قراءة في كتاب نيويورك في عيون زائرة عربية لهناء غمراوي

قراءة في كتاب نيويورك في عيون زائرة عربية لهناء غمراوي

 حين أقرأ مذكرات الرحالة الأوربيين ورجال الاستشراق عن عالمنا العربي، أتعجب من سهولة اندماجهم في البيئة العربية الغريبة بالنسبة لهم، ومن الروتين الثابت عند الرحالة والدبلوماسيين والموظفين الرسميين، قيامهم بكتابة رسالات تشمل معلومات عن كل شيء، لوحة جغرافية واجتماعية وسياسية مرسومة بالكلمات، وكثير منهم ينتمي لجمعيات جغرافية أو أثرية، وكثير منهم كان ماهرا في الرسم، يمارس رسم كل شيء عن الحياة الاجتماعية والأماكن الطبيعية والآثار، ثم ترسل هذه اللوحات للبلد الأم سواء إنجلترا أو فرنسا.. نشاط غريب ومدهش، أفادهم كمستعمرين وأفادنا كأرشيف تاريخي نقرأه اليوم.

وربما ذكرني بكل ذلك ما وجدت روحه في كتاب نيويورك في عيون زائرة عربية للكاتبة هناء غمراوي، وأول ما لفتني مقدمة الدكتور «مصطفى الحلوة» للكتاب كانت محترفة وقَيِّمة، فقام باستعراض ما سبق من كتب أدب الرحلات، مما دفعني لتسجيل ما فاتني قراءته من الكتب التي أتحفنا بذكره عناوينها، تلا ذلك استعراض للكتاب، التقط من كل فصل جوهره، مما أثار فضول القارئ للبراعة في اختيار لقطات مميزة لكل فصل، وهذا ما جعله تمهيدا موفقا للكتاب.

هذا النوع من الكتب يحتاج لنَفَس هادئ، يختار الكلمات بعناية فلا يزيد ولا ينقص، ولقد قرأت الكتاب الذي لمست فيه موهبة الحكي والوصف، فلم يتسرب الملل إلى نفسي، فالانتقال بين الرحلات كان سلسا وثريا في مفرداته ولوحاته التي تأسر الانتباه والخيال، الفصول التي تحدثت عن «الموسيقى والقراءة» كانت مثل البهارات، فأحدثت مزجا بين وصف الرحلات بين الأفكار والأحاسيس الخاصة للكاتب، وكلما منح الكاتب من نفسه بين صفحات الكتاب كلما أضاف روحا وحميمية للكتاب.

هناك لمحات كثيرة أعجبتني في الكتاب، مثل الحديث عن الشواطئ التي هي ملك للشعب، كيف أنَّ شواطئنا أفضل وأهدأ وأروع ولكنها بعيدة عن متناول الناس، بسبب مصادرتها وبيعها للأثرياء، فأصبحت متاحة لمتعة من يملك الثمن، فتعسر تمتع العامة من الشعب بتلك الثروات الطبيعية، وفي هذه الفقرة ربط بين ما شاهدته الأديبة في نيويوك وما تركته في لبنان، فكانت مفارقة موفقة، وفي نفس الوقت أدرك كل عربي قرأ الكتاب، أننا كلنا في الهم عرب، فالشواطئ العربية الجيدة سلبت من الشعوب، وأصبحت للأغنياء، وأصبحت أمراضنا متشابهة، وحديثها عن أفراد الشرطة الذين يختبئون بين الأشجار لمفاجأة الذين يتجاوزون السرعة، هذه الفقرة ذكرتني بحالنا في بلاد العرب حيث نقوم بمذاكرة أماكن الكاميرات، فنتأدب بجوارها ثم بمجرد أن نوليها ظهرنا نزيد السرعة بلا حدود، ومن هذه الفقرة تعلمنا أنهم يدركون الطبيعة البشرية ولهذا قاموا بهذا الإجراء الذي يجعل السائق محترسا في كل وقت، لأنه يتوقع شرطي يطارد، والفقرة الخاصة بتحية «السلام عليكم» فيها إلقاء الضوء على روعة هذه التحية وأثرها المدهش حين يعرفها الناس، وعندما تذكر أنها كانت تنطلق بالعربة في أماكن موحشة، وحرص السائقين على تبادل التحية لإزالة الوحشة، كانت لقطة موفقة ودالة على أنَّ التربية المجتمعية يسهل ترجمتها لسلوك مفيد للناس، وذكرها للمكتبة التي تُمنح فيها الكتب مجانا ثم يقال: (كل ما تختارينه فهو لك) هذا مشروع يحتاجه العرب، ويحتاج لمبادرين ومتطوعين، أما المناقشة الحامية مع الابنة بشأن الاندماج في المجتمع الأمريكي، فأعجبني إصرار الابنة وحكمتها، وأنا أتفق معها، فهذا الاندماج قد يُخرج لنا كتبا تعتبر مرجعا لحال المجتمع الأمريكي والمغتربين العرب في أمريكا، وهذا المشروع يحتاج أديبة بمثل هذه المَلكة والثقافة والمؤهلات الأدبية والنقدية، وعندما تذكر المأزق الذي واجهته بالمطار، و قد نصحها فيها الابن أن تذكر لهم أنها مواطنة أمريكية، هذه فقرة حية، ومن أروع ما أعجبني بالكتاب، وتعبر عن واقع مرير، يصلح للاستشهاد به عندما نتطرق للكتابة عن موضوعات مشابهة، ويأتي حديثها عن مبنى كلية الطب والدرَّاجات التي يقودها كل الناس سواء الطالب أو الدكتور أو عميد الكلية، ولو كان هذا مشهدا عربيا لكان منقسما طبقيا، فكل شخصية ستأتي بما تملك من وسيلة مواصلات فارهة للتمييز والتفاخر، ولتسبب ذلك في فوضى دائما ما نشاهدها في جامعاتنا ومؤسساتنا.

في هذا الكتاب رسم دقيق ثلاثي الأبعاد لصور واقعية التقطتها عين الأديبة بإحساس عال، وأخرجتها على شكل عبارات مفعمة تنضح بالحيوية والحياة موضحة كيف كان يؤثر هذا في بناء شخصيتها أو كيف غير نظرتها للحياة، وجعلها تستفاد حتى من ساعات الملل والانتظار وكأنها تقول إن المتعة تكون في الرحلة وليس في الوصول، وهناك صور خزنتها في ذاكرتها محتفظة بالمشاعر المرافقة لهذه الصور لأنها فعلا أوراق لم تسقط ولن تسقط، وعلى ما يبدو أن كل ما التقطته عدسة كاميرا عين الكاتبة كان يستحق، وقد التقطته بألوان الماضي الأبيض والأسود، وأضافت له من ألوان قوس قزح وألوان الحاضر.

عمل أدبي موفق ويضيف للمكتبة العربية، وأراه بداية لسلسلة لا بد ألا تتوقف، بل أشجع أن تتقن الأديبة اللغة الإنجليزية لتتمكن بها من التعرف أكثر على المجتمع الأمريكي، لأنني أعتقد أن الحس الأدبي والنقدي والإصلاحي عند الأديبة يستطيع أن يسهم في نقل مواضيع حية، سواء عن المجتمع العربي في أمريكا، والمجتمع الأمريكي مقارنة بمجتمعاتنا العربية، فالغوص في هذا المجال يخرج كنوزا مفيدة للجميع، فنعرف كيف المدارس والجامعات عندهم، وما مشاكل الأسر العربية في الخارج، وما سلبيات وإيجابيات الحياة الحرة، وهكذا سلسلة من المواضيع التي بلا عدد .. والتي تحتاج روح وقلم أديب، فالأسلوب السهل والبلاغة والثروة اللغوية والإحساس الراقي سوف ينتج ما يفيد المكتبة الأدبية وينفع الناس.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.