقايضة، كانت إنجلترا تضع المستعمرات الآسيوية في المقدمة، فتتنازل عن مستعمرات في أمريكا لفرنسا، فيقوم المستعمرون بالجلاء عنها وهم يتساءلون: «كيف نتركها بعد أن قتل رجالنا في سبيل السيطرة عليها؟»، ولكنهم يطيعون الأمر وينسحبوا.

***

كانت إنجلترا ترسل جنودا نظاميين لأمريكا، يقاتلون مع السكان ضد الفرنسيين والإسبان والهنود، هذا بالإضافة لإنفاقها الضخم في الحروب بأوروبا، فقامت بفرض بعض الجمارك والضرائب البسيطة على الأمريكان، لم يكن المال هو المشكلة، فالضرائب محتملة ومبررة، ولكن بسبب «الكرامة، الحرية، رفض الإهانة»، طلبوا أن يُمَثَّل 13 نائبا (بعدد المستعمرات) في البرلمان الإنجليزي، ولكن لإنجلترا مستعمرات منتشرة في الهند وأسيا ومصر وإفريقيا، لو وافقت لطلب الجميع تمثيلا لهم أيضا، فرفض الإنجليز، ورفض الأمريكان الضرائب، وعبَّروا عن ذلك بالشعار «No taxation without representation» أي «لا ضرائب بدون تمثيل في البرلمان»، واندلعت حرب الاستقلال الأمريكية.

لم ينادي درويش أمريكي فيهم بأنَّهم إنجليز إنجيليين مثلنا، ولهم فضل الدفاع عنا، لم يقل أحد: «لا تتمردوا على الخلافة الإنجليزية»، واندلعت حرب الاستقلال الأمريكية.

في هذه القصة تخلت بريطانيا عن احترامها للأمريكان فتمردوا عليها بلا تردد لأن لا حياة بدون الكرامة.

***

عندما نشبت حرب الاستقلال الأمريكية عام 1783م عن بريطانيا، كانت فرنسا هي الداعم الأكبر لهم، كي تنتقم من عدوتها بريطانيا، وتسبب الدعم في فراغ الخزانة الفرنسية، مما أدى إلى نشوب الثورة الفرنسية بعدها بسنوات قليلة عام 1789م.

تمر سنوات قليلة وتنشب حرب أخرى بين فرنسا وبريطانيا، فتطلب فرنسا من الأمريكيين الوقوف بجانبها، وتذكرهم بأنَّها دعمتهم بكل قوتها ليستقلوا، ولم يرضخ الأمريكان للابتزاز العاطفي، فالحرب ليست لمصلحتهم، فرفضوا التورط وأصروا على الحياد، غضبت فرنسا وشنت حملات قرصنة على السفن الأمريكية، فاضطرت أمريكا للتحالف مع بريطانيا ضد فرنسا، وأصبحت السفن الفرنسية تعاني من ضربات البريطانيين والأمريكان معا، إلى أن جاء «نابليون» وعقد معاهدة صلح مع الأمريكان لتتوقف هذه الحماقة.

في هذه القصة طلبت فرنسا رد الجميل ولكن كان ذلك ضد مصلحة أمريكا، فرفض الأمريكيون الطلب، لأنهم يدركون أهمية الاستقلال بدون أي تبعية، فالعاطفة قد تُحمد في الأفراد ولكن ليس في السياسة.

***

عندما أقرأ تاريخ استقلال أمريكا، لا أستطيع منع فكري من القفز إلى تاريخنا الساكن في مواجهة التاريخ الأوروبي والأمريكي الذي يتفوق على أفلام الحركة والإثارة، ويقفز إلى خيالي مصطلح (مالك بن نبي) القابلية للاستعمار، والذي هبط بواسطة (علي شريعتي) ليصبح القابلية للاستحمار.

***

لو تأملت عيوب العقلية والنفسية العربية، سأقول إن أكبرها «الاختزال الظالم»، هل يعقل أن يكون حائط كله أبيض وعليه بقعة صغيرة سوداء، وأقول أنه أسود وبه بقعة بيضاء؟، للأسف هذه خلاصة العقلية والنفسية والعاطفة والمنطق العربي، لا يفلت من هذا السحر الجاهل أمي ولا متعلم ولا حامل دكتوراه.

الزعيم فلان:

«يَقتل بالكيماوي مئات الآلاف ويُدخل البلاد في حروب تقتل مئات الآلاف، وحين تنتهي حياته بطريقة مشرفة على يد أعدائه، يصبح قديسا وشهيدا ومثالا، ونتمنى تكرار عصره».

القائد فلان:

«يُهزم في كل الحروب التي ورط الأمة فيها لقرن قادم، تُذكر له خطبة شتم بها الأمريكان أو قرار كان لصالح الناس، ويصبح زعيم الإنسانية والوطنية، ونصير الفقراء وحبيب الملايين».

الخلافة «الأموية والعباسية والفاطمية والعثمانية»: «طالما اسمها خلافة فهي مقدسة وممدوحة سواء كانت راشدة أو ملك عضوض، وسواء ظلمت الناس أو قهرتهم أو جهلتهم أو أوقفت نموهم، فيكفي أنها خلافة والخلافة دين وبهذا فهي مغفور لها أي تقصير»

«عقليتنا تأكل البالوظة وتنتشي وتنسى كل شيء، وصافي يا لبن حليب يا قشطة»

***

أي شيء في الدنيا لا يحقق خير وكرامة الناس فهو باطل، تعرفونهم بثمارهم، الدين الذي ثمرته شديدة المرارة، لا بد أنه اختلط به باطل، الدين الحق، يثمر أخلاقا ورحمة وتعايش ونهضة وسلام، وإلا فلنبحث عن السبب، أما أن نقول مقدس وتلهبنا نيرانه وتبتلينا سهامه، فهذه دروشة وعجز رأي وسذاجة.

كما قال مارك توين: «من ليس له خبرة إلا بالمطرقة يتعامل مع كل شيء كأنه مسمار». والدولة العثمانية كانت حربية صوفية بامتياز، لا تعرف سوى القتال تحت شعار الجهاد، ولهذا فلها مميزات وعيوب، ومهما عظمت المميزات والعيوب، فتحقيق الكرامة للمواطنين لا مساومة عليها سواء كان الحاكم خليفة أم استعمارا أجنبيا أم مواطنا مسلما.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.